140 عاما من الثورة العرابية.. وقائع ثورة انتهت باحتلال

أحمد عرابي باشا يمتطي جوادا ويسير بين جنوده في الإسكندرية (غيتي)
أحمد عرابي باشا يمتطي جوادا ويسير بين جنوده في الإسكندرية (غيتي)

"والحق أن مجرد غضبة مصري في مثل ذلك الوقت لمصريته ودفاعه عن قوميته كان يعد من ضروب الشجاعة التي تبلغ -لما أحاط بها من ملابسات- حد البطولة (…) وهو لم يغضب فحسب، ولم يعلن غضبه حتى رأى الخوف فنكص، وإنما طالب رئيس الوزراء بما اعتقد أنه الحق غير هياب ولا متلعثم، وأخذ يعد العدة بعدها لما عسى أن يدبر له من كيد، ولم يرض من الغنيمة بنجاته مما وقع فيه، وإنما ذهب على رأس جنده وحمل الخديوي على إجابة ما يريده الجيش (…) بهذا الذي فعله ذلك الفلاح الثائر حقت له الزعامة على الفلاحين من بني قومه، ولكن الأمر لم يقتصر على الفلاحين، فقد بات يخطب وده رجال الحزب الوطني".

بهذه الكلمات دافع المؤرخ الراحل محمود الخفيف في كتابه المهم "أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه" عن قائد الثورة، والحق أن الكتاب حوى توثيقا مهما للعديد من المكاتبات والمراسلات والأحداث، إذ لا يمكن الاستغناء عنه في دراسة تلك التجربة، التي قارب المصريون من خلالها أن يسيروا على مسار الديمقراطية.

لكن ما كتبه المؤرخ الراحل في إنصاف عرابي يجد معارضة له من العرابيين أنفسهم الذين شاركوا في وقائع الثورة، مثل الشيخ محمد عبده ومحمود باشا فهمي وقادة الحركة الوطنية كمحمد شريف باشا وسلطان باشا، وغيرهم كثير، وقامت الأستاذة عايدة العزب موسى -حرم الراحل المستشار طارق البشري- بجمع شهادات وترجمات لمن عاصر أو شارك في الثورة، وثقت فيها تفاصيل مهمة بين قدح في عرابي ودفاع عنه، ليدخل كتابها في باب الوثائق حول الثورة.

نشأة عرابي

ولد عرابي الحسيني -كما في مذكراته- لأبوين من الأشراف عام 1257هـ/1840-1841م، والتحق بالعسكرية مبكرا× إذ كان الخديوي سعيد أصدر أمرا بإلحاق أبناء العمد والمشايخ في العسكرية، وترقى عرابي سريعا، وفي سفره مع الخديوي سعيد عام 1277هـ/1860م وجد عرابي من والي مصر عطفا على المصريين، وقرأ الخديوي سعيد كتاب "تاريخ نابليون بونابرت" باللغة العربية، فألقى الكتاب على الأرض وقال لعرابي "انظر كيف قُهر مواطنوك"! فطالعه عرابي في ليلة واحدة، وأخبره أن سبب انتصار الفرنسيين "أن جيشهم كان منظما، وأننا نستطيع أن نفعل ذلك بمصر لو أردنا"، ومن هنا تعاظم اهتمام عرابي بالسياسة.

توفي سعيد عام 1279هـ/1863م، وخلفه الخديوي إسماعيل بن إبراهيم باشا بن محمد علي، وكان إسماعيل لا يحب المصريين، فتوقفت ترقية عرابي خلال فترة حكم إسماعيل، وهيمن الشراكسة والترك على قيادة الجيش. والشراكسة هم المنحدرون من شمال القوقاز بين البحر الأسود وبحر قزوين، ومن ضمنها جمهوريات الشيشان وداغستان، ورفد عرابي بعد خلاف مع قائده الشركسي الجديد عام 1280هـ/1863م، وزاد ذلك من سخطه على الشركس، ثم عاد عرابي إلى الجهادية بعد سنوات عام 1287هـ/1870م.

أحداث ما قبل الثورة

كانت مظاهرة الضباط في 1296هـ/فبراير/شباط 1879م، بسبب تأخر مرتباتهم حادثا فريدا، ولما رأوا رئيس مجلس النظار (الوزراء) نوبار باشا ومعه ناظر (وزير) المالية ولسن قاموا بالاعتداء عليهما وضربوهما، وذهب الخديوي بنفسه إلى مكان المظاهرة، وأمر حرسه بإطلاق النار على الضباط، لكن علي بك فهمي قائد الحرس أطلق النار في الهواء لئلا يُقتل أي ضابط، واتهم عرابي في هذه الحادثة، ولم تكن له يد فيها، بل كان يتهم الخديوي إسماعيل بتدبيرها، لكن في النهاية تقرر نقله إلى الإسكندرية.

كان عثمان رفقي قد تولى نظارة الجهادية (الحربية)، وهو شركسي متعصب، واجتهد في إنهاء خدمة وتفريق الضباط العرب، وفي عام 1298هـ/1881م، قرر إنهاء خدمة أحد الضباط الكبار، ونقل آخر، فعلم الضابطان بذلك قبل صدور القرار، فذهبا إلى منزل عرابي ومعهم جمع من الضباط، منهم قائد حرس الخديوي؛ وطلبوا منه أن يرفع مطالبهم، فأبى عرابي لأن هذا الأمر "لا يسع الحكومة إلا قتل من يقوم به أو يدعو إليه"، فقالوا "نحن نفديك ونفدي وطننا العزيز بأرواحنا"، فطالبهم عرابي بالقسم على ذلك فأقسموا، فرفع مطالبهم ومعه الميرالاي علي بك فهمي والميرالاي عبد العال بك حلمي، وكانا مطلبين: إقالة ناظر الجهادية، وإجراء تحقيق حول كفاءة من ظفروا بالترقي.

الخديوي محمد سعيد باشا (1822-1863) وكونيج بك سكرتيره الخاص (غيتي)

كانت هذه المرة الأولى التي يتفق فيها الضباط على رفض أوامر صادرة من سلطة عسكرية أعلى، كما أنها المرة الأولى التي يختاروا فيها زعيما لهم.

ويذكر أن الميرالاي هو "أمير آلاي" أي أمير لواء، ويتكون اللواء من أورطتين أو 3 أو 4، والأورطة تتراوح بين 800 و1000 جندي، كما في كتاب "الرتب والألقاب المصرية" لأحمد تيمور باشا.

قرر الخديوي توفيق محاكمة الضباط الثلاثة، وكان قد تولى الخديوية في السابع من رجب 1296هـ/26 يونيو/حزيران 1879م، فدعاهم ناظر الجهادية لحفل زفاف شقيقة الحضرة الخديوية، وما أن وصلوا ديوان الجهادية حتى أحاط بهم الحرس واعتقلوهم، وقرر الناظر تعيين 3 قادة من الشركس بدلا منهم، وما أن وصل القائد الجديد بدل عبد العال حلمي، أمر الضابط محمد عبيد (بطل موقعة التل الكبير في ما بعد) بحبسه، وخرج بالجند إلى ديوان الجهادية وحاول الخديوي دعوة عبيد لما رأى تحركه من شرفة قصره، فرفض إجابته، ووصل إلى الديوان وبحث عن الضباط الثلاثة وحررهم، وكذلك فعل الضباط التابعون لعلي فهمي، أما الضابط التابع لعرابي فإنه لم يعترض القائد الجديد ولم يف بوعده لعرابي في نصرته.

وافق الخديوي توفيق على مطلب الضباط بعد رد فعل ضباطهم وجنودهم، وأقال رفقي، وعين بدلا منه ناظر الأوقاف الباشا محمود سامي البارودي ناظرا للجهادية والأوقاف، وقدم له الضباط لائحة بطلبات الجند تتعلق بزيادة المرتبات، وتحسين جودة الطعام الذي كان رديئا، وسن قوانين للترقي، وإعادة الضابط الذي قام رفقي برفده، وأجاب البارودي هذه الطلبات.

تسبب هذا الموقف في ارتفاع أسهم عرابي بين المصريين، ويروي المؤرخ محمود الخفيف أن جماعة من الوطنيين كانوا يجتمعون أواخر عهد إسماعيل في بيت نقيب الأشراف السيد البكري، وبعد ذلك نقلوا اجتماعاتهم إلى حلوان للابتعاد عن أعين الخديوي، وهم الذين شكلوا الحزب الوطني، واتفقت أهدافهم مع أهداف عرابي، فأصبح عرابي ملتقى الوطنيين من المدنيين والعسكريين، وفي الوقت نفسه جرت عدة محاولات لقتل عرابي، لكنها لم تفلح، وتنبه لها قادة حركة الجيش وأصبحوا يتحركون وسط حراسة.

الخديوي إسماعيل باشا حاكم مصر والسودان من 1863 إلى 1879 (غيتي)

لاحظ عرابي أن السير مالت قنصل إنجلترا في مصر كثير التردد على الخديوي توفيق، وكانت فرنسا احتلت تونس في أبريل/نيسان 1881م، فخشي أن تقع مصر في الاحتلال الإنجليزي، لإحداث توازن قوى أوروبي عبر مصر، فأرسل عرابي رسالة لأعيان البلد يحث فيها على إقالة وزارة رياض باشا، وهي نقلة كبيرة في مسار الحركة الوطنية.

يوم عابدين

أرسل عرابي إلى ناظر الجهادية أن آلاي (لواءات) القاهرة ستجتمع كلها أمام قصر عابدين في التاسع من سبتمبر/أيلول 1881، وبعث أيضا إلى القناصل الأجانب ليطمئنهم على أحوال رعاياهم، وأنه ليس هناك ما يقلقهم، وعلى الفور أرسل الخديوي إليهم مبعوثا، لكنهم رفضوا إلغاء التظاهرة، وطاف الخديوي بنفسه على الألوية ليثنيهم عن المشاركة، فرفضوا، إلا لواء حرس الخديوي بقيادة علي بك فهمي، الذي انتشر في القصر ووقف جنوده على النوافذ.

حضر عرابي في موعده، ومعه باقي آلاي القاهرة، وخرج الناس وراءهم، وأمام قصر عابدين أرسل عرابي إلى علي بك فهمي ليحضر، فلما وقف أمامه سأله عن موقفه، فأجابه "إن السياسة خداع"، فطلب منه أن يأخذ مكانه، فجمع الآلاي ووقف مكانه في الميدان، فاكتملت قوة الجيش في ميدان عابدين، ومن ورائهم المصريون.

ذهب الخديوي إلى المجتمعين، ومعه السير كولفن المراقب المالي الإنجليزي، ويروي عرابي أنه ترجل من على جواده، وأسرع إليه وأدى التحية له، فأشار الخديوي إلى سيفه، فأغمده عرابي، وحينها أشار كولفن إلى الخديوي ليقتل عرابي، فالتفت إليه قائلا "ألم تنظر إلى الجنود من حولنا؟ وصاح الخديوي في الجنود ليغمدوا سيوفهم ويعودوا إلى أماكنهم، فلم يجيبوه، فسأل عرابي عن طلباته، فأخبره أنهم يطلبون "إسقاط الوزارة المستبدة، وتشكيل مجلس النواب على النسق الأوروبي، وزيادة عدد الجيش إلى القدر المعين في الفرمانات السلطانية، والتصديق على القوانين العسكرية السابق أمركم بوضعها". وكان قوام الجيش 12 ألف جندي، والفرمان السلطاني يقضي بأن يكون 18 ألفا.

ذهب الخديوي إلى المجتمعين، ومعه السير كولفن المراقب المالي الإنجليزي، ويروي عرابي أنه ترجل من على جواده، وأسرع إليه وأدى التحية له، فأشار الخديوي إلى سيفه، فأغمده عرابي، وحينها أشار كولفن إلى الخديوي ليقتل عرابي، فالتفت إليه قائلا "ألم تنظر إلى الجنود من حولنا؟" وصاح الخديوي في الجنود ليغمدوا سيوفهم ويعودوا إلى أماكنهم، فلم يجيبوه، فسأل عرابي عن طلباته، فأخبره أنهم يطلبون "إسقاط الوزارة المستبدة، وتشكيل مجلس النواب على النسق الأوروبي، وزيادة عدد الجيش إلى القدر المعين في الفرمانات السلطانية، والتصديق على القوانين العسكرية السابق أمركم بوضعها". وكان قوام الجيش 12 ألف جندي، والفرمان السلطاني يقضي بأن يكون 18 ألفا.

قال الخديوي لعرابي "كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وإني ورثت هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساننا"، فقال عرابي "نحن خلقنا الله أحرارا، ولم يخلقنا تراثا أو عقارا، فوالله الذي لا إله إلا هو إننا لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم". فأشار كولفن على الخديوي بالتراجع إلى القصر، وأصبح هو الذي يتكلم مع عرابي ويعود إلى الخديوي، وبعد مفاوضات قبل الخديوي إقالة الوزارة، واتفقوا على إسنادها إلى محمد شريف باشا، واتفقوا على إنفاذ باقي الطلبات بالتدريج، فكان نصرا كبيرا للأمة، ولعرابي بالطبع.

رفض محمد شريف باشا تولي الوزارة في البداية؛ خشية سيطرة العسكريين عليها، لكن عرابي تعهد له بأن يبتعد عن السياسة، وبعد تشكيل الوزارة طلب البارودي من عرابي وعبد العال حلمي أن ينتقلا من القاهرة، ونقل حلمي إلى دمياط، وعرابي إلى رأس الوادي بالشرقية، وقبلا القرار، لكن عرابي اشترط أن يصدر أمر بانتخاب مجلس شورى النواب قبل السفر، وبعد صدوره بيوم توجه إلى الشرقية.

أرسل السلطان العثماني في ذي القعدة 1298هـ/أكتوبر/تشرين الأول 1881 وفدا إلى مصر، والتقى الوفد الأطراف كلها، لكن فرنسا وإنجلترا غضبا لأن السلطان عبد الحميد لم يخبرهما بالزيارة، واتفقت الدولتان على عمل مظاهرة بحرية على سواحل الإسكندرية، وأرسلت كل دولة سفينة طوال مدة تواجد الوفد بمصر، وغادرتا مع مغادرة الوفد، فكان تصرفهما إيذانا بالتصعيد وبنية غير صافية تجاه مصر.

وقائع الانقسام

وقع الخلاف داخل الحركة الوطنية المصرية عند إعداد لائحة مجلس النواب؛ فقد رأى شريف باشا -لتخفيف الضغوط الخارجية- أن يناقش المجلس نصف الموازنة المالية المصرية، إذ كان يذهب النصف الباقي إلى الديون الأوروبية والجزية إلى الباب العالي، ورفض العرابيون ذلك، ولما استشعر شريف إصرارهم استقال من رئاسة الوزراء، وكلف البارودي بتشكيل الوزارة، وأصبح عرابي وزيرا للجهادية.

تفاعل القناصل الأجانب مع هذا الحدث، وكانت النية مبيتة لاحتلال مصر، ويقول مستر بلنت الإنجليزي -مؤلف كتاب "التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر"، وكاتب سيرة عرابي- أنه التقى في مارس/آذار 1882 السير جارنت ولسلي، الذي سيقود الحملة على مصر بعد ذلك، ودار بينهما نقاش حول مصر، فأخبره ولسلي في ذلك اللقاء أن الحكومة الإنجليزية "استشارته مرتين أو 3 أثناء الشتاء في احتلال عاجل لمصر"، وأكدت الحوادث التالية هذه النية.

مؤامرة الضباط الشراكسة

اكتشف عرابي محاولة ضباط من الشراكسة اغتياله واغتيال زعماء من الحركة الوطنية، وتم اعتقال 48 ضابطا، منهم عثمان رفقي باشا، وصدر ضدهم حكم بالنفي المؤبد إلى أعالي النيل الأبيض في ربوع السودان وتجريدهم من الرتب العسكرية، لكن كولفن ومالت استغلا الفرصة لزرع الانقسام؛ فنصحوا الخديوي بعدم التصديق على الحكم، وتذرع مالت بكون رفقي يحمل لقب فريق، فلا يجوز لغير السلطان أن يجرده من لقبه، فأرسل الخديوي إلى "الحضرة العلية"، فأصبح للعثمانيين دور كذلك في القضية، وللخروج من الأزمة اقترحت الوزارة أن يتم نفيهم إلى أي بلد من دون أن تمس رتبهم وألقابهم، لكن تمحى أسماؤهم من سجلات الجيش؛ فتدخل الإنجليز مرة أخرى ليصدر قرار الخديوي بنفيهم خارج مصر لا إلى السودان، مع عدم استبعاد أسمائهم من سجلات الجيش، الأمر الذي يعني أن نفيهم سيكون مؤقتا، فثارت الوزارة ضد القرار.

استفحل الخلاف بين وزارة البارودي والخديوي، وكانت إنجلترا قريبة من الأحداث، ومع تعمق الخلاف بين الوزارة والخديوي، أبلغ القنصلان الإنجليزي والفرنسي الخديوي توفيق، منتصف مايو/أيار 1882م أن حالة البلاد خطرة وتستوجب التدخل، وأنهما سيرسلان سفنا حربية إلى المياه المصرية، وبدأ وصول السفن يوم 20 من الشهر ذاته.

تقدمت الحكومتان بمذكرة مشتركة بعدها بـ5 أيام، طالبتا باستقالة حكومة البارودي وإخراج عرابي من القطر المصري، وإبعاد عبد العال بك حلمي وعلي بك فهمي إلى الأرياف، مع احتفاظهم جميعا برتبهم ومرتباتهم ونياشينهم، كما أعلنتا الدعم للخديوي، وقبل الخديوي المذكرة، واستقالت الحكومة إثرها رفضا للتدخل الأجنبي، وبعد يومين ذهب أعيان القطر إلى الخديوي وأبلغوه رفضهم المذكرة المشتركة، وأنهم لا يرضون غير عرابي للجهادية، وبعدها أرسل ضباط آلاي الإسكندرية أنهم لن يرضوا بغير عرابي ناظرا للجهادية، وإن لم يعد خلال 12 ساعة فإنهم غير مسؤولين عما سيحدث، فاضطر الخديوي للتراجع، وأعاد عرابي إلى الجهادية، وأرسل عرابي خطابا للأطراف الوطنية والأجنبية يعلن فيه مسؤوليته عن حفظ الأمن في البلاد، لتهدأ الأوضاع في البلاد، وقد كان.

الخديوي توفيق باشا الحاكم السادس من أسرة محمد علي لمصر والسودان بين عامي 1879 و1892 (غيتي)

أحداث الإسكندرية

وقع خلاف -في الإسكندرية- بين مالطي ومصري على أجرة المكاري المصري، فقام الأجنبي بقتل المصري في يونيو/حزيران 1882، واشتعلت الأحداث عدة ساعات. ونقل الخفيف عن الكاتب السويسري جون نينيه الذي شهد الأحداث أنه سقط في ذلك اليوم "75 مصريا و163 أجنبيا"، ويروي أنه لقي المحافظ عمر لطفي أثناء الأحداث يتجول بملابس غير رسمية ومعه ضباط، ودار بينهما نقاش حاد، أنهاه لطفي بقوله "وما شأنك والمسألة عن هذا؟ ويرجح عدد من المؤرخين أن الحادث كان مدبرا من الأجانب والخديوي توفيق، لتفاصيل نشروها في كتبهم باستفاضة.

دك الإسكندرية

كانت الأساطيل لا تزال مرابطة على شواطئ الإسكندرية، وكان الجيش يقوم بأعمال التحصينات على شواطئ المدينة، وترميم ما يلزم، لكن قائد الأسطول الإنجليزي وجّه إنذارا في السادس من يوليو/تموز 1882م إلى قائد حامية الإسكندرية يطالبه بوقف التحصينات وجلب المدافع، وهو ما نفاه القائد، وفي العاشر من الشهر ذاته أرسل لهم إنذارا نهائيا يطالبه بتسليم "البطاريات الموضوعة في رأس التين وعلى شاطئ ميناء الإسكندرية الجنوبي بشأن تجريدهم من السلاح"، والبطاريات. وذكر أحمد تيمور باشا أنها مجموعة من 6 مدافع يقوم عليها 220 جنديا.

بدأ الضرب صباح يوم 11 يوليو/تموز 1882، ولم تصمد المدينة أمام القصف الذي دكّ المدينة، ويقول الشيخ محمد عبده -الذي كان مع عرابي في المدينة- أنه خرج منها 150 ألف شخص هربا من القصف، وبعد هزيمة مدينة الإسكندرية تحصن عرابي في كفر الدوار، واستقبل الإنجليز الخديوي وكان في حمايتهم، وبعد هزيمة عرابي في كفر الدوار، انتقل إلى التل الكبير، وكاد الجيش أن يردم جزءا من قناة السويس لئلا يدخل منها الأسطول الإنجليزي، لكن ديليسبس (المهندس الفرنسي صاحب فكرة حفر قناة السويس) أكد لعرابي حيادية القناة، وأن الإنجليز لن يدخلوا منها، فتراجع عرابي عن ردمها، ثم دخل منها الأسطول الإنجليزي يوم 26 من الشهر ذاته، وهُزم عرابي في التل الكبير في 13 سبتمبر/أيلول 1882م، وسلّم عرابي نفسه في القاهرة بعد دخول الإنجليز إليها في 15 من الشهر ذاته، وحوكم ورفاقه وتم نفيهم، وبقي الاحتلال الإنجليزي في مصر منذ ذلك الحين وحتى 18 يونيو/حزيران 1956.

خاتمة

الحق أن الثورة العرابية هُزمت يوم أن دبّ الخلاف بين زعماء الحركة الوطنية والعسكريين، واتهم العرابيون رئيس مجلس النواب محمد باشا سلطان بالخيانة وممالأة الإنجليز، وأنه كان يدعو المصريين للانفضاض عن عرابي، وأفردت ابنته هدى شعراوي ردود من عاصروا تلك المرحلة في مذكراتها واتهموا العرابيين بأنهم طلبوا السلطة والزعامة، لذا انهزموا، كما كان موقف محمد شريف باشا سلبيا منهم بعد خلافه معهم، وكان رأي المؤرخ عبد الرافعي أن "حراك الثورة" ينقسم إلى مرحلتين: مرحلة ما قبل نجاح، والمرحلة الثانية منذ إقالة شريف باشا، وأن قادة الثورة كانوا يبغون المناصب.

إذا كانت الشهادات متضاربة في حق عرابي وجيله، فالقدر الذي يمكن الاتفاق عليه أن قادة الثورة اختلفوا وانقسموا، ومن هنا كانت بوابة الخديوي للانقضاض عليهم وعلى حراكهم، ومن هنا أيضا كانت بوابة الاحتلال.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ينظم المجلس الأعلى للثقافة بمصر الأسبوع القادم ندوة عنوانها “100 عام على وفاة الإمام محمد عبده” تستمر لمدة يومين بمشاركة عدد من المهتمين بالفكر الإسلامي والتاريخ الحديث من بينهم زبيدة عطا ومحمد عمارة وعبد العظيم رمضان ويونان لبيب رزق ورفعت السعيد ولطيفة سالم.

2/3/2005

احتفلت الأوساط الأدبية والثقافية هذا الأسبوع بمئوية رحيل رائد حركة إحياء الشعر العربي في القرن التاسع عشر محمود سامي البارودي الذي عاش حياة شاعر ورجل دولة ومصلح وثائر ونجح في تجسيد نموذج جديد للشاعر بعد قرون عديدة من اقترابه من نموذج النديم أو المهرج.

29/12/2004
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة