أشعاره لا تزال الأكثر شعبية بين الأتراك.. 700 عام على وفاة الشاعر والمتصوف يونس إمره

رسم للشاعر الصوفي الشعبي يونس إمره الذي ألهمت قصائده الأدب التركي الحديث وأَثْرت اللغةَ التركية المكتوبة (الجزيرة)
رسم للشاعر الصوفي الشعبي يونس إمره الذي ألهمت قصائده الأدب التركي الحديث وأَثْرت اللغةَ التركية المكتوبة (الجزيرة)

لا تزال شعبية أشعار المتصوف التركي يونس إمره بعد 7 قرون من وفاته باقية حتى اليوم، فقد كتب شعره بالطريقة نفسها التي تحدث بها الناس في وسط الأناضول وغربه.

وتحيي تركيا هذه الأيام الذكرى الـ700 لوفاة الشاعر الكبير بكثير من الفعاليات الثقافية داخل البلاد وخارجها، وأنتجت عددا من المسلسلات والأعمال الفنية التي تخلد سيرته.

عاش إمره في مرحلة انهيار الدولة السلجوقية أوائل القرن 14، وتوفي عام 1321 للميلاد عن عمر ناهز 80 عاما وترك لنا أثرين: ديوانه الشعري، ورسالة النصح التي تتضمن 573 بيتا موزونا.

وأسست تركيا معهدا ثقافيا يحمل اسم الشاعر يونس إمره، ويتخذ المعهد من مقولته "تعال لنتعارف" شعارا له، مستهدفا إحياء القيم والمحبة الإنسانية، وترسيخ السلام الاجتماعي.

واسم يونس إمره يؤكد البُعد الثقافي الحضاري لمشروع تركيا الحديث، ويتبدّى ذلك بوضوح في أحد أبرز تجليات هذا المشروع، وهي البعثات والمنح التي تنظمها تركيا للراغبين من الأجانب بالاطلاع على الثقافة التركية، حيث تجد اسم "يونس إمره" لصيقا بمشروعات المنح والثقافة المدعومة من الجمهورية التركية.

"القلب عرش لله"

ولد إمره في قرية صاري كوي بمدينة إسكي شهير (شمال غربي تركيا) عام 1240م، أي منذ نحو 8 قرون من الآن، وتزامنت تلك الحقبة مع نهاية عصر السلاجقة وبداية حكم عثمان غازي، ولعل ظروف تلك المرحلة التاريخية التي نشأ فيها -حسب مؤرخين- كانت إحدى العوامل التي ساعدت على سطوع نجمه في سماء أدب التصوف الإسلامي، إذ اتسمت تلك المرحلة بالاضطرابات في حياة الأناضول وتاريخه على السواء، وكان الأناضول مسرحا لجبهات مشتعلة في وجه البيزنطيين والمغول.

وأوضح يونس في بعض قصائده أنه أدرك الأديب الصوفي مولانا جلال الدين الرومي (1207-1273) والتقى به وبغيره من كبار المتصوفة كجايكلي بابا وبالم سلطان وأحمد فقيه، حسب مصادر تاريخية.

ويقول أدباء إن يونس نظم أشعاره بلغة العامة والقوافي والأوزان الشعبية مازجا فيها بين الذوق التركي والثقافة الإسلامية الزاهدة، وجال في المنطقة الممتدة في الأناضول وأذربيجان وسوريا، وترك أثرا عظيما في كل بلد مرّ به، وكان لذلك أثره الذي انعكس عليه عندما مات.

وكان يرى أن محط نظر الله هو القلب، فأنشد يقول "القلب عرش لله، لأن الله ينظر إلى القلوب".

كان يونس يرى أن الكائنات جميعها تعكس جمال أسماء الله وأنها شاهدة على وجوده ووحدانيته، فيقول:

مع الجبال والحجر

أناديك يا مولاي أنت

مع الطيور في السحر

أناديك يا مولاي أنت

وعني في شعره بحب الخالق والتعلق بآلائه والتفكر بجلاله وجماله، كذلك تطرق إلى موضوعات فلسفية، فنظم أشعارا عن الوجود والموت ودوران الفلك والفصول التي عدّها رمزا لمراحل الوجود والفناء في الكون، فيقول في أحد أشعاره:

قطع بردُ الشتاءِ الأوْصال

وهبتْ نسائمُ الربيع العليل من جديد

وفجأة، لفّت رحمةٌ شاملةٌ المكان

وقدم الصيفُ المبارك من جديد

فاكتسى العالم من خزائنه خلعا جديدة

ووهب النبات حياة جديدة

لم تأت كلمتي من أجل الصيف أو الخريف

بل من أجل المعشوق من جديد

أتوسل للسلطان أن يهب الحياة

للذين أفناهم من جديد..

شاعر عالم

وفي هذا السياق، رأى المؤرخ التركي البروفيسور شرف أتش، رئيس معهد يونس إمره الثقافي، أن يونس لم يكن شاعرا بسيطا، بل كان مطّلعا على شتى القصص والروايات المقدسة محيطا بمناقب التصوف عالما بكل المفاهيم والآراء الفلسفية السائدة في عصره، فضلا عن ما يضطلع به من مناقشة لكل هذه المفاهيم والآراء الفلسفية في ثنايا النصائح التي يسوقها بين الفنية والأخرى في شعره.

وأضاف أتش، للجزيرة نت، أم إمره "صاغ تلك الأفكار والآراء بطريقة مبسّطة، وبلغة سهلة وميسّرة على النقيض من شعراء عصره الذين أوردوا في شعرهم ألفاظا يصعب فهمها على كثير من أفراد الشعب التركي".

ولفت إلى أن الأتراك يعتزّون بيونس إمره حتى يومهم الحاضر على أنه شاعرهم القومي الذي يتباهون به ويذكرونه بكل تقدير وإجلال.

وأوضح أتش أن سبب تسمية المعهد باسم يونس إمره يعود إلى أفكار المتصوف التركي التي كانت لها أبعاد عالمية تتجاوز حدود الجغرافيا والزمان، حيث إن مبادئه ما زالت تمثل مرجعية لكثير من المدارس الفكرية في العصر الحالي، مشيرا إلى أن يونس إمره كتب أشعاره ودوّن أفكاره الصوفية باللغة التركية، رغم هيمنة اللغتين العربية والفارسية في عصره.

المؤرخ البروفيسور شرف أتش رئيس معهد يونس إمره الثقافي (الجزيرة)

معهد يونس إمره الثقافي

وأُسس المعهد في العاصمة التركية أنقرة عام 2009 باسم الشاعر "يونس إمره" (Yunus Emre)، ليكون جسر تواصل بين تركيا والعالم، و"سفيرا" لهذا البلد إلى مختلف الثقافات والحضارات.

وفُتحت مراكز يونس إمره الأولى في منطقة البلقان والعالم العربي، وتقوم مراكز المعهد -فضلا عن تعليم اللغة التركية في مختلف فروعه- بتنظيم الندوات والمؤتمرات والأنشطة الفنية في كثير من دول العالم، وبينها الجزائر، والمغرب، ولبنان، ومصر، والأردن، والبحرين، والسودان، والصومال، وتونس، وقطر، وفلسطين.

وأخيرا أصبح للمركز وجود في سوريا بعد افتتاح فرع له العام الماضي في مدينة إعزار بريف محافظة حلب.

وأفاد رئيس المعهد أتش بأن "المعهد يفتتح مراكزه في المدينة لنشر فلسفة الشاعر المتصوف والفيلسوف يونس إمره ومنظوره عن الحياة".

وأضاف "من أجل استعادة الاستقرار والسلام في المنطقة ولكي يتمكن الناس من العيش بسلام، هناك حاجة إلى نشر فلسفة يونس إمره، ونحن نسعى من خلال هذا المعهد إلى الترويج لوجهة نظرنا في الحياة ورؤيتنا وثقافتنا في العيش المشترك مجددا"، مؤكدا أن المعهد يواصل أنشطته التعليمية للشعب السوري الذي يعيش في خضم الحرب منذ عام 2011.

وخلال مسيرته، تمكن 110 آلاف طالب من تعلم اللغة التركية عبر الدورات التي ينظمها المعهد داخل مراكزه وخارجها.

وفي الوقت الحالي، هناك 218 ألف طالب من 194 دولة في شتى أنحاء العالم يتعلمون اللغة التركية عن بعد عبر البوابة الإلكترونية للمعهد.

وأوضح أتش أنه، حسب معطيات 2020، فإن اللغة التركية كانت على صعيد اللغات التي يتم تعلمها في العالم، خلال العام الماضي.

ويُجمع المثقفون الأتراك على أن الأدب التركي لم يستطع أن يُنجب لهم شاعرا صوفيا شعبيا أعظم من يونس إمره منذ نشأة الأدب التركي في مختلف البقاع حتى عصرنا الحاضر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

دعا الباحث والشاعر التركي أحمد مراد أوزيل العالم العربي إلى الانفتاح على الأدب والثقافة التركية، مشيرا إلى أن بلاده تتمتع بمخزون أدبي زاخر لا يزال مجهولا في العالم العربي.

12/2/2018

يقول رئيس معهد يونس إمره الثقافي إن المشروعات التي ينفذها المعهد -الذي تأسس في مايو/أيار 2007- هدفها التبادل الثقافي، وأدت إلى زيادة عدد زوار تركيا، نافيا اتهامات الغزو الثقافي.

19/12/2019

تطورت اللغة التركية المكتوبة تدريجيا وتأثرت بالتقاليد الإسلامية، التي مثلها الشاعر التركي الصوفي يونس إمره الذي ألهمت أشعاره المكتوبة باللهجة التركية الأناضولية القديمة الثقافة والأدب التركي الحديث وأجيالاً متعاقبة.

6/5/2020
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة