الأنثروبولوجية الأميركية ريبيكا إل ستاين: هكذا تغير الاحتلال العسكري الإسرائيلي في عصر الهواتف الذكية

ريبيكا إل ستاين أستاذة مشاركة بجامعة "ديوك" تدرسُ الأنثروبولوجيا الثقافية وتختص بالشأن الفلسطيني. (مواقع التواصل)
ريبيكا إل ستاين أستاذة مشاركة بجامعة "ديوك" تدرسُ الأنثروبولوجيا الثقافية وتختص بالشأن الفلسطيني. (مواقع التواصل)

تعد أحداث العدوان الإسرائيلي على غزة والقدس مؤخرا مناسبة مهمة تظهر أهمية الصورة ومدى تأثيرها على ساحة التجاذبات السياسية، فسياسة العنف التي يمارسها الجانب الإسرائيلي على الفلسطينيين كانت دائما محاصرة بـ"الصورة"، باعتبارها وسيلة تظهر فداحة العدوان على الشعب الفلسطيني، وهو ما حاولت إسرائيل مكافحته دائما.

وأهمية الأحداث الأخيرة تظهر أهمية "الصورة"، فالمجتمع الدولي بدأ يغير رأيه بخصوص الوضع الحاصل في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة بفعل "الصورة"، وهو ما يفسر استهداف الجيش الإسرائيلي "برج الجلاء" الذي يضم مقر قناة الجزيرة ومنابر إعلامية عديدة في غزة، وهو ما يفسر كذلك ملاحقة إسرائيل للصحفيين وحاملي الكاميرات، واعتقال مراسلة الجزيرة جيفارا البديري مثال حي على هذه السياسة التي تدرك أهمية الصورة، التي أسهمت في تغيير موقف شريحة مهمة من المجتمع الدولي لصالح القضية الفلسطينية.

وفي محاولة لفهم تأثير الصورة، حاورت الجزيرة نت الأنثروبولوجية ريبيكا إل ستاين (Rebecca L. Stein) الأستاذة المشاركة بجامعة ديوك التي تدرس الأنثروبولوجيا الثقافية.

وتختص ستاين بدراسة الشأن الفلسطيني، وقدمت حوله دراسات مهمة مثل كتاب "مسارات في الصراع: الإسرائيليون والفلسطينيون والحياة السياسية للسياحة" (Palestinians and the Political Lives of Tourism) الصادر عن جامعة ديوك عام 2008، وكتاب "العسكرة الرقمية: الاحتلال الإسرائيلي في عصر وسائل التواصل الاجتماعي" (Digital Militarism: Israel’s Occupation in the Social Media Age) الصادر عن جامعة ستانفورد عام 2015، وأخيرا "لقطات شاشة: عنف دولة أمام الكاميرا في إسرائيل وفلسطين " (Screen Shots: State Violence on Camera in Israel and Palestine) الصادر عن جامعة ستانفورد في العام الجاري، 2021.

كتاب "لقطات شاشة: عنف دولة أمام الكاميرا في إسرائيل وفلسطين" صدر عن مطبعة جامعة ستانفورد 2021. (الجزيرة)

والكتاب الأخير دراسة مهمة تظهر سياسات إسرائيل العدوانية وتفاعلها مع الصورة بوصفها أداة لـ"المقاومة"، ويحاول الحوار مساءلة مضامين الكتاب على ضوء الأحداث الأخيرة التي تشهدها فلسطين من اعتداءات وحضور سياسات ممنهجة لتدبير وتوجيه الصورة، من أجل جعل قصة الجانب الإسرائيلي تطفو وتنتشر على حساب الحقائق والاعتداءات الحاصلة على مختلف الشرائح سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، فإلى الحوار:

  • قلتم إن "لقطات الشاشة" تعطينا سيرة اجتماعية عن عنف الدولة أمام الكاميرا، وقد تم فحصها من وجهة نظر الاحتلال العسكري الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. فهل تغير هذا العنف خلال العقدين الأخيرين من القرن الحادي والعشرين؟

يقوم كتاب "لقطات الشاشة" بالتحقيق في السؤال التالي: كيف تغير الاحتلال العسكري الإسرائيلي في عصر الهواتف الذكية؟

اليوم، يعد التصوير الفوتوغرافي أمرا مسلما به، خلال الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على غزة والقدس، توقعنا أن يوجد العديد من النشطاء الفلسطينيين في الموقع ليقوموا بالتصوير وبث العنف بشكل آني ومباشر، لكن الأمر وقع بشكل حديث جدا.

تهتم دراسة "لقطات الشاشة" بشكل خاص بالسنوات الأولى لانتشار الكاميرات الرقمية في فلسطين وإسرائيل، عندما كان جميع الفاعلين السياسيين، سواء من الجنود الإسرائيليين أو النشطاء الفلسطينيين يتعلمون كيفية استخدام الكاميرات باعتبارها أداوت سياسية. في هذه السنوات الأولى، لم تنتشر صور كثيرة عن عنف الدولة الإسرائيلية مطلقا، وذلك راجع لغياب الكاميرات التي لم تكن موجودة، أو كان النشطاء الفلسطينيون والعاملون في مجال حقوق الإنسان يفتقرون إلى الوسائل اللازمة لنقل مشاهدهم بسرعة إلى عامة الناس.

وفي كثير من الأحيان، يتم استهداف كل من المصورين والنشطاء الفلسطينيين الذين يحملون كاميرات من الشرطة أو الجنود الإسرائيليين، وهو ما تجسده الاعتقالات وعمليات الاحتجاز المتكررة، وكذا الكاميرات المكسورة ومصادرة اللقطات، وهو ما تم التأريخ له في فيلم "الكاميرات الخمس المكسورة" (Five Broken Cameras). ولقد كانت صور عنف الدولة الإسرائيلية النادرة نسبيا في تلك الأيام وفي "الانتفاضة الأولى" مثالا على ذلك، وهنا تكمن أهمية الحاضر الرقمي.

  • بدأ كتاب "لقطات الشاشة" بمطلع القرن الحادي والعشرين أي في خضم الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000-2005) والسنوات الأولى للتصوير الرقمي. ويختتم في الحقبة التي باتت فيها الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي في فلسطين وإسرائيل منتشرة، كيف تغير استخدام سياسات الصور منذ مطلع القرن الحالي إلى الآن؟

اسمحوا لي أن أقدم مثالا من الكتاب "لقطات الشاشة" يشرح برنامج الرد العسكري الإسرائيلي على نشاط الكاميرا بين الفلسطينيين والنشطاء الدوليين. لطالما اعتبر الجيش هذه الكاميرات تهديدات خطيرة له، إسرائيل كانت خائفة بشكل خاص من انتشار مقاطع الفيديو التي تجسد وحشية اعتداءاتهم بشكل كبير، لما يمكن أن تحمله تلك المقاطع من قدرة على التأثير على الرأي العام الدولي.

قام الإسرائيليون بانتقاد الجيش الإسرائيلي بقسوة باعتبار أنه "خسر الحرب الإعلامية" من وجهة نظرهم، وذلك لفشل الجيش الإسرائيلي في منع انتشار مقاطع الفيديو والصور التي تجسد عنف الدولة الإسرائيلية

وهو ما جسده الهجوم الإسرائيلي على "أسطول الحرية" من بين الأمثلة الهامة على ذلك، وحينها قام الإسرائيليون بانتقاد الجيش الإسرائيلي بقسوة باعتبار أنه "خسر الحرب الإعلامية" حسب وجهة نظرهم، وذلك لفشل الجيش الإسرائيلي في منع انتشار مقاطع الفيديو والصور، التي تجسد عنف الدولة الإسرائيلية، لسنوات كان يحاول الجيش الإسرائيلي فيها تحسين إستراتيجيته الإعلامية.

اعتقد الإستراتيجيون العسكريون أن المشكلة تكمن أساسا في "الصور السيئة" التي يوزعها أعداؤهم. فبدلا من الحديث عن عنف الدولة الإسرائيلية، ركزوا على مشكلة تهديد الكاميرات.

ظهر هذا الخوف أيضا خلال الهجمات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على غزة والقدس، إذ علق المتفاعلون مع وسائل الإعلام الإسرائيلية مرارا عن الحاجة إلى بناء "صورة لنصر"، أي صورة تقنع المجتمع الدولي بأن الاعتداءات الإسرائيلية مبررة، وهو ما لم يحصلوا عليه لغياب "الصورة"؛ وغياب هذه الصورة شكل مصدر قلق بالغ لإسرائيل.

على مدى العقدين الماضيين، أدرك الجيش الإسرائيلي قوة كاميرات المارة كونها أدوات لمكافحة الاستعمار؛ وعليه، هم يخشون هذه القوة.

على مدى العقدين الماضيين، أدرك الجيش الإسرائيلي قوة كاميرات المارة كونها أدوات لمكافحة الاستعمار؛ وعليه، هم يخشون هذه القوة.

  •  قلتم إن عمل المصورين الإسرائيليين كان في كثير من الأحيان تحت التهديد بالعنف العسكري الإسرائيلي وعنف المستوطنين. هل أسهم ذلك في إخفاء العدوان المطبق على الفلسطينيين أم أن الواقع أظهر العكس؟

طوال تاريخ الاحتلال الإسرائيلي الطويل، تعرض الصحفيون الفلسطينيون لتهديدات القوات الإسرائيلية، لقد رأينا ذلك بوضوح خلال القصف الإسرائيلي الأخير لمركز إعلامي مهم (برج الجلاء) في قطاع غزة. هذه التهديدات هي صراع يومي يعيشه جسم الصحافة الفلسطيني، وحاملو الكاميرات الذين يشهدون اعتقالات واعتداءات متكررة من قبل القوات الإسرائيلية ليسوا مستثنين من ذلك. وفي العقد الماضي، تعرض الصحفيون المصورون الإسرائيليون اليهود للتهديد أيضا، لا سيما عند تصوير أعمال عنف الجنود أو المستوطنين.

لكن العنف الذي يواجهونه يتضاءل بالمقارنة مع العنف الذي يواجهه الصحفيون الفلسطينيون. إذ تتعرض حرية الصحافة الفلسطينية للهجوم بشكل منتظم، وهو ما جسدته الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على غزة بشكل واضح.

  • كيف أسهمت "لقطات الشاشة" في تطوير عمل المنظمات الحقوقية غير الحكومية المعنية بالدفاع عن القضية الفلسطينية، وهل كانت فعالة في الحد من العدوان الإسرائيلي؟

كانت المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة من أوائل من استخدم الكاميرات باعتبارها أدوات سياسية، ومثال على هذا الأمر كانت منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية غير الحكومية رائدة في هذا الصدد، إذ كانوا من أوائل من وزعوا كاميرات الفيديو على الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال، ليتمكنوا من توثيق الانتهاكات التي يتعرضون لها على يد قوات الاحتلال.

وكانت المشاهد التي قاموا بتصويرها مؤثرة في وسائل الإعلام الإسرائيلية والدولية على حد سواء، لكنها غالبا فشلت في التحول إلى دليل في المحاكم الإسرائيلية؛ فحتى عندما تكون مشاهد الإساءة التي يقوم بها جنود الاحتلال موجودة بوفرة وتقدم ضمن الأدلة في قاعة المحاكم، فإنها لا تنجح -في أغلب الأحيان- في محاكمة الجنود الإسرائيليين على جرائمهم ضد الفلسطينيين.

وهذا يشكل عنصرا مهما من قصتي، أي فشل مشاهد عنف الدولة الإسرائيلية الملتقطة في توليد نتائج قانونية جديدة، ولقد شاهدنا المشهد نفسه في قاعات المحاكم في جميع أنحاء الولايات المتحدة بعد حالات قتل الشرطة أميركيين من أصول أفريقية، ففي فلسطين كما هو الحال في الولايات المتحدة، غالبا تفشل "كاميرات المارة" في تحقيق العدالة.

  • يمكن ملاحظة أن كتابك الأخير "لقطات الشاشة" هو امتداد أنثروبولوجي لكتابك المهم "العسكرة الرقمية" (Digital Militarism). هل يمكن أن تشرحي للقارئ العربي كيف يتجلى ذلك؟

يركز كتاب "العسكرة الرقمية" الذي كتبته مع أدي كونتسمان (Adi Kuntsman) على الطرق التي استخدم بها اليهود الإسرائيليون وسائل التواصل الاجتماعي لدعم المشروع الاستعماري في فلسطين، ولقد بدأنا الكتاب عام 2011، في أثناء حدوث الثورات العربية في مصر وتونس، ففي أعقاب ذلك، وضع العديد من النشطاء في جميع أنحاء العالم الأمل على قوة وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها أداة محورية.

حاولنا عبر الكتاب تذكير القراء بالجانب المظلم الذي تحمله "وسائل التواصل الاجتماعي" بين طياتها، إذ قلنا إنه في الحالة الإسرائيلية العكس هو الحاصل تماما، حيث كانت وسائل التواصل الاجتماعي أداة مهمة لتعزيز الاحتلال العسكري. وفي هذا الصدد، صغنا مصطلح "عسكرة السيلفي" (selfie militarism)، الذي أردنا به وصف الطرق التي يستخدم بها الجنود والمدنيون الإسرائيليون صور السيلفي للاحتفال بالاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين، مثل نشر الجنود الإسرائيليين صور سيلفي مع الفلسطينيين المعتقلين. ولقد ظهرت "العسكرة الرقمية" الإسرائيلية بشكل غريب في الأحداث الأخيرة عل غزة والقدس، وهو ما تجسد في أمور عديدة، من بينها استخدام حشود يمينية إسرائيلية الفيسبوك وتلغرام لتنظيم حملاتها العنيفة ضد الفلسطينيين.

كانت وسائل التواصل الاجتماعي أداة مهمة لتعزيز الاحتلال العسكري، ويحاجج كتاب "لقطات الشاشة"، على غرار كتاب "العسكرة الرقمية"، بأن الاحتلال الإسرائيلي لا يستمر باستعمال القوة الغاشمة فقط على الفلسطينيين، ولكن يضاف إليها كذلك الاعتماد على الأعمال الرقمية اليومية التي يقوم بها الجنود والمستوطنون والمدنيون الإسرائيليون.

يحاجج كتاب "لقطات الشاشة"، على غرار كتاب "العسكرة الرقمية"، بأن الاحتلال الإسرائيلي لا يستمر باستعمال القوة الغاشمة فقط على الفلسطينيين، ولكن يضاف إليها كذلك الاعتماد على الأعمال الرقمية اليومية التي يقوم بها الجنود والمستوطنون والمدنيون الإسرائيليون.

  • تجدد العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين في القدس وغزة في الآونة الأخيرة. كيف لعب النشطاء المصورون دورا في الكشف عن حجم الجرائم المطبقة على الفلسطينيين المدنيين للعالم؟

خلال الأحداث الأخيرة على غزة والقدس، شاهد الجمهور في جميع أنحاء العالم العنف الإسرائيلي المروع ضد الفلسطينيين الذي يتكشف في وقت وقوعه الحقيقي على وسائل التواصل الاجتماعي. لدى الفلسطينيين تاريخ مهم من النشاط عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما مهد لحجم وسرعة المشاهد التي تظهر العنف الإسرائيلي بطريقة غير مسبوقة.

التحدي -بالنسبة للنشطاء في جميع أنحاء العالم- هو إبقاء حركة التحرير الفلسطينية مستمرة بعد أن يتم خفوت الصور التي خرجت من غزة ولفتت الأنظار.

يعلق الكثير من الفلسطينيين آمالا كبيرة على مقاطع فيديو التي تم انتشارها بشكل كبير على منصات مثل "تيك توك" والتي تظهر طبيعة القصف الإسرائيلي، حيث قال أحدهم "الآن رعب دولة إسرائيل مرئي للجميع". أشاركهم هذا التفاؤل، ولكن التحدي -بالنسبة للنشطاء في جميع أنحاء العالم- هو إبقاء حركة التحرير الفلسطينية مستمرة بعد أن يتم خفوت الصور التي خرجت من غزة ولفتت الأنظار.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تكتسب الدراسة النقدية المعمقة للعمارة الإسرائيلية والتخطيط الحضري داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أهمية مضاعفة، في سياق رغبة حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المحمومة لضم مستوطنات الضفة.

18/5/2021

عُدّت كلمات البيان فريدة من نوعها وغير معتادة، فهي من ناحية تقدم نقدا ذاتيا غير مسبوق، وفضلا عن ذلك تؤكد ضرورة الفعل والعمل اللاعنفي لمقاومة الظلم بدلا من دعوات الهدوء السلبية.

21/6/2021
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة