الدعاية بدلا من الحوار.. لماذا أصبح الجميع منخرطين في حرب الدعاية بأميركا؟

الكذبة الكبرى التي أدت إلى كذبة تزوير الانتخابات وأحداث العنف التي جدت في مطلع العام الجاري، تعود في الأصل إلى التسعينيات، مع ظهور عملية صناعة المعارضة، والعمليات الدعائية لليمين الأميركي، تحت شعار "السياسة هي الحرب، والعدو يخادع"، وبالتالي بات كل خبر أو قضية يتم تناوله من هذا المنظور الصدامي.

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة الذي يحتضن مجلس الشيوخ والكونغرس (شترستوك)

تشهد الولايات المتحدة حاليا حرب معلومات ضد نفسها، حيث إن الفضاء العام الذي يفترض أن يناقش فيه الأميركيون الشأن العام، بات مغلقا تماما وبالكاد تجري فيه أية نقاشات، وفي المقابل تطغى عليه المعارك والسجالات.

وترى الكاتبة جينفير مرسيكا، في مقال نشره موقع "ذا كونفرزيشن" (theconversation) الأميركي، أن أحد أسباب هذه الظاهرة هو أن عملية الإقناع تتسم بالصعوبة وتستهلك وقتا كثيرا.

لذلك فإن الحوارات التي تهدف إلى إقناع الناس باتت نادرة في القنوات التلفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعي، وحلت محلها نوعية جديدة من الدعاية، جعلت الجميع منخرطين في حرب الدعاية (البروباغندا).

الإقناع في مواجهة الدعاية

تقول الكاتبة إنها بصفتها أستاذة للاتصال السياسي والدعاية في الجامعة الأميركية، تدرك جيدا الفرق بين العبارتين، إذ إن الاتصال السياسي هو الإقناع في مواضيع سياسية، وهو يساهم في تعزيز العمل الديمقراطي.

في المقابل، فإن الدعاية هي الرسائل التي تشن حربا، وهي معادية للديمقراطية، حيث إنها تؤثر على العقول باستخدام "إستراتيجيات شريرة"، مثل التخويف والتضليل والترويج لنظرية المؤامرة.

صناعة القبول لدى الرأي العام

ظهرت تقنيات الدعاية الجماهيرية مع تطور أول تكنولوجيات الاتصال، مثل اللافتات الدعائية والصور والأفلام، أثناء الحرب العالمية الأولى.

وكانت هذه النماذج المبكرة من الدعاية تستخدم من طرف النخب السياسية لصناعة رأي عام موافق على أشياء مثل الذهاب للحرب، أو للحط من معنويات العدو.

وعرض تقرير سابق للجزيرة نت تفاصيل دعاية ضد الشيوعية أشرف عليها مسؤولو الحكومة البريطانية لمدة 30 عاما، وقدم خلالها مستندات مزيفة إلى الصحفيين والأكاديميين لإنتاج أخبار كاذبة خلال الحرب الباردة، وفقا لملفات أرشيفية رفعت عنها السرية مؤخرا.

وعملت إدارة بحوث المعلومات سرّا في جميع أنحاء العالم، باستخدام شبكة من الصحف ووكالات الأنباء -بما في ذلك هيئة الإذاعة البريطانية ورويترز- ومحطات الإذاعة ودور النشر والصحفيين والمؤلفين الأفراد.

وعملت الإدارة البريطانية في الشرق الأوسط وآسيا، ونفذت عملياتها السرية في اليونان وملايا (ماليزيا حاليا) ومصر وإندونيسيا، بهدف دعم الحملة ضد النفوذ الشيوعي خارج المملكة المتحدة، وكسب الرأي العام العالمي لصالح الأهداف الإستراتيجية البريطانية.

وبحسب عالم اللسانيات نعوم تشومسكي، فإن صناعة الرأي العام اعتبرتها النخب السياسية ضرورية، لأنها كانت ترى في الجماهير مجرد قطيع من الأغبياء غير القادرين على فهم الأمور، ولذلك يجب ترويض القطيع والسيطرة عليه تماما، حتى لا يتحرك بحرية فيدوس على كل شيء ويدمره.

وبعد الحرب العالمية الأولى، واصلت النخب استخدام الدعاية من أجل ترويض القطيع، إلا أن هذه الإستراتيجية خلفت تأثيرات أخرى بعد حوالي قرن كامل من ظهورها، وهي تراجع انخراط العامة في الشأن السياسي. فقد سجل باحثو الاتصال السياسي في التسعينيات والألفية الجديدة أزمة كبيرة في الديمقراطية، تمثلت في استقالة المواطنين من العمل المدني، وتراجع المشاركة في الانتخابات، ورفض الانتماء للأحزاب السياسية، وعدم الثقة في كل السياسيين.

صناعة المعارضة

هذا النموذج الدعائي القديم لم يصمد أمام التغييرات التقنية التي شهدتها عملية الاتصال، بعد ظهور الراديو، والقنوات المدفوعة، والبريد الإلكتروني، والمدونات وشبكات التواصل الاجتماعي.

ويشير تقرير لمركز بيو للأبحاث، إلى أن 93% من الأميركيين يستخدمون الإنترنت، و82% منهم حاضرون على شبكات التواصل الاجتماعي. وبالتالي فإن الأغلبية الساحقة لديهم تواصل مباشر مع بعضهم في الفضاء العام، ويمكنهم اختيار أو صنع أو نشر أو تضخيم الدعاية.

ويستخدم كثيرون حساباتهم على شبكات التواصل الاجتماعي لنشر المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة، دون وعي منهم، وبالتالي فإننا جميعا بتنا متورطين في حرب البروباغندا. وبدلا من وجود نخبة تصنع الرأي العام، ظهر نموذج جديد في القرن الحادي والعشرين، يسمى صناعة المعارضة.

أزمة جديدة في الديمقراطية

تقول الكاتبة إن نموذج صناعة المعارضة يستفيد من قدراتنا الشخصية على الإنتاج والنشر وتضخيم الدعاية، من أجل دفع الناس ليغضبوا ويدوسوا ويدمروا الأشياء.

هذا النموذج الجديد يسمح لأي شخص بإنتاج ونشر المعلومات، وهو يهدف لصنع الفوضى والقضاء على الثقة بين الناس، ولذلك فهو يسبب أزمة جديدة في الديمقراطية.

إضافة إلى ذلك، فإن الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام والمنظمات والشركات، باتت هي أيضا تدفع عامة الناس للانخراط في حرب الدعاية دون وعي منهم.

المعارضة وعدم الثقة

وتحذر الكاتبة من أن نموذج الدعاية الجديد يشكل خطرا كبيرا، وهو ما تؤكده أحداث اقتحام الكابيتول الأميركي في 6 يناير/كانون الثاني 2021، وأحداث العنف التي شهدتها العاصمة واشنطن، كنتيجة لصناعة المعارضة. حيث عمد سياسيون يمينيون ومواطنون ووسائل إعلام إلى نشر التضليل ونظريات المؤامرة والتخويف، للتشكيك في العملية الانتخابية.

وتضيف أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تعمد إقناع أنصاره بأن الانتخابات تم التلاعب بها، وهو ما دفع عامة الناس للبحث عما اعتبروه أدلة على التزوير، ونشر تلك الأدلة المزعومة على شبكة الإنترنت، رغم أن المحاكم والمؤسسات المعنية صادقت على نتيجة الانتخابات.

السياسة هي الحرب

لكن الكاتبة ترى أن "الكذبة الكبرى" التي أدت إلى كذبة تزوير الانتخابات وأحداث العنف التي جدت في مطلع العام الجاري، تعود في الأصل إلى التسعينيات، مع ظهور عملية صناعة المعارضة، والعمليات الدعائية لليمين الأميركي، تحت شعار "السياسة هي الحرب والعدو يخادع"، وبالتالي بات كل خبر أو قضية يتم تناوله من هذا المنظور الصدامي.

وتكمن خطورة هذا الأمر في أنه يقضي على ثقة الناس ببعضهم وثقتهم بالمؤسسات، إذ إنه حتى وقت قريب، أظهرت استطلاعات للرأي أجريت في الولايات المتحدة أن 30% من السكان لا يزالون يصدقون كذبة ترامب.

المصدر : الجزيرة + ذا كونفرسيشن