شعراء وأدباء عرب يتساءلون: بأيّ حال عدتَ يا عيد؟

من اليمين الشاعر الفلسطيني عصري مفارجة، ثم الناقد والأكاديمي الأردني عاطف الدرابسة، والشاعر اليمني محمد سلطان اليوسفي، فمواطنه الأكاديمي علوي الملجمي، ثم الشاعر والمسرحي عبدالرزاق الربيعي (مواقع التواصل الاجتماعي)
من اليمين الشاعر الفلسطيني عصري مفارجة، ثم الناقد والأكاديمي الأردني عاطف الدرابسة، والشاعر اليمني محمد سلطان اليوسفي، فمواطنه الأكاديمي علوي الملجمي، ثم الشاعر والمسرحي عبدالرزاق الربيعي (مواقع التواصل الاجتماعي)

لم تأت منشورات المثقفين والأدباء والكُتّاب العرب، على فيسبوك، بأي جديد، في احتفالهم بعيد الأضحى المبارك، وفيما اكتفى الغالبية منهم بتبادل التهاني ونشر صور حديثة الالتقاط سواء بمفردهم أو رفقة أطفالهم وأحبتهم، أنشد البعض الآخر شعرا، لكن لسان حال الجميع، لسان أبي الطيب المتنبي: "بأيّ حال عُدْتَ يا عيد؟".

في خضم اللحظة الراهنة التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية، بين حروب وأوبئة وأوضاع اقتصادية متردية، وأحلام بِغدٍ أقل قسوة، التقت الجزيرة نت أدباء وشعراء ونقادا عربا، وسألتهم كيف قضوا اليومين الأول والثاني من عيد الأضحى، لكنّ سؤالا أهم طرح نفسه، في مناسبة كهذه: في رأيك، من سرق بهجة عيد زمان؟

عن بُعد

يتحدث كثيرون عن بهجة عيد زمان "المسروقة"، غير أن الشاعر والكاتب المسرحي العراقي المقيم في سلطنة عمان، عبد الرزاق الربيعي، يقلل من هذا القول "لم يسرقها أحد، إنما تكاثر المناسبات، قلل من تركيزنا على العيد".

مستعيدا مناسبات عيدية سعيدة، يتذكر الربيعي فترة الستينيات: كنا نعيش في ظروف اقتصادية، واجتماعية، وسياسية متردية، فلم نكن نعرف أعياد الميلاد، ولا عيد الأب ولا الأم، ولا رأس السنة، "فقط كنا نسمع بعيد الشجرة والمعلم، وكلاهما لا يسمن ولا يغني من جوع".

يضيف "في تلك الأيام لم تكن الحلويات بأنواعها تعرف طريقها لبطوننا إلا في الأعياد الدينية، فكان العيد مناسبة عزيزة ننتظرها بلهفة، وشوق، وبعد الطفرة النفطية، وما رافقها في منطقة الخليج، والدول النفطية الأخرى، تغيرت أحوال الناس، وظهرت مناسبات عديدة، اجتماعية، ووطنية".

يقول الربيعي، إنه حاول، ليلة العيد، نسيان الوباء، تمهيدا للنهوض مبكرا لأداء صلاة العيد في المسجد، فذهب إلى فراشه، وفي ذهنه كلمات أحمد رامي، ولحن الشيخ زكريا أحمد، وصوت أم كلثوم، وهو يصدح بأغنيتها الخالدة "يا ليلة العيد آنستينا، وجددت الأمل فينا، يا ليلة العيد".

مقامات الحريري البصري (446هـ/1054م – 516هـ/ 1122م) تصور بعضها مواكب العيد واحتفالاته (مواقع التواصل الاجتماعي)

بالفعل، تجدد في روحي الأمل، يتابع الربيعي حديثه للجزيرة نت، مبينا أنه، قبل خلوده للنوم، بعث رسائل تهنئة بالمناسبة للعديد من الأصدقاء، راميا خلف ظهره عجز شطر بيت المعتمد بن عباد "فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا"، الذي يشرح حاله بعد سجنه في أغمات (قرية مغربية).

ويتابع الربيعي "أقنعت نفسي بأنني لست في سجن". أما قرار حظر حركة الأفراد والمركبات وإغلاق الأسواق التجارية في سلطنة عمان طوال أيام العيد، ففي هذا الصدد، ينوه الربيعي بأن هذا الإجراء "يصب في صالح الصحة العامة، وتجنب ما هو أعظم، بعد ازدياد الإصابات بكورونا، وبناء عليه، تضاعفت العزلة وألقت بأحمالها على الروح".

"بين تلقي رسائل العيد، والرد عليها، وتبادل الاتصالات والتهاني، مر اليومان الأول والثاني من العيد، دون منغصات كورونية"، وهذا شيء جميل، بالنسبة إلى الشاعر الربيعي الذي أدى طقوس العيد كلها عن بعد.

"كثرت الأعياد، ولم يعد العيد سوى مناسبة ترتبط بذكريات عزيزة على قلوبنا" يختتم الربيعي حديثه، فيما واصل عزلته في منزله، شأنه شأن كل العمانيين في مسقط وغيرها.

انفتاح جرح

بحسرة، يقول الناقد والباحث الأكاديمي الأردني، عاطف الدرابسة "لم نعد نشعر بالعيد، بل صار العيد يفتح الجرح، ويشعرنا بغصة".

ويشير الدرابسة، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن "حال المثقف لا تنفصل عن حال أمته، وحال الأمة منذ زمن تشعرك باليأس، والتفكك، والفراغ، فـ"كيف يكون للعيد معنى، وأنت تشعر أن العراق ليس بخير، وأن الخليج العربي، واليمن، والمغرب العربي، كذلك ليس بخير؟".

أرض "مجازية" للموت

يقيم الدرابسة في إربد- الطرة، حيث تقام طقوس عيد الأضحى، ككل عام، لكنّ شعورا يتسلل إلى قلبه، يشعره برائحة الموت ومقتل الفرح في الأعماق كما لو أننا "في أرض مجازية كل شيء حولك يشعرك بالموت، وكل شيء يقتل الفرح في أعماقك، ويعكر صفو ما هو نقي، كأنك تعيش على أرض مجازية، تجري عليها لعبة لا تدرك أسرارها، ولا تعرف كيف تدار".

ولا مناص من التأمل في الغموض، إذ صار العيد، لدى الناقد الدرابسة، أشبه بلحظة تأمل، يأخذك نحو مستقبل غامض، ووجود عابث، يقتل فيك الحلم، والأمل، يشعرك بأن كل شيء من حولك يتلاشى، أو يتغير، دون أن يكون لك دور في هذا التغيير.

لم يعد العيد قادرا أن يشعرك بالفرح، وكيف يكون مصدر فرح، والحروب لا تلد إلا الحروب، والجوع لا يلد إلا الجوع، الأسر مشتتة، والمنافي تبتلع كل ما هو جميل، والناس حولك في حالة اغتراب قسري، تمارس عليها كل أشكال الإلغاء.

ويتابع الدرابسة، بانكسار شديد "لم تعد عبارة (كل عام وأنتم بخير) تعني شيئا، لعل العبارة المناسبة صارت (كل عام وأنتم في شر)، باختصار صار العيد مجهولا، سرقوا منه اللون، والبسمة، واللحظات الجميلة".

أما "طقوس العيد" فهي أشبه بـ"طقوس المآتم"، وفقا للدرابسة، الذي لا يرى فرقا بين الحياة في البيت أو في مقبرة، ذلك لأن النواح في كل بيت، "صار المكان المناسب لقضاء أول يوم عيد هو المقابر، ففي كل بيت نواح، وبكاء على من رحل، أو من هاجر، أو من قضى، فصار العيد مصدرا للكآبة، واليأس، والشك بكل يقين، أو إيمان بالخلاص، فلا شيء قادرا أن يمنحك الخلاص".

"عيد العافية"

من جهته، يقول الناقد والباحث الأكاديمي اليمني المقيم في مصر (سوهاج)، علوي الملجمي، إن ما يصنع بهجة العيد هو ألفة المجتمع واستقراره الأمني والاقتصادي، "وفي اعتقادي أن من سرق هذا هو من سرق بهجة العيد".

لكن، ثمة "أم المصائب"، وفقا للملجمي: الحرب هي "أم المصائب"، فقد نجم عنها وضع اقتصادي وأمني متردٍّ، جعل الناس أقل ألفة وأكثر شراسة، كما أن انشغال البعض بمواقع التواصل وألعاب الفيديو، جعل المجتمع يعيش حالة من التفكك، وفقا للملجمي، الذي يعتقد أيضا أن "الغربة تسرق بهجة العيد، كما تسرق العمر بأكمله".

أما حال أهل اليمن، اليوم، فـ"أقصى أحلام اليمني أن يأتيه العيد معافى وأهله، مكتفيا بالقول لمن سأله عن العيد: العيد عيد العافية".

بؤس أقل

يؤكد الشاعر الفلسطيني عصري مفارجة، حيث يقضي يوميات العيد في مدينته (رام الله/ فلسطين)، أن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي لا ينفصل عن بيئته ومحيطه، لكن ما يحدث اليوم، من وجهة نظره، هو "انعدام الاتصال الواقعي"، بسبب التطور التكنولوجي السريع، حيث فقد الإنسان لذة العيش تحت سطوة الحياة الافتراضية المخيفة، "وبالتالي انتزع من داخله السلام والشعور بالبهجة".

ويضيف مفارجة للجزيرة نت، أن أيام العيد هي أيام عادية، وما يجعلنا أقل بؤسا هو ضحكة أطفالنا وهم يتباهون بالعيدية والثياب الجديدة.

سراق البهجة

أما الشاعر العراقي المقيم في الأردن (عمّان)، عبود الجابري، فيذهب إلى القول، إننا، جميعا، من سرق بهجة عيد زمان، حين تكلفنا له ما هو أكثر من طاقتنا المغيبة، بفعل العادات التي اخترعناها، لنبدو أقوى شكيمة أمام من يعرفون حقيقة ما نحن فيه.

ويلفت الجابري الانتباه إلى "ما فعلته الكورونا، التي هي بمثابة مسمار جحا للأنظمة والحكومات، لكي تمعن في محاكاة الفيروس حصارا وتجويعا وبطالة، مثلما كان للوعي الناقص لدى الجيل الجديد، في النظر إلى كل ما يشاهد في الإنترنت، على أنه صورة مثالية لقراءة الأعياد بطريقة يرون فيها ما يناسب تطلعاتهم من باب تقليد الآخرين".

يتحدث الجابري عن "تنامي القطيعة وذبول معايير المحبة بين الناس، فصارت طقوس المعايدة والتواصل صورا تحمل كثيرا من الرياء والاستعراض الزائف".

ومتحدثا عن أول يومين من العيد، يقول الجابري للجزيرة نت "لو ترك لي الأمر، لما غادرت البيت، لكني محكوم برغائب أولادي في زيارة ذوي القربى".

وكشف أنه حاول أن ينتصل من هذه المهمة، وقال "تحايلت عليهم في اليوم الأول ونجحت مقاصدي حتى الساعة التاسعة مساء، لكنها ما لبثت أن انهارت عند الساعة التاسعة والنصف، الأمر الذي اضطرني لأن أذعن لطلباتهم، فخرجنا لزيارة بعض الأقرباء وعدنا بعد منتصف الليل".

وسط الخراب

من ناحيتها، تنوه الشاعرة السورية ريتا الحكيم (من مدينة اللاذقية الساحلية)، بأن لكل عيد طقوسه، "لكن أن تخلق الفرح وسط الخراب، فهو انتصار وعيد حقيقيان" رغم ضآلة الإمكانيات بالنسبة للمواطن السوري في ظل ظروف معيشية صعبة وغلاء فاق كل التوقعات.

وتتساءل ريتا "كم يحتاج السوري إلى لحظات فرح، يحاول اقتناصها في تفاصيل حياته اليومية، وفي الأعياد ليشعر بشيء من المتعة ولو كانت ليست بحجم أمنياته وأحلامه؟".

وفي سياق حديثها للجزيرة نت، أوضحت ريتا أن "أطفالنا اليوم يقتاتون على ذكريات أهاليهم في الأعياد.. يقارنون بين ظروفهم، وبين ما يسمعونه من آبائهم، فلا يجدون أي تشابه بين ما سمعوه وما يعيشونه في أحلك الظروف وأكثرها استهانة ببراءتهم وإنسانيتهم".

وتابعت ريتا "العيد بالنسبة لهم اكتفاء، وأمان وسلام.. وهذا ما يفتقدونه لتكتمل فرحتهم.. طوبى لكل من استطاع أن يدخل البهجة إلى قلب طفل.. طوبى لمن بمقدوره أن يمسح دمعة أُم وأب".

وتشدد ريتا على أن فرحة الأعياد يجب أن تكون شاملة لكل أفراد المجتمع -صغيرهم وكبيرهم- "وهذا الإحساس للأسف بتنا نفتقده، مع أن كافة الأعياد بجميع أطيافها كانت تشاركية.. لا تمييز بين أصحابها.. الكل يحتفل مع الكل".

وبأسف، تقول الشاعرة السورية إن النزاعات والحروب أفقدت المجتمع بهجة الأعياد وألقت بهم على رصيف الحنين إلى زمن مضى لن يستعيد عافيته في المنظور القريب.

ورغم ذلك، فما تزال الأعياد فرصة للتراحم والتضامن مع المحتاجين وذوي الاحتياجات الخاصة الذين ليس لديهم من يعتني بهم ويفرح قلوب الصغار منهم ويجبر بخاطر كبارهم، وفقا لريتا الحكيم.

وختاما تؤكد ريتا أن "ابتسامة طفل يتيم هي العيد"، متمنية أن تكون حياة الناس وخاصة الأطفال أعيادا دائمة حتى يستعيدوا حلاوة أعياد كانت عامرة بالفرح والسعادة، "وهذا لا يتم إلا بإنهاء الحروب وإحلال السلام".

نصف ابتسامة

محمد سلطان اليوسفي، شاعر يمني، لأول مرة يقضي فترة العيد خارج اليمن، إذ يوجد، منذ أيام، في القاهرة بمصر، للدراسات العليا. يقول اليوسفي بحسرة، إن بهجة العيد في وطنه سرقتها يد الحرب، ولهذا "لم نعد نرى للعيد رونقه المعهود في ظل تردي الأوضاع المعيشية داخل اليمن، وتزايد وتيرة الصراع".

ويتابع اليوسفي "لن يكون للعيد أي معنى ما دامت رحى الحرب تفتك بأبناء الوطن الواحد، ولن يكون له أي معنى وشوارعنا تعج بالمحرومين والمعوزين والنازحين والمشردين، ويبقى العيد يوما عاديا يمر كسائر الأيام، ليس له رونق ولا بهجة، وإن حاولنا وتصنّعنا إظهار السرور، فهو من قبيل مواجهة البؤس ولو بنصف ابتسامة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

على مر التاريخ احتفل ملايين الناس بعيد الربيع باستثناء المتطهرين “البيوريتانيين” (Puritan) في إنجلترا الحديثة، وكان من بينهم “الحجاج” المتدينون الذين قرروا في النهاية الهجرة إلى أميركا الشمالية.

11/6/2021

عرف المسلمون الأعياد فكانت عندهم فرصاً للبهجة والمرح، ومواسم للعبادة والنُّسُك، ومواعيد لاستعراض القوة والإنجازات؛ وفي هذا المنحى يتنزّل هذا المقال الذي يرصد ملامح بهجة الأعياد في التاريخ الإسلامي.

19/7/2021
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة