نشاط دائم بلا كهرباء.. كيف كان فصل الصيف في العصور الوسطى الأوروبية؟

كانت أيام الصيف قديما حافلة بالنشاط البدني والزراعي وحتى السفر والحروب (غيتي)
كانت أيام الصيف قديما حافلة بالنشاط البدني والزراعي وحتى السفر والحروب (غيتي)

في الأزمنة الحديثة يفكر كثيرون في الصيف بأنه أيام طويلة تتخللها إجازات ممتدة، لكن في الحقيقة تعود فكرة الإجازة الصيفية إلى حاجة المزارعين لعمل أبنائهم في الزراعة صيفا خلال أوائل القرن الـ20.

ولم يفكر الناس في العصور الوسطى في الصيف بأنه وقت للاسترخاء، على العكس، فنظرا لأن أغلب الناس كانوا يعملون في الزراعة، فقد كان هذا هو الوقت المناسب للحرث والزرع وإزالة الأعشاب الضارة وحتى الحصاد.

وبخلاف الزراعة، كان السفر أسهل بكثير في الصيف؛ فعلى الرغم من الحر كان السفر أصعب خلال الشتاء، عندما كان المسافر يكافح البرد والثلج والجليد، وكانت الحروب أيضا تدور في كثير من الأحيان في الصيف، ومن دون كهرباء لم تكن المكيفات والمراوح الكهربائية قد وجدت طريقها لبيوت الناس.

ويقول الأسقف والمؤلف بارثولوماوس أنجليكوس -في الموسوعة التي أصدرها في منتصف القرن الـ13- إن "الصيف فصل حار وجاف يدوم 3 أشهر، ويبدأ يوم 17 يونيو/حزيران وينتهي يوم 18 سبتمبر/أيلول"؛ فهل كان الصيف في القرون الوسطى شبيها بصيفنا الحالي؟

في تقرير نشره موقع "ميديفاليست" (medievalists)؛ تقول المؤرخة لوسي لومونييه إن الصيف في الأرياف خلال القرون الوسطى كان يمثل موسم الحصاد ويشكل العديد من التحديات، فقد كانت موجات الحر وضربات الشمس والجفاف والحرائق سمة من سمات هذا الموسم. فكيف تعامل الناس في تلك العصور مع موجات الحر والأعمال الزراعية الشاقة في فصل الصيف؟

السباحة في الأنهار

يقول أنجليكوس -في موسوعته- إن درجات الحرارة تبلغ ذروتها في فصل الصيف، وتتسبب في زيادة إفراز الصفراء (بحسب اعتقاده)، وتؤثر سلبا على المزاج وتعزز نوبات الغضب. ويضيف أن الصيف يرفع درجة حرارة الجسم، ويتسبب في جفافه وإضعاف حيويته، وقد يؤدي إلى الإصابة بالحمى وغيرها من "الأمراض المرتبطة بالطقس الحار والجاف".

وقد سعت نساء النخبة إلى الحفاظ على نقاء وبياض بشرتهن خلال أشهر الصيف، حيث كان لون البشرة علامة على المكانة الاجتماعية والاقتصادية المرموقة، وارتبطت البشرة السمراء بالعمل في الأرض والخلفية الاجتماعية المتواضعة.

ومن أجل تجنب حروق الشمس واسمرار البشرة، أوصى أطباء القرون الوسطى بارتداء قبعات عريضة الحواف واستخدام المظلات. في حين لجأ الفلاحون إلى ارتداء القبعات، والعمل دون أقمصة، أو ارتداء بعض الملابس الخفيفة، كما لجؤوا إلى السباحة في ضفاف الأنهار لمقاومة حر الصيف.

وقد استمتع الناس في القرون الوسطى بالسباحة في المياه الباردة عند ارتفاع درجات الحرارة، لكن كثيرين لم يكونوا يحسنون السباحة، وقد صدر مرسوم في مدينة باريس أواخر القرن الـ14 يحذّر من مخاطر السباحة في نهر السين بعد تسجيل العديد من حالات الغرق.

كما صدر مرسوم يمنع الشباب وغيرهم من السباحة في النهر عراة، ويواجه كل شخص لا يمتثل للأوامر عقوبة السجن.

وحسب الكاتبة، فإن ذلك يثبت أن الناس في القرون الوسطى كانوا سعداء جدا بالسباحة في الجداول الباردة والأنهار القريبة من المدن، كما نفعل حتى يومنا هذا.

العمل الزراعي في الصيف

يقول الراعي الفرنسي جون دو بري -الذي ألّف أواخر القرن الـ14 كتابا عن رعي الأغنام- إنه اعتبارا من شهر يونيو/حزيران يتعيّن على الرعاة الاستيقاظ باكرا، عندما تكون درجات الحرارة منخفضة، لإرسال الحيوانات إلى المراعي. إذ يجب أن يتأكدوا من أنهم سيجدون ما يكفي من الظل لاتقاء أشعة الشمس.

وفي شهر يوليو/تموز، كان الرعاة ينقلون القطعان إلى المرتفعات لتخفيف وطأة ارتفاع درجات الحرارة. أما في شهر أغسطس/آب فقد أوصى دو بري بإبقاء الأغنام في حظائرها بالمناطق التي لم يتم فيها حصد المحاصيل لأنها قد تلتهم القمح. أما في شهر سبتمبر/أيلول فيمكن إطلاق الأغنام في الحقول لتتغذى على القش.

وكان الصيف موسم الحصاد، وعادة ما يبدأ في شهر يونيو/حزيران، حيث يحصد الفلاحون الأراضي العشبية لإنتاج التبن والعلف للماشية والخيول، ثم في شهر يوليو/تموز يتوجهون إلى الحقول لحصد القمح.

لكن الفترة الفعلية للحصاد تختلف باختلاف خط العرض. على سبيل المثال، يبدأ الحصاد في مناطق جنوب أوروبا بوقت أبكر من إنجلترا أو ألمانيا. يبدأ المزارعون بمنطقة البحر الأبيض المتوسط الحصاد في شهر يوليو/تموز، في حين يبدأ المزارعون بشمال القارة موسم الحصاد في شهر أغسطس/آب.

ويستقطب موسم الحصاد جحافل من العمال الذين يأتون إلى الحقول الكبيرة بحثا عن عمل مؤقت، وتُدفع أجور بعضهم نقدا، ويحصل آخرون على حزم من القمح مقابل عملهم، وكان البعض يعمل دون مقابل لفائدة صاحب الحقل.

وكان الحصاد يدويا أو باستخدام المنجل، وأحيانا يوفر رب العمل أدوات الحصاد، وفي أحيان أخرى يكون على الفلاحين أن يجلبوا أدواتهم الخاصة معهم للعثور على عمل.

وبعد الحصاد، تكون أمام العمال مهام أخرى، تتمثل في نقل الحزم إلى مناطق التخزين، وضرب الحبوب لفصل الحنطة عن القش. وفي بعض المناطق -مثل نورماندي في فرنسا- يعود الفلاحون إلى الحقول لجمع القش إذا لم يتم قطعه مسبقا.

وقد استُخدم القش في صنع الأسقف والمراتب وفرش إسطبلات الخيول والماشية وتغذية الحيوانات. وبمجرد تنظيف الحقول، يمكن للفقراء جمع الحبوب التي سقطت على الأرض والاستفادة منها.

الأوبئة والجفاف والحرائق

تضيف الكاتبة أن فصل الصيف في القرون الوسطى كان يتميز أيضا بانتشار الأوبئة والجفاف والحرائق. وابتداء من منتصف القرن الـ14 وصولا إلى القرن الـ17، بلغت وفيات الطاعون في أنحاء أوروبا ذروتها بين شهري يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول.

واتفق العلماء والأطباء آنذاك على أن الهواء خلال الصيف "ملوث وناقل للعدوى"، ويُحتمل أن يكون حاملا "للميازما" (نظرية قديمة تفيد بأن أصل الأوبئة يعود لتعفن المواد العضوية وانتقال الهواء الفاسد) التي كان يُعتقد أنها تتسبب في تفشي الطاعون.

وضاعفت حرارة الصيف وحالة الجفاف من مخاطر نشوب الحرائق، سواء في البرية أو في المدن والقرى، كما هي الحال اليوم. وفي عام 1048م، ذكر كتاب "سجلات جون من ورسستر" أن "حرائق الغابات دمّرت العديد من القرى وحقول الذرة في مقاطعة ديربيشاير البريطانية والعديد من المناطق الأخرى".

وفي ذروة ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، صدر في باريس مرسوم ملكي ينص على ضرورة احتفاظ السكان بأوعية مليئة بالماء بجوار أبواب منازلهم تحسبا لنشوب الحرائق.

وحسب الكاتبة، كانت حرائق الغابات مشكلة متكررة في منطقة طرطوشة شرقي إسبانيا. وبين عامي 1370م و1462م، سجل مسؤولو المدينة في دفاترهم نفقات إخماد الحرائق، وقد اندلع ثلثاها بين شهري يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول، أي في ذروة موسم الجفاف والحر.

ولتجنب اندلاع الحرائق جراء الإهمال، كان إشعال النار في الغابة بفصل الصيف ممنوعا منعا باتا في منطقة طرطوشة.

وتختم الكاتبة بأن فصل الصيف خلال القرون الوسطى يشبه في كثير من جوانبه فصل الصيف في وقتنا الحاضر، حيث يستمتع الناس بالسباحة في المياه الباردة، ويبحثون بشكل دائم عن الظل والوقاية من أشعة الشمس الحارقة، كما يمثّل الصيف تحديا كبيرا من خلال الحرائق التي تندلع جراء الجفاف، وقد أصبح اليوم قضية أكثر إلحاحا في ظل التغيرات المناخية الاستثنائية.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

الكاتب الهولندي خالد موريغ يروي قصص جده الراحل، التي صدرت حديثا في كتاب باللغة الهولندية بعنوان “الضيف من جبال الريف” يصف حياة العمال اليومية في ذلك الزمان، وكيف عانوا الوحدة والغربة.

30/5/2021

على مدارج القرون تمتد صحائف مدينة تمبكتو بوصفها واحدة من أهم عواصم الإسلام بالغرب الأفريقي، وبامتدادها على ضفاف التاريخ تمتد بنت الصحراء على ضفاف هائلة بين الرمال الممتدة امتداد آمال سكان أزواد.

2/9/2020
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة