تاريخ استعماري حديث.. العنصرية في تقارير "مكتب الشؤون الهندية" عن المنطقة العربية

تتكرر التلميحات العنصرية عن ميل العرب للخلافات والانقسامات في أكثر من موضع من رسائل المسؤولين البريطانيين، ويشير مؤلف أول تقرير عن شبه الجزيرة العربية إلى أن "العربي بطبعه لا يحب الاستقرار".

لوحة للرسام البريطاني كارل هاغ "في الصحراء" تعود لعام 1867 وتمثل نظرة استشراقية أوروبية للمجتمعات العربية في الجزيرة العربية (ويكي كومنز)
لوحة للرسام البريطاني كارل هاغ "في الصحراء" تعود لعام 1867 وتمثل نظرة استشراقية أوروبية للمجتمعات العربية في الجزيرة العربية (ويكي كومنز)

نشرت مدونة المكتبة الوطنية البريطانية وثائق تعود لحقبة الاستعمار البريطاني في الهند، وتضمنت الوثائق الأرشيفية رسائل صادرة عن المكتب المحلي بالهند التابع لوزارة المستعمرات البريطانية في مطلع القرن العشرين وتضم نبرة عنصرية تجاه العرب.

تسلط المدونة الضوء على أمثلة من المواقف العنصرية الموثقة في أحد ملفات الدائرة السياسية والاستخبارية في مكتب الشؤون الهندية، وتوضح الأمثلة كيف شكلت هذه المواقف جزءًا من المعلومات الاستخبارية التي جمعها البريطانيون في الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى، وكيف أسهمت في إثراء النقاشات وصنع القرارات.

قام الأشخاص أنفسهم الذين جمعوا هذه المعلومات الاستخبارية وأصدروا التقارير وعلّقوا عليها، برسم ملامح السياسة البريطانية في الشرق الأوسط. ولفهم هذا التاريخ، من المهم الانتباه إلى تنوع الدوافع والمواقف التي يتبناها الأشخاص المعنيون، بما في ذلك المواقف العنصرية.

تقرير المنطقة العربية

في فبراير/شباط 1916، أرسل قسم المخابرات في الأميرالية البريطانية تقريرًا إلى الدائرة السياسية والاستخبارية في مكتب الشؤون الهندية يشرح بالتفصيل الوضع العسكري والسياسي في شبه الجزيرة العربية وبلاد الرافدين والصحراء الغربية (في مصر) وسوريا وسيناء.

كان هذا التقرير الأول من بين 27 تقريرًا أُطلق عليها في البداية اسم "تقارير شبه الجزيرة العربية"، ثم تقارير عن المنطقة العربية، وكان آخرها في يناير/كانون الثاني 1917.

في يونيو/حزيران 1916، اندلعت انتفاضة في مكة المكرمة بقيادة الشريف الحسين وبدعم من البريطانيين، ونجحت الثورة في إخراج العثمانيين من مكة. لكن لاحقا لم يعد البريطانيون على يقين مما إذا كان ينبغي عليهم الاستمرار في دعم الحسين بالقوات. كان الوضع معقدًا بسبب اتفاقات بريطانيا مع الفرنسيين وتقديم وعود متناقضة للحسين، وبسبب الحاجة إلى الانتصار في الحرب.

ركّز الجزء الافتتاحي من التقرير الأول عن المنطقة العربية على موقف شريف مكة وأنشطته، ولا سيما "هدفه الحالي وهو [المصالحة] بين جميع القوى العربية في شبه الجزيرة العربية من خلال إقناعهم بالتخلي عن جميع القضايا الجانبية، ومساعدته في طرد الأتراك من البلاد". وتناولت الأجزاء الأخرى من التقرير تفاصيل الحرب، وتحديدا نقل القوات وتحركاتها والأسلحة ونتائج المعارك والاشتباكات.

وتعتمد التقارير على مزيج من الروايات الرسمية وغير الرسمية وبعض الشائعات. كانت هناك شكوك بشأن صحة المعلومات ومدى فائدتها. ويوازن الباحثون بين هذا الغموض والأحكام الشخصية حول موثوقية المصادر أو دقة المادة المتاحة.

بدءًا من يونيو/حزيران 1916، كانت التقارير مصحوبة بملاحظات من المستشار السياسي والدبلوماسي السير مارك سايكس (1879 – 1919)، حيث يسلط الضوء على عدد من الأقسام ويضيف أفكاره الخاصة.

تحيزات عنصرية

وتقدم تعليقات وملاحظات كبار أعضاء الدائرة السياسية والاستخبارية في "المحاضر" المرفقة بكل تقرير، أدلة على مواقف الكُتاب وتحيزاتهم العنصرية.

على سبيل المثال، يحتوي تقرير شبه الجزيرة العربية السابع عشر بيانا عن مؤسس دولة الأدارسة في صبيا وتهامة بالجزيرة العربية السيد محمد الإدريسي (1876 – 1923)، بعد أن أورد معلومة غير مؤكدة أن الإدريسي "أبرم سلاما مع الحاكم التركي لليمن"، يلاحظ المؤلف أنه على الرغم من أن "هذا غير محتمل، فيجب ألا ننسى أن الإدريسي عربي"، والمعنى الضمني هو أنه لا يمكن للبريطانيين الوثوق به.

ويظهر شعور مشابه في "ملاحظات" سايكس ضمن تقرير شبه الجزيرة العربية السابع عشر. في إشارة إلى "عداء العرب في رابج"، عبّر سايكس عن امتعاضه مما حدث ووصف المشاركين بأنهم "ربما متمردون ومشبوهون ومندفعون"، مشيرًا إلى أن "الحادث هو مثال واضح عن الصعوبات التي سنواجهها. أن نضطر للتعامل مع ما وصفه كاتب مشهور بأنه شعب عفريتي يمتلك قلب ثعلب".

هناك الكثير من الأمثلة الأخرى على التمييز العرقي في "ملاحظات" سايكس وبقية التقارير. وبحسب رأي سايكس، يُعزى التنافر بين الإدريسي وشريف مكة جزئيا إلى "العراقيل التي وضعتها الخصوصيات العرقية العربية في طريقهما".

تتكرر تلك التلميحات العنصرية عن ميل العرب للخلافات والانقسامات في أكثر من موضع. ويشير مؤلف أول تقرير عن شبه الجزيرة العربية إلى أن "العربي بطبعه لا يحب الاستقرار".

أثناء مناقشة تمثيل شعوب العالم في الصحافة، يقدم سايكس رأيه قائلا إن "السكان الأصليين في مستنقعات بلاد ما بين النهرين متوحشون ولا يُؤمن جانبهم، في حين أن القبائل المختلطة التي تعيش على ضفاف الأنهار قبائل فوضوية بالفطرة لأسباب جغرافية وتاريخية".

جنبا إلى جنب مع التقارير الرسمية، أسهمت هذه المواقف العنصرية التي يحملها مؤلفو هذه الوثائق في رسم السياسة البريطانية بمنطقة الشرق الأوسط.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

صدرت مؤخرا ترجمة كتاب للأستاذة بجامعة كامبردج عزة حسين، تحت عنوان “سياسات تقنين الشريعة: النخب المحلية والسلطة الاستعمارية وتشكل الدولة المسلمة”، ويتناول استجابة المسلمين المحدَثين لتحديات حقبة الاستعمار وما بعده.

9/2/2019
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة