"الوضوح الأخلاقي" في السياسة.. لماذا يحق للاستعمار "الدفاع عن النفس" ويدان صاحب الأرض؟

يقول الكاتب والصحفي الكيني باتريك غاثارا إنه لطالما طالب المستعمرون بـ"الحق" في الدفاع عن أنفسهم ضد مقاومة السكان الأصليين حتى إن تم ذلك بارتكاب القتل الجماعي، وتاريخ الاستعمار في أفريقيا حافل بهذه الممارسات، وخير دليل على ذلك المقابر الجماعية لأولئك الذين تجرؤوا على مقاومة الأوروبيين المتفوقين عسكريا

صورة مؤرخة قبل عام 1937 أثناء الانتداب البريطاني في فلسطين تظهر مواطنين عربا يتظاهرون بالبلدة القديمة بالقدس ضد الهجرة اليهودية إلى فلسطين وبينهم الحاج جمال الحسيني (غيتي)

خلال حروب إسرائيل العديدة على قطاع غزة يتذرع مسؤولون غربيون بما يسمونه "حق إسرائيل الدفاع عن نفسها"، لدعم الموقف الإسرائيلي من الحرب، وبتكرار تلك المقولة يتم سحب الأضواء من كوارث الحرب الإنسانية وتجريد الفلسطينيين من حقوقهم في الأمان والحماية، فيما تبقى تلك المقولة تلوكها الألسن وكأنها مسلّمة لا يمكن الجدال حولها.

لكن محللين ناقدين لسياسات إسرائيل وكتابا مختصين في قضايا الاستعمار والشعوب الأصلية يرون في تلك المقولات مغالطة كبيرة، ويرون فيها أيضا خطابا منمقا لتبرير شن الحروب لكنه لا يستند إلى منطق أو مبرر قانوني.

ويقول رئيس قسم اللغة العربية في جامعة كينت الأميركية الكاتب بشير أبو منة إن سلوك إسرائيل هو "مشروع احتلال تقوده الدولة، وينبغي أن تتحمل مسؤوليته الجنائية".

ويتابع أبو منة في مقاله بمجلة "جاكوبين" (jacobinmag) الأميركية اليسارية معتبرا أن إسرائيل تحرم الفلسطينيين من حقوقهم الإنسانية، خاصة حق تقرير المصير، ولا يمكن أن تتذرع بحق الدفاع عن النفس كمبرر قانوني لاستخدام القوة.

نفاق ومقولة معيبة

ويؤكد الكاتب أن تلك المقولة فاسدة ومعيبة، فإسرائيل دولة محتلة تشن حروبا ضد من تحتلهم، وكذلك فإن حروبها ضد غزة تنتهك جميع قواعد حق الدفاع عن النفس، خاصة بالنظر لأنها غير مضطرة ولكونها قادرة على التمييز بين العسكريين والمدنيين، وأيضا لعدم التناسب في استخدام القوة لضرب الأهداف العسكرية.

وفي مقاله الذي نشره موقع الجزيرة في نسخته الإنجليزية، قال الكاتب الكيني باتريك غاثارا رسام الكاريكاتير السياسي الحائز على جوائز إن البيانات الفاترة عن "الفزع" و"القلق الشديد" إزاء مقتل الفلسطينيين تخللتها تصريحات تؤكد "دعما لا يتزعزع لأمن إسرائيل ولحقّها المشروع في الدفاع عن نفسها"، وهذا يعني أن أفعال فصائل المقاومة الفلسطينية -رغم تسببها في جزء ضئيل من الموت والدمار مقارنة بما خلفه القصف الإسرائيلي- كانت محل اعتراض أقوى بالنسبة للغرب.

وأشار بعض السياسيين التقدميين -مثل عضوة الكونغرس الأميركي ألكساندريا أوكاسيو كورتيز- إلى النفاق في التأكيد الشامل على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، مقابل الإحجام عن الرفض الصريح للمبررات الإسرائيلية.

حق المقاومة أم الدفاع؟

ويقول الكاتب والصحفي الكيني إنه لطالما طالب المستعمرون بـ"الحق" في الدفاع عن أنفسهم ضد مقاومة السكان الأصليين، حتى إن تم ذلك بارتكاب القتل الجماعي، وتاريخ الاستعمار في أفريقيا حافل بهذه الممارسات، وخير دليل على ذلك المقابر الجماعية لأولئك الذين تجرؤوا على مقاومة الأوروبيين المتفوقين عسكريا.

في كتابها "الغولاغ البريطاني" (The British Gulag) تصف المؤرخة كارولين إلكينز "الحملة الوحشية" التي قام بها البريطانيون في كينيا المستعمرة في أعقاب انتفاضة "ماو ماو" في الخمسينيات، والتي شملت إنشاء معسكرات اعتقال لحوالي 1.5 مليون مدني، وتبني نظام وحشي في معسكرات التعذيب أودى بحياة الكثيرين.

وأشار الكاتب إلى أن فكرة إعطاء المحتلين الإمبرياليين الحق في ترويع وتعذيب وقتل أصحاب الأرض المسلوبة حقوقهم في إطار "الدفاع عن النفس" تتعارض مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عدد 43/ 37 لعام 1982 الذي اعترف بـ"شرعية نضال الشعوب في سبيل الاستقلال والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والتحرر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والاحتلال الأجنبي بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح"، وقد أعاد ذلك القرار على وجه التحديد تأكيد حق الفلسطينيين في النضال.

الوضوح الأخلاقي

يستخدم مصطلح "الوضوح الأخلاقي" في سياق أميركي ضمن الحديث عن محاربة الإرهاب ودعم إسرائيل، ويقصد به أن الولايات المتحدة تقود صراعا بين الخير والشر لتعزيز القيم الأميركية وهزيمة الإرهاب.

وبدلا من السعي وراء "الوضوح الأخلاقي" في غزة اليوم -كما يقول الكاتب- يستخدم الغرب التعتيم الأخلاقي لتبرير الهجمات التي تستهدف بها القوة الاستعمارية السكان اللاجئين الذين طردتهم من أراضيهم وحاصرتهم في رقعة جغرافية أشبه بالسجن، ثم يطالب بحق إسرائيل في القيام بكل هذه الممارسات الاستعمارية بكل هدوء وسلام.

وعندما يتحدث الإعلام الغربي عن "حلقة التصعيد" فإنه يوازن القمع بالمقاومة ضده، ويصور العنف على أنه صراع بين طرفين لهما دعاوى متكافئة بالأمن وامتلاك الأرض، ولكنه يتجاهل حقيقة انخراط الفلسطينيين في نضال للتحرر الوطني ضد احتلال غير شرعي ونظام تمييز عنصري وعرقي (أبارتايد) كما وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش -في تقرير ترفض وسائل الإعلام الحديث عنه- بأنه يرقى إلى تعريف جريمة الفصل العنصري الدولية، بحسب الصحفي والرسام الكيني.

في المقابلات، كثيرا ما يؤكد المتحدثون الإسرائيليون على الصعوبة التي يواجهها ما تطلق عليه إسرائيل "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم" في العثور على قادة المقاومة الفلسطينية وقتلهم، والذين يزعم الإسرائيليون بأنهم يتخذون من المدنيين دروعا لهم.

حروب غير مشروعة

من جهتها، تقبل الصحافة الغربية بكل سرور وصف قادة حماس والجماعات الأخرى كأهداف مشروعة، لأن ذلك يعني ضمنيا أن إسرائيل تشن حربا مشروعة حتى إن كانت تكتيكاتها بغيضة إلى حد ما، وإن القبول التام لهذا الإطار دون التشكيك فيه يجعل وسائل الإعلام الغربية متواطئة في نزع الشرعية عن المقاومة الفلسطينية مقابل ترسيخ الهيمنة الاستعمارية وسلب إسرائيل أراضي الفلسطينيين.

وكما أوضحت أوكاسيو كورتيز، فإن اجترار الرأي القائل إن "إسرائيل تتمتع بحق الدفاع عن نفسها" دون أخذ سياق الاضطهاد بعين الاعتبار يضفي الشرعية على المزيد من أعمال القمع ويبررها.

وإذا كان الإعلام والسياسيون والدبلوماسيون الغربيون يسعون إلى الوضوح الأخلاقي حقا فإنه يجب عليهم أن يرفضوا تماما الافتراض الشنيع بأن الدول الاستعمارية مثل إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها ضد أولئك الذين تضطهدهم، يختم الكاتب الكيني.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية