"صديقي المفضل فاشي".. كتاب إيطالي يحلل الجدالات اليمينية الأوروبية

تقول تقوى بن محمد للجزيرة نت إنها مقتنعة بأن هناك حاجة ماسة في المنطقة العربية إلى معرفة بعض الحقائق التي تحدث للنساء المسلمات في أوروبا.

تقوى بن محمد أصدرت حديثا رواية إيطالية مصوّرة ساخرة بعنوان "صديقي المفضّل فاشي" (الجزيرة)
تقوى بن محمد أصدرت حديثا رواية إيطالية مصوّرة ساخرة بعنوان "صديقي المفضّل فاشي" (الجزيرة)

روما – تقوى بن محمد فنانة إيطالية شابة من أصول تونسية، متخصصة في القصص المصورة/المرسومة وتحريك الصور، أصدرت أخيرا كتابا مصورا مثيرا للجدل، بعنوان "مستفز": "صديقي المفضل فاشي"، ويأتي هذا الإصدار في ظل تصاعد موجة اليمين بإيطاليا وأوروبا.

وتقدم بن محمد في روايتها المصورة الجديدة صورة للجدل السياسي والفكري الإيطالي بشأن قضايا متعددة بينها الهجرة والمسلمون والحجاب والعولمة، وتشرح تناقضات أخلاقية عميقة تتوارى خلف الشعارات الإنسانية العامة.

والتقت الجزيرة نت مع الفنانة بخصوص كتابها لتستطلع ملامح ذلك السياق الجدلي الذي جاء منه الكتاب ولاستكشاف مسارها الفني والشخصي.

  • كيف جاءت فكرة نشر كتابك الجديد المصور/"فوميتو": "صديقي المفضل فاشي"، هل بطلب من الناشر أم منك، ولماذا اخترت هذا العنوان ولم يقع الاختيار على بقية العناوين الـ14 الأخرى التي تؤثث فهرس هذا الإصدار بضمير المتكلم/السيرة الذاتية؟

نشر كتاب جديد لي كان اقتراحا اقترحه علي الناشر ريتزولي ماندادوري، بعدما نشرت كتبًا أخرى مع ناشرين آخرين، إذ رأى الناشر الجديد إمكانات في أعمالي واعتقد أنني يمكنني أيضًا النشر لديهم، حسب معايير سوق النشر، لأن دار النشر التي يديرها إحدى أهم دور النشر في إيطاليا. قصة الكتاب حقيقية، عشت فيها مرحلة حساسة جدا من حياتي عندما كنت مراهقة، وأعتقد أنها قد تكون مفيدة للمراهقين الإيطاليين كموضوع وتجربة حياة. العنوان سخيف بقدر ما هو استفزازي ولكنه حقيقي للغاية، أعز أصدقائي فاشي، من أعداء إلى أصدقاء مقربين على الرغم من الخلافات والعداء بيننا.

تناقش الرواية المصورة "صديقي المفضل فاشي" عبر سخرية قصصية خطابات الهجرة وقضايا الهوية في إيطاليا والغرب (الجزيرة)
  •  جاء في الصفحة رقم 186 من كتابك "أنا وماركو أعداء طبيعيون، مثل القطة والفأر، مثل الأسد والغزال، مثل الذئب والخراف" ذكرت أنكما أعداء، ما السر وراء صياغة عنوان الكتاب بصيغة تضاد/تنافي وقائع القصة الذاتية، هل الأمر يتعلق بأسلوب تهكمي أم فعلا ماركو صديقك المفضل لأنه كان واضحا في تعامله معك كعنصري يميني التوجه بعكس بعض اليساريين الذين يرفعون شعار مناصرة المهاجرين ويفعلون عكس ذلك حينما يتعلق الأمر ببعض الحقوق الخاصة كوضع الحجاب؟

من الشر يمكن أن يولد شيء جميل. لم نكن أصدقاء، ولكن بطريقة ما كنا "ملتصقين"/قريبين من بعضنا، طاولة المدرسة التي تشاركناها معا في الفصل قرّبتنا. وعلى الرغم من أنه قال لي أشياء عنصرية واستفزازية، فقد قادني ذلك إلى معرفة جوانب لم أكن أعرفها عن هويتي، ومن أجل الدفاع عن نفسي والرد على استفزازاته، طلبت إجابات عن: من أنا؟ وإلي أين أنتمي؟.. ولكن قبل كل شيء كان يشبهني، مراهق عادي لديه كثير من الأسئلة عن هويته ويبحث عن أجوبة لها.

كل ما ورد في الكتاب حقيقي، كان علينا أن نتشارك مساحة وأن نتعلم كيفية إدارة تعايشنا بطريقة سلمية حتى لو تعلمنا ذلك بالطريقة الصعبة. هكذا العالم، لا يتعين علينا بالضرورة التفكير في العالم نفسه، والانتماء إلى الثقافات والأديان نفسها من أجل العيش معًا ومشاركة الفضاء ذاته.

مفتاح التعايش السلمي هو الاحترام، ولكن قبل كل شيء التحدث والمناقشة باحترام. النقاش يعني التشكيك في كل شيء ننتمي إليه ونفكر فيه، ومحاولة لقاء الآخر دون أن نغير أنفسنا أو نغيره.

  • صديقك المفضل الفاشي هو ماركو، اسم مستعار كما فهمت من كتابك لكن شخصيته ليست بعيدة من الواقع وقد نجدها في كثير من مسارات حياة الجيل الثاني من أبناء المهاجرين. من المسؤول بتقديرك عن تكوين مثل هكذا إيطاليين عنصريين منذ الطفولة؟

السبب الرئيس لزيادة العنصرية في إيطاليا هو المعلومات وندرة اللغة الإعلامية الموضوعية لدينا في وسائل الإعلام الرئيسة التي غالبًا ما تميل إلى التعميم والتضليل باستخدام كلمات مغلوطة في سياقات مغلوطة أو صور خطأ في سياقات غير صائبة. وهكذا يستوعب الشباب باستمرار كمية من المعلومات المعممة دون امتلاك الأدوات اللازمة للتعمق.

فضلا عن المدارس التي لا يُدرس فيها التاريخ جيدًا، فلا يزال جزء كبير من التاريخ الاستعماري يخضع للرقابة في المناهج المدرسية، إضافة إلى غياب تدريس تاريخ الحضارات الأخرى من بقية القارات. إذا كنا لا نعرف الماضي فكيف نتظاهر بفهم التاريخ الحالي؟

  • جاء في كتابك أنك أنت من اخترت ارتداء الحجاب في سن صغيرة ولأنك صغيرة الأسرة كنت شغوفة بارتدائه كما فعلت أختاك اللتان وضعتاه في سن متأخرة عنك (17 سنة و20 سنة) وأن والديك اعترضا على ارتدائك الحجاب بحجة أنك لم تبلغي سن الرشد/الإدراك التام. هل هذا الأمر صحيح؟ وكيف كانت ردود فعل بعض قرائك على هذه الحادثة؟.. هل استطعت تغيير بعض من الصورة النمطية عن فرض الوالدين المسلمين الحجاب على الفتاة/ابنتهم؟

نعم هذا صحيح، اخترت ارتداء الحجاب في سن الـ12، وكانت محاولة لتجربة ما يعنيه ارتداء الحجاب في بلد يرفضه في مرحلة تاريخية دقيقة (بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001)، وكانت النتيجة أن المجتمع الخارجي رفضه من ناحية ومن ناحية أخرى قالت لي الأسرة "لا" لأنني كنت صغيرة وكانوا قلقين من أنني لن أتمكن من التعامل مع نوبات شديدة من التمييز.

إن التعرض للتمييز والتنمر يؤثر في حياتك بطريقة سلبية، ولكن لأنني كنت طفلة ذات شخصية متميزة، فقد جعلت تلك الحلقات السلبية وسيلة لتحصين شخصيتي وفرضها خلال سياقات مختلفة كنت أعيشها. كان من الضروري فعل ذلك قبل كل شيء لأنني امرأة، وليس فقط امرأة مسلمة ترتدي الحجاب.

لذلك لا أحد كان يتوقع أن والدي، على الرغم من كونهما متدينين، قالا لي ألا أرتديه، ومع الأسف كان المجتمع يتوقع نسخة مغايرة من قصتي.

  • يبدو من خلال إنتاجك الفني أنك تحتجين بطريقة ساخرة جدا على الصورة النمطية التي يشكلها بعض الإيطاليين عن الإسلام عموما والمرأة المسلمة خصوصا، (بفرض الوالدين للحجاب حسب اعتقاد كثيرين)، بعد نشر كتابك الأول "ما وراء الحجاب وثور الياسمين"، ومن خلال كتابك الحديث تبرز شخصية كرتونية محجبة، ألا تخافين من "التنميط" وربط إبداعك فقط بموضوع الحجاب وحبس إبداعك في هذه الصورة؟

يعتقد كثيرون أنني لا أتحدث في كتبي سوى عن الحجاب أو أن وظيفتي هي نشر الكتب المصورة فقط. الأمر ليس كذلك، فقط جزء صغير أهديه إلى الحجاب، ولكن بوجه عام أعمل في قطاعات متنوعة وكلها مرتبطة ببعضها بعضا، مثل الصحافة المصورة للمجلات والصحف التي أتعاون معها وأتحدث فيها عن حقوق الإنسان، والقضايا الاجتماعية والحالية، وغالبًا ما أقدم هذه التقارير من الميدان، حيث أعدّ البحث والمقابلات مع الأشخاص، ثم أترجم ذلك من خلال الصور التي أرسمها في محاولة لتمثيل جانب واقعي وصادق.

وأعمل أيضًا مصممة غرافيك مع عدد من قنوات التلفاز الإيطالية والأجنبية، أصنع الرسوم المتحركة والرسوم للبرامج التلفازية والإعلانات التجارية المتحركة. لقد جئت من خلفية سينمائية وصحفية، درست في الأكاديمية السينمائية لتحريك الصورة بفلورنسا، ثم حصلت على ماستر خاص في الصحافة بروما. الكتب هي جزء مما أقوم به في حياتي الإبداعية، حيث لدي الحرية في أن أكون قادرة على التعبير عن أفكاري دون رقابة والتحدث عن الموضوعات القريبة إلى قلبي.

  • حضور شخصية الفتاة المحجبة كثيرا في كتابك هل هو احتجاج أم بطاقة تعريف لهوية دينية أخرى في بلد حاضن للفاتيكان وتغلب على سكانه الدينيين وحتى اللادينيين التقاليد والرموز المسيحية؟

في الصحافة المصورة بوجه عام يكون البطل دائمًا هو المؤلف الذي يتحدث عن نفسه والآخرين من خلال نظرته الشخصية. أنا تلك البطلة التي ترتدي الحجاب كما في الواقع، وتتحدث عن نفسها بين حين وآخر لتعالج الجانب الاجتماعي واليومي في ما يتعلق بالتمييز وهوية الأجيال الثانية في أوروبا.

تلك البطلة المتحدثة عن الدكتاتورية التي عرفها بلدها الأصلي تونس، ليس فقط لأنني جربتها من كثب ولكن لأنه لا أحد في إيطاليا وفي الغرب عموما كان يعرف الدراما الاجتماعية والسياسية التي كانت موجودة قبل الثورة. ولكنها أيضا تلك البطلة الموجودة في الكتاب الذي تحدثت فيه عن الاتجار بالبشر في كمبوديا وتايلاند، وهي رحلة استكشافية قمت بها قبل الوباء، إذ قابلت الأشخاص الذين تحدثت معهم من كثب وحاولت أن أنقل مشاعري التي شعرت بها في أثناء الاستماع إلى أصواتهم، أنسج قصصًا بريشتي وهم يحكون، أرسم وجوههم وتعبيراتهم، محاولة التماهي مع هذا الواقع قدر الإمكان، وإيجاد جو للقارئ يتفاعل فيه مع التجربة التي عشتها.

  • ورد في كتابك أن بعض أساتذتك كانوا ينتقدون والديك بشأن ارتدائك الحجاب، وأنك واجهت السخرية من تلميذات طلبن منك هاتفك الخلوي وسرقن لك صورة دون حجاب نشرنها على نطاق واسع.. إلى أي حد أثر هذا الأمر في مستواك الدراسي وهل كان السبب الرئيس في اهتمامك بالتعبير الفني من خلال الرسم؟

لقد تركت هذه التجارب علامة في هويتي حتى يومنا هذا، فضلا عما كنت أحسه حينئذ. لقد رسبوني في المدرسة في ذلك العام، ثم انخفضت درجاتي كثيرًا ليس لأن بعض زملائي في الفصل كانوا متنمرين، ولكن على وجه التحديد لأن بعض أساتذتي كانوا سيئين معي ورفضوا فكرة ارتداء الحجاب على رأسي في الفصل. من ناحية أخرى، لم يكن أساتذة آخرون سيئين، لقد حاولوا مساعدتي وفهمي ولكن بسبب قلة الخبرة فعلوا ذلك بطريقة خطأ، لم أتمكن ولو قليلا من إخبارهم بالطريقة الصحيحة التي لم أكن أعرفها أنا أيضا.

ولكن الشغف بالرسم كان حاضرا قبل كل هذا، لقد شرعت في تجربة الرسوم الهزلية عن القضايا الاجتماعية من قبل لأنني كنت أتطوع كثيرًا مع أسرتي منذ سن العاشرة من عمري، وتواصلت مع قصص شائقة وأحببت رسمها برسوم هزلية ونشرها في مدونات مختلفة. في المدرسة، لم يعرف أساتذتي وزملائي في الصف أنني تطوعت خارج المدرسة ولم يكونوا يعرفون أنني كنت أنشر القصص المصورة الاجتماعية في المدونات وبعض الكتب الجامعية في سن جد مبكرة.

  • أسلوبك الساخر في التعبير احتجاج وموقف من سلوك وظاهرة الإسلاموفوبيا، إلى أي حد أثرت خلفيتك الشخصية والأسرية في بناء شخصيتك الاحتجاجية؟

أنا لا أعدّ أعمالي "ساخرة" بل "مضحكة"، هناك فرق كبير بين "السخرية الاستهزائية" و"الضحك المسلي". أنا أسخر من/أضحك من المكان الذي يمكنك أن تسخر منه/تضحك منه، ولكن فقط عندما أتحدث عن نفسي. وفي مواضيع أخرى، لم أشعر أبدًا بالرغبة في السخرية من العنف.

فإن السخرية والهجاء لهما حدود، والحد عندي هو الفطرة السليمة، واكتسبت هذا الأمر من خلال تجربتي في الحياة.

فقد أمضيت طفولتي إبان أصعب مرحلة مرت بالأسرة حينما كان والدي منفيا عن وطنه في إيطاليا، في عهد النظام السابق.

  • ألا تفكرين في ترجمة كتابيك المصورين إلى العربية أو الاشتغال على قضايا تهم الجمهور العربي، ليستفيد من نظرتك نحو العالم كونك مسلمة وعربية فنانة مقيمة في الغرب وتنتج بلغة أجنبية وبأسلوب فني مصور ترعرعت في بلد الفنون إيطاليا؟

نعم بالطبع أرغب بشدة في ترجمة كتبي إلى اللغة العربية ونشرها في العالم العربي، هذا حلم لدي أتمنى أن يتحقق. وإلى جانب كوني من أصل عربي، أنا متحمسة جدًا للوطن العربي واللغة العربية، ومن ثم أنا مقتنعة بأن هناك حاجة ماسة في المنطقة العربية إلى معرفة بعض الحقائق التي تحدث للنساء المسلمات في أوروبا، وليس فقط للنساء العربيات المسلمات اللواتي يعشن هنا بل أيضًا للنساء المسلمات الأوروبيات اللاتي اعتنقن الإسلام.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في يومياتها الأدبية “الأمير صاحب الكأس الصغيرة” تطرح الكاتبة الفرنسية إيميلي دو توركهايم قضية اللجوء عبر قصة طفل أفغاني وصل لأوروبا عبر رحلة طويلة ومعاناة شديدة في القارة القاسية بشبح اليمين المتشدد.

12/2/2021

نشرت مدونة المكتبة الوطنية البريطانية وثائق تعود لحقبة الاستعمار البريطاني في الهند، وتضمنت الوثائق الأرشيفية رسائل صادرة عن المكتب المحلي الاستعماري في الهند وتضم نبرة عنصرية تجاه العرب.

26/5/2021
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة