مقابر كنعانية تحت أسنان جرافات المستوطنين في بيت لحم

وائل حمامرة مدير التنقيبات والمسح الأثري في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية بيّن للجزيرة نت أنهم بوصفهم جهة فلسطينية رسمية لا يملكون معلومات عن عمليات التنقيب التي حدثت في هذه المقبرة الكنعانية لأنها نُفّذت في ظل تكتم إسرائيلي كامل.

صورة جوية نشرتها وزارة السياحة والآثار الفلسطينية تقول إنها لموقع المقبرة (مواقع إلكترونية)
صورة جوية نشرتها وزارة السياحة والآثار الفلسطينية تقول إنها لموقع المقبرة (مواقع إلكترونية)

بيت لحم – منطقة تعرف بـ"خلة أم العصافير" تقع اليوم بمحاذاة الشارع الاستيطاني رقم 60 المار من بلدة الخضر جنوب بيت لحم جنوبي الضفة الغربية المحتلة، حيث يربط بين مستوطنات مقامة على أراضي الفلسطينيين في المنطقة، جرفها الاحتلال ليكتشف وجود مقبرة كنعانية فيها.

كانت "خلة أم العصافير" منطقة مزروعة بأشجار الزيتون والعنب التي تشتهر بها منطقة جنوب القدس المحتلة، قبل أن يقدم الاحتلال على توسعة الشارع الاستيطاني، ويقتلع الأشجار ويزيل الأتربة، وفجأة يبدأ بتسييج المكان ونشر قوات أمنية تتبع له، في ما بدا أنه اكتشاف أثري.

سياج وريبة

الشاب الفلسطيني حاتم طقاطقة كان يعبر المنطقة كل يوم، وقال للجزيرة نت إنه شاهد مجموعات من المستوطنين في المنطقة المسيجة بصورة شبه دائمة ليلا ونهارا، ليتبين لاحقا أن الاحتلال اكتشف آثارا لمقبرة تعود إلى العصر الكنعاني، أي إلى أكثر من ألفي عام قبل الميلاد.

ولاحظ طقاطقة وجود جهات أمنية لحماية المنطقة والمستوطنين، كما أنه يمنع لأي أحد الوقوف في المحيط، بخاصة مع قرب المكان من مستوطنتي "دانيال" و"إليعازر" المقامتين على أراضي بلدة الخضر، والتقط صورة للمستوطنين الموجودين في المكان، وهو يسير بمركبته.

صورة تظهر المستوطنين وهم يؤدّون طقوسا تلمودية في محاولة لربط الآثار المكتشفة في خلة أم العصافير بتاريخهم (الجزيرة)

توجهنا إلى الدكتور وائل حمامرة مدير التنقيبات والمسح الأثري في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، الذي بيّن للجزيرة نت أنهم بوصفهم جهة فلسطينية رسمية لا يملكون معلومات عن عمليات التنقيب التي حدثت في هذا المقبرة الكنعانية لأنها نُفّذت في ظل تكتم إسرائيلي كامل.

قبور كنعانية

ولكن بالبحث التاريخي تبين أن ما عثر عليه الاحتلال هو مقبرة تعود إلى العصر البرونزي المبكر الرابع، المعروف بالعصر الكنعاني (2300-2000 قبل الميلاد)، وتحتوي أيضا على قبور من العصر البرونزي الوسيط (2000-1500 قبل الميلاد)، وأن الفرق بينها هي أن القبور في العصر البرونزي المبكر كانت فردية، أما في العصر الوسيط فكانت عائلية أو جماعية.

وتتميز قبور هذه الحقبة -حسب حمامرة- أنها مقطوعة بالصخر أو على شكل بئر، وفيها حجرة واحدة أو مجموعة من الحجرات للدفن، ويكون عادة في هذه القبور رفات المتوفى، والمرفقات الجنائزية؛ مثل الأباريق والصحون الفخارية، وأدوات حربية كالخناجر أو البلطات المصنوعة من البرونز، وكذلك بقايا المشابك والدبابيس التي كانت تمسك بالكفن، عدا عن وجود أختام مصرية في بعض القبور لأن تلك الحقبة كانت تشتهر بعمق التجارة بين فلسطين ومصر.

تكتم الاحتلال تكتما تاما على ما وجده في هذه المقبرة، بخاصة أنها آثار تربط بيت لحم والمنطقة بوجه عام بتاريخها العربي الفلسطيني، ورغم ذلك يسمح للمستوطنين بالوجود في المكان في محاولة منهم لربط هذه المقابر بتاريخهم في المنطقة.

تخريب المشهد الثقافي

ويقول الدكتور حمامرة للجزيرة نت إنه حاول الوصول إلى الموقع ولكن المنطقة أصبحت تخضع لإغلاق أمني إسرائيلي، ويمنع على الفلسطينيين التوقف فيها أو التقاط الصور، ولكن يبدو أن الاحتلال انتهى من عمليات التنقيب ونقل الآثار التي وجدها، وهناك استعداد واضح يظهر أن الجرافات ستتابع عملها، وتسوّي المنطقة التي تبدو مرتفعة، بمحاذاة الشارع لتوسعته ضمن المخطط الاستيطاني الموضوع لأن المقبرة اعترضت مسار الشارع.

ولم يستبعد أن يكون هناك امتداد لهذه المقبرة في المحيط، بخاصة أن مثل هذه المقابر التي تمتد على مدار عصرين من الزمن قد تكون بمساحات أوسع.

ويرى حمامرة أن المشروع الاستيطاني قائم أصلا على سرقة الأرض الفلسطينية ومصادرتها دون الاكتراث بأي حقوق أو تاريخ أو تراث للفلسطينيين، فالغاية هي خدمة الاستيطان والمستوطنين، حتى لو استدعى الأمر تخريب الآثار.

صور لأعمال حفر في الشارع الاستيطاني رقم 60 على حساب أراضي الفلسطينيين الزراعية وعلى حساب تراثهم القديم (الجزيرة)

ويصف حمامرة ما يحدث في المكان بأنه تدمير للمشهد الثقافي الفلسطيني في المحيط، بخاصة أن المنطقة بمجملها تعرف بأنها "أرض الزيتون والعنب"، ويعسّر هذا التخريب على الفلسطينيين في المستقبل ترشيح هذه المناطق الطبيعية الخلابة والأثرية الضاربة في القدم لتكون ضمن ملف التراث العالمي الذي يجب الحفاظ عليه لأنه يجسد التاريخ الإنساني البشري أولا، والتاريخ الفلسطيني إذ يثبت وجود أهل هذه الأرض فيها منذ آلاف السنين.

ويقول علماء آثار إن إسرائيل تستخدم مجرفة علم الآثار أداة للسياسة لمحاولة تدعيم المطالبات اليهودية بالأراضي المحتلة، وذلك وفقا لتقرير سابق في الجزيرة نت.

ووفقا لعالم الآثار الإسرائيلي رافي غرينبرغ الذي يعدّ ناشطا مع مجموعة يسارية من علماء الآثار تنتقد الحفريات الإسرائيلية في الضفة الغربية، فإن السلطات الإسرائيلية لا تنشر قائمة الحفريات أو قائمة الاكتشافات أو مواقعها، وفي المقابل تحتفظ بكل هذه البيانات كأسرار دولة، حسب تقرير سابق لموقع "إن بي آر" (NPR) الأميركي.

ولدى الجيش الإسرائيلي وحدة آثار مسؤولة عن الحفريات في معظم أنحاء الضفة الغربية، وهي الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967. ووفقا لاتفاق السلام، يتم التفاوض بشأن وضع الضفة الغربية والقطع الأثرية الموجودة فيها في محادثات سلام لاحقة، ولكن حتى ذلك الحين يواصل علماء الآثار العسكريون الحفر ومنح تصاريح تنقيب للأكاديميين الإسرائيليين في الضفة الغربية والمناطق المحتلة، حسب الموقع الأميركي ذاته.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تكتسب الدراسة النقدية المعمقة للعمارة الإسرائيلية والتخطيط الحضري داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أهمية مضاعفة، في سياق رغبة حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المحمومة لضم مستوطنات الضفة.

18/5/2021

يؤكد كتاب جديد عنوانه “من روائع حضارة بني أمية في أرض فلسطين” أن بني أمية تركوا في فلسطين آثارا عمرانية ومادية قيمة تعتبر من روائع الحضارة الإسلامية. ويقول المؤلف عبد الرزاق متاني إن إسرائيل تسعى لتهويد المكان وتزوير الهوية العربية الإسلامية لفلسطين.

20/10/2013
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة