المؤرخ السوري قسطنطين زريق.. معماري الفكر القومي العربي في القرن العشرين

فرادة زريق تنبع من كونه وضع حجر أساس الفكر القومي داخل متون نظرية، وتبدو كتاباته وكأنها الأساس النظري للكتابة القومية العربية بأطوارها الأولى.

قسطنطين زريق
المؤرخ زريق يعد من أكبر منظري القومية العربية بالعصر الحديث (الجزيرة)

يعتبر المؤرخ السوري قسطنطين زريق (1909-2000) عراب الفكر القومي بالعالم العربي، لما راكمه من أعمال نظرية تاريخية تتصل بالمجتمع العربي في علاقته بالمسألة القومية والتحديث وصناعة المؤرخ وأبعاده المستقبلية، بحيث إن هذه الكتابات تجد صداها بشكل كبير داخل السياق التاريخي الذي ولد وترعرع فيه زريق إبان القرن العشرين، إذ إن القارئ لكتاباته التاريخية سيتوقف لا محالة عند الزخم الفكري الذي تنطبع به والبعد التنظيري الذي تتأسس عليه.

وتأثير زريق على الأجيال اللاحقة لم يتوقف عند الكتابة التاريخية في سوريا، بل إنها تجاوزت هذه المنطقة، صوب جغرافيات أخرى داخل العالم العربي، لأنها أحدثت شرخا كبيرا في بنية التفكير العربي وجدلا واسعا في صفوف المثقف القومي منذ الثلاثينيات إلى حدود سبعينيات القرن الماضي، وألف زريق كتاب "النكبة" سنة 1948 وبذلك أدخل المفهوم على القاموس السياسي العربي.

وعمل زريق وزيرا مفوضا لسوريا في الولايات المتحدة سنة 1946، وعاد ليصبح رئيسا لجامعة دمشق ثم الجامعة الأميركية في بيروت بالوكالة، وعرف عنه رفضه إلقاء المحاضرات بغير اللغة العربية، وأصبح رئيسا لمجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت حتى مطلع الثمانينات.

وبثت الجزيرة الوثائقية مؤخرا فيلم "شيخ المؤرخين.. قسطنطين زريق" وتناول سيرة كاتب سير التاريخ العربي الحديث الذي أثرى المكتبة العربية بكتابات السياسة، وساهم سرا في صناعة حركات مناهضة لمشاريع الاستعمار ضد العالم العربي.

ولم يكتف زريق بالعمل الأكاديمي والتنظيري، فقد رعى جمعية العروة الوثقى الطلابية التي نشطت في الجامعة الأميركية منذ الحرب العالمية الأولى، وأسس تنظيما سريا لدعم عصبة العمل القومي رغم عمله الأكاديمي، وتغلغل أفراد ذلك التنظيم في الجمعيات والأحزاب السورية اللبنانية للتأثير على سياساتها وتبني مواقف "عروبية".

زريق رائدا للكتابة التأريخية

ورغم البحوث النيرة، التي قدمتها الأجيال اللاحقة في بناء مفاهيم الأمة والدولة والقومية والوحدة والتراث مع كل من العراقي عبد العزيز الدوري واللبناني نديم البيطار والسوري حسين مروة، فإن الباحث يجد في هذه الكتابات اللاحقة أنها لم تعمل سوى على "نفي" أو "تأكيد" بعض الأطروحات الفكرية والسياقات التاريخية والمقدمات النظرية التي تأصلت في فكر زريق، لأنها انصبت على موضوعات أخرى مع بداية السبعينيات مثل العلمانية والتراث والديمقراطية والماركسية مع كل من عبد الله العروي والطيب التزيني ومحمد عابد الجابري وعبد الكبير الخطيبي وهشام جعيط وبرهان غليون ونصيف نصار، في حين تمسك زريق بالتنظير للقومية العربية.

ولا شك أن هذه الكتابات التاريخية الجديدة، وإن تصدت بالدرس والتحليل إلى القومية العربية، مستفيدة من المتن النظري التاريخي الموجود داخل المكتبة العربية وظهور مراجع ودراسات ونظريات ومناهج جديدة، لم تستطع أن تضاهي الصرح النظري الذي شيده زريق في ذلك الوقت المبكر من مشروع الكتابة التاريخية العربية، مما يجعله اليوم شيخ المؤرخين العرب وأكثرهم نضارة وفطنة ومعرفة في فهم التغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها البلدان العربية في النصف الأول من القرن العشرين.

ولأن عملية التأريخ لديه تجاوزت النمط الغالب على السرديات التاريخية في الحقبة الحديثة، وغلبة الرواية والسرد والوصف والإخبار لصالح كتابة تاريخية، وتستند إلى ما هو معرفي وعلى مناهج علمية حديثة لا تقف تلهث وراء الأحداث والوقائع، لكن في جعل الكتابة تتخذ ميسما فكريا يستند إلى التحليل المنهجي والنقد المعرفي للوصول إلى شكل كتابة أضحت لدى زريق تعتمد التأصيل والابتداع عوض تلخيص أطروحات قائمة في تاريخ الأفكار وتفنيدها أو تزكيتها.

وبقدر ما قد يعتبر القارئ العربي أن مكمن هذا التأصيل يعود إلى السبق التاريخي، باعتباره من أوائل من كتبوا ونظروا في القومية العربية، فإنه سرعان ما يفطن أن الأمر له علاقة بمتانة تفكير رجل عشق التاريخ وأجاد استخدامه والتفكير في صنعته، حتى أضحت هواجسه الداخلية تتمركز حول دعوة العرب إلى إقامة فكر تاريخي، لا ينصب حول الحاضر ولكن بالرجوع إلى تأمل الماضي وفهم طبيعته وأنماطه وبناه.

إن فرادة زريق تنبع من كونه وضع حجر الأساس في الفكر القومي داخل متون نظرية قوية، إذ إن كتاباته تبتعد كل البعد عن التوليف المعرفي الذي يقوم على عملية الاقتباس أو بناء ما استجد في الفكر العربي الحديث، وإعادة صياغة أطاريحه وأفكاره وبنائها من جديد، وإنما تبدو كتاباته وكأنها الأساس النظري للكتابة القومية العربية في أطوارها الأولى.

على هذا الأساس، يرى زريق أن التأريخ "يظل عملا آليا تمهيديا إذا اقتصر على تحقيق الأصول والتثبت من الأحداث ورواية الأخبار، ولم يتقدم من هذه الجهود الضرورية حقا إلى التفكير التأريخي. أما إذا بلغ هذه المرتبة، وكان سليما حيا، فلا بد للقائم به من مجابهة الحاضر والتطلع إلى المستقبل".

التاريخ.. السياسة.. الاجتماع

هذا الرجل الذي عزم على دراسة الهندسة، سرعان ما وجد نفسه منغمسا في التاريخ بجامعة بريستن الأميركية، فدراسته هناك ستمكنه من تحصيل المعارف النظرية في تاريخ الأفكار، وعلى مناهج حديثة أسعفته لاحقا لاستعمالها في دراسة وبناء نظرية الخطاب السياسي القومي العربي، بعيدا عن مختلف أشكال وصور الرومانسية الحالمة التي طبعت الفكر القومي في ذلك الوقت.

عاش زريق في بيئة عربية شهدت تحولات عميقة على المستويين السياسي والاجتماعي، فقد كانت مفاهيم الاستعمار والاستيطان والاستشراق الكولونيالية أبرز المفاهيم الفكرية التي أضحى المؤرخ العربي الحديث يولي لها أهمية بالغة في دراسة الوعي السياسي القومي العربي أو التأريخ لمراحله وأطواره، فالاستعمار، وفي ظل دكتاتوريته، استطاع اختراق واقع الشعوب المستضعفة، بحكم سلطته ومكره وأدواته ووسائله.

فقد غير الكثير من المعتقدات داخل الوعي العربي ومعها مختلف أشكال النظر وصور الغيرية وسلسلة التنميطات الاستشراقية حول فكرة الوحدة والقومية والعروبة التي انتشرت في تلك المرحلة التي شكلت وعي زريق وهو في دمشق ثم بيروت. هذا الأمر بقدر ما مثل سياقا تاريخيا ومعرفيا لحياة زريق، أسس من جهة أخرى مسار وعيه على مستوى الكتابة وجعلها تروم إلى كل ما هو تاريخي واجتماعي وسياسي في حياة العرب.

لا شك أن القارئ لكتبه الرئيسية مثل "نحن والتاريخ"(عام 1959)، "في معركة الحضارة"(عام 1964)، "نحن والمستقبل"(عام 1977) سيكتشف الميسم النظري الذي يوجه فعل التأريخ، والدعوة إلى إقامة فكر تاريخي لا يتعلق بالماضي كمادة أثرية متحفية ولا علاقة لها بالحاضر كمختبر لدراسة الأحداث والوقائع والأفراد ومدى تموضعها في بنية الزمن الراهن، بل ينشد المستقبل كخلاص ذاتي يحقق فيه العرب مشروع حضارتهم على أسس تاريخية وعقلانية حديثة.

ولأن زريق من الذين تأثروا بالدراسة الغربية، فقد تسلح بمفاهيم الحداثة ومناهجها في دراسة الماضي البشري، كما تبلورت ملامحه عند مدرسة الحوليات مع المؤرخ الفرنسي لوسيان فيبر ومواطنه مارك بلوخ، معتمدا على تاريخ إشكالي لا يقف عند تخوم الأحداث ووقائعها اليومية، بل يستحضر التاريخ فقط كموضوع ويترك بناء الأحداث وتسلسلها رهينة الفكر والتأويل.

ومع ذلك فقد كان ثقافة زريق العروبية قوية، فقد انتخب بمجمع اللغة العربية في دمشق عام 1954 وأصبح ممثلا للجمهورية السورية في المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو ما بين 1950-1954 وعضواً باللجنة العالمية للتاريخ التابعة لها حتى عام 1969، وإلى جانب كتابه "الوعي القومي،" الذي صدر في بيروت عام 1939، ألف كتبا عديدة اعتبرت عُدة التيار القومي العربي ومنها "أي غد" (عام 1957)، "هذا العصر المتفجر" (عام 1963)، "معنى النكبة مجدداً (عام 1967)، و"مطالب المستقبل العربي" (عام 1983).

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تقلّب محمد عمارة -رحمه الله- يَسْرة ويمْنة في عوالم الأفكار؛ فجرّب وتفكر وتدبر وكتب وحاضر وناضل. وفي هذا الحوار الشامل؛ نقف معه على أبرز محطات سيرته الشخصية ومسيرته الفكرية والعلمية.

3/5/2021
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة