الروائية اللبنانية ناتالي خوري غريب تروي تجربتها مع كتابها الأول.. دراسة حول الشاعر واللاهوتي ميشال الحايك

غريب: لا أعتقد أنه يمكن الحديث عن ندم فيما يتعلّق بالكتابة والنشر. على العكس، أجد أن الكاتب -في البحث والنقد والرواية والقصة والمقالة والترجمة وغيرها- يمر بمحطات ومراحل تتطور بتراكمات معرفية ونضج للحس النقدي

الروائية غريب نشرت كتابها الأول "القلق الوجودي في شعر ميشال الحايك" عام 2013 (الجزيرة)
الروائية غريب نشرت كتابها الأول "القلق الوجودي في شعر ميشال الحايك" عام 2013 (الجزيرة)

يقول نقاد إن الثقافة العربية المعاصرة، تكافح لتعويض غياب الجانب الحميمي في علاقة الكتاب بكتاباتهم وعادات وفضاءات وأدوات الكتابة ومواطن الإلهام وكتل الأحلام والمشاعر التي تجتاح الجسد لحظة الكتابة والتفكير.

وبالمقارنة مع الثقافة الغربية -التي تحضر فيها هذه العوامل البرانية عن نشوء فعل الكتابة- تحاول اللقاءات والحوارات الاحتفاء بما يسمى بـ"المخطوطات الأولى" الموجودة في مختلف مؤسسات ومتاحف العالم.

ولأن أغلب هذه الكتب الأولى لم تكن بريئة لحظة الكتابة -بما يطبعها من ألم ومخاض أثناء الولادة- فإن ذكراها تنحفر بعمق في مروج الذاكرة ويستيقظ معها شعور الكاتب/الفنان/الروائي/الشاعر عن البدايات والرعشات الأولى في عالم الكتابة والنشر، فيجد الكاتب نفسه "مكشوفا" أمام أعين القارئ، وهو يلتهم فصوصا من سيرته الذاتية وأوهامها وعلاقتها بسير الآخرين الأحياء منهم والأموات.

وفي هذه الزاوية "الفسحة النوستالجية الجديدة" -التي تفتحها "الجزيرة نت"- يبوح عدد من الكتّاب العرب -بمختلف ألوانهم وأجيالهم وحساسياتهم ومشاربهم الإبداعية والفكرية- بالأحلام الوردية التي غزت مخيلتهم على مشارف نشر الكتاب الأول، ويُساءلون عن الأسباب التي تقف وراء فتنة النشر وطريقته، والأحلام التي راودتهم وهم ينتظرون رأي الناشر؟ وما الذي حدث بعد صدور الكتاب؟ وهل أصبح الناس يتعاملون معهم على أساس أنهم كتاب؟ ثم ما الذي تغير في حياتهم؟ وهل هم نادمون على تحرير كتابهم الأول؟

ضيفة اليوم هي الكاتبة والروائية اللبنانية ناتالي الخوري غريب، اسم أدبي برز في السنوات القليلة الماضية، وأضحى له أهمية داخل الأدب اللبناني الجديد، فهي توازي في كتاباتها بين الرواية والنقد الأكاديمي ويغلب عليها دوما النفس الصوفي، الذي تجعله منطلقا جماليا لكافة أعمالها الروائية.

وحتى وهي تكتب النقد تفتح لنفسها نافذة تطل على الخيال وجموح اللغة النقدية وتغيير سياقاتها ومضامينها، إنها تستكنه اللغة لا لترصد فقط التجارب الأدبية وسياقات التاريخية؛ بل لتقيم صرحا نقديا مغايرا وهي تتوسل بمخزونها الأدبي لقراءة تحولات النص الشعري العربي.

صدر لها على سبيل المثال لا الحصر "أزاهير العبث"، "المقامات الصوفية في شعر ربيعة أبي فاضل"، "القلق الوجودي في شعر ميشال الحايك"، "العابرون"، "الطريق الرابع"، "حين تعشق العقول"، وهذه شهادتها عن نوستالجيا الكتاب الأول:

أن تكون تحت الضوء

حين نشرتُ الكتاب الأول "القلق الوجودي في شعر ميشال الحايك" عام 2013 كان قد مضى على كتابته 12 سنة تقريبا، لكن اسمي ارتبط به وما زال إلى اليوم، لأن الشاعر كان لاهوتيا عالما جريئا وبليغا (له كتب عديدة في الأدب والشعر وحوار الأديان منها "المارونية: ثورة وحرية" و"المسيح في الإسلام")، وأكثر ما أذكره هو يوم الندوة الاحتفالية حوله التي أقامتها دار النشر (دار سائر المشرق)، تلتها ندوات أخرى حوله في العام نفسه، شارك فيها أدباء ونقاد ومفكرون كبار.

كتاب "المقامات الصوفية في شعر ربيعة أبي فاضل" يدرس البعد الصوفي في شعر لاهوتي مسيحي حديث (الجزيرة)

أذكر أني كنت أجلس في الندوة وأكاد أخفي وجهي خجلا وأصغي إلى هؤلاء يتحدثون عن الكتاب وأقول في سري هل يتحدثون عن كتابي؟! منهم من يشيد كثيرا بالكتاب، ومنهم من يشيد بالشاعر من دون ذكر الكتاب (وهنا كنت أرتاح)، وبعد انتهاء كل ندوة حول كتابي الأول كان يتنازعني شعوران؛ الرعب طبعا لأنها المرة الاولى التي أكون فيها تحت الضوء وهذا شعور لا يريح، كذلك الخوف من مسؤولية إنجاح هذه الندوة بعد ثقة الناشر الكبيرة بي ودعمه، هذا لا يعني أني لم أكن فرحة، لكن طبيعتي العبثية في تلقي الأمور تجعلني أشعر أن هذا المكان -كلاعب في مسرحية- ليس لي، وأنا التي اعتدت على الجلوس في المقاعد الخلفية في الندوات، أصغي وأصفق.

دراسة أكاديمية حول الحايك

الاهتداء إلى كتابة الكتاب الأول هو القسم الأول من دراستي التي تقدمت بها لنيل شهادة الماجستير باللغة العربية، كنت حينذاك أبحث عن الحكمة في الأدب أو النزعة الصوفية عند أديب معاصر، وطلبت من أستاذي المشرف أن يسمح لي باستعارة الدواوين التي لها بعد روحي أو صوفي لشعراء معاصرين، فكان أن أعطاني بين الكتب دواوين للأب الحايك (1928-2005) بعنوان "كهف الذكريات" و"قصائد إلى الغربة والموت" و"أرض الميعاد".

وبعد أقل من يومين كنت قد قرأتها ورأيت فيها شعرا معاصرا بفضاء روحي شفيف يثري النفس بجماليته وإيقاعه ويخضها بأسئلته الوجودية العميقة، فكتبت مخططا مفصلا للدراسة الأكاديمية عن رؤية الشاعر الكونية إلى العالم، وموقفه من الحياة والغربة والمصير والعدم والخطيئة الأصلية وعدن المنفى والتخلي عن التوق ورحلة الفراغ والضجر وصورة الموت وصولا إلى القلق والحسرة ورؤيته لما بعد الموت.

وبما أن موضوعات شعره تتطلب خلفية فلسفية لفهم المصطلحات والتيارات الفكرية؛ انتقلت -توازيا مع ذلك- إلى دراسة الفلسفة وعدت طالبة مجددا في السنة الأولى من اختصاص الفلسفة، إذ عرفت حينذاك أن دراسة الشعر الروحي والفكري لا يمكن أقوم به من زاوية اختصاصي الأول فقط، أي اللغة العربية وآدابها. لقد تعلمت من هذا الكتاب العودة إلى الصفر، إلى تجدد البدايات في الانتقال لتخصص جديد، فالأبحاث العلمية تحتاج تواضعا علميا ومعرفة متجددة لا تتوقف.

النشر والحياة الجديدة للكتاب

الكتاب لا يحب أن ينام طويلا في الحاسوب، لأنه كتب في مرحلة معينة وفاقا لاكتشافات معينة، فمن الأفضل أن يبصر النور بعد إنجازه. وجدانيا، حين ينشر الكتاب يشعر الكاتب بأنه تحرر منه، وبأنه قادر على التفكير بجديد؛ فالنشر يحيي الكتاب ويعطيه هوية وكيانا واسما، ويجعله يصل إلى عينين تفكان شيفراته وسطوره ومعناه. والقارئ يجعل من المخطوطة كتابا حيا؛ فالكتاب يموت بموت قارئه وليس بموت مؤلفه.

في روايتها "الطريق الرابع" تستعين خوري بالفلسفة وعلم النفس لترسم ملامح ومصائر شخصيات معاصرة (الجزيرة)

قصتي مع النشر في انطلاقتها هينة جدا، حيث اتصلت بالإعلامي اللبناني أنطوان سعد صاحب دار سائر المشرق، وبعد أن قدمت إليه مخطوطات كتبي البحثية واطلع عليها وافق على نشرها جميعا تباعا، (كانت ثلاث مخطوطات)، مع الاهتمام بالندوات وتوقيع الكتب في معارض الكتب، حتى وصلت كتبي المنشورة في دار سائر المشرق إلى 7 كتب، بين أبحاث نقدية وروايات ومقالات أدبية.

وكان أنطوان سعد من أبرز الذين شجعوني على المضي في الكتابة، من خلال ثقته الكاملة بكتاباتي الأدبية والنقدية، وتاليا نشرها. هذا لا يمنع أني نشرت في دور أخرى، كدار الإبداع التي نشرت فيها مجموعة قصصية، ودار نينوى التي ترجمت فيها كتاب تصوف، ونشرت روايتي الأخيرة "الطريق الرابع"، ودار نور.

احتفاء نقدي محصور بالأصدقاء

أن ترى اسمك في الصفحات الثقافية بوصفك كاتب مقال؛ يختلف عن قراءة اسمك مقرونا بكتابك ضمن موضوع مقال، وذلك بعد أن كنت تقارب كتب الآخرين ومن ثم تتبادل الأدوار معهم. وككتاب بحثي هو الأول لي فقد كان الاحتفاء النقدي محصورا بالأصدقاء ومحبي الشاعر موضوع البحث.

وفي الإجابة المباشرة عن سؤالك ما الذي تغير بعد النشر، ربما إدراكي أني "ما عم شيل الزير من البير"، وطبيعة أفكاري لا تسمح لي -سواء في حالة النجاح الكبير للعمل أو الفشل الكبير- بإعطاء الأمور حيزا كبيرا أتوقف عنده؛ فعند صدور أي كتاب جديد أبدأ بالبحث عن فكرة جديدة أو موضوع بحث جديدة أو رواية جديدة، وذلك بحسب الهواجس والقراءات والالتزامات التعليمية في تلك المرحلة.

ففي الكتب الأدبية (روايات وقصص) أكتب وجداني وأفكاري، وفي الكتب البحثية النقدية أكتب قناعاتي ورؤيتي إلى النصوص. كذلك، منذ الكتاب الأول إلى اليوم، تجعلني طبيعة العمل البحثي في ميدان العلوم الإنسانية منفتحة على كل الآراء في أعمالي، سلبية كانت أم إيجابية، لأن الأذواق والقراءات تختلف باختلاف القارئ، لذلك أفرح بالمقالات عن أعمالي، ما جاء منها موافقا أو مخالفا.

 المرجع في شعر الحايك

مع صدور الكتاب الأول ولأنه الدراسة النقدية الأولى في شعر الأب الحايك -باعتبار أن جميع الدراسات التي تناولته بالعربية والفرنسية تناولته مفكرا ولاهوتيا وفيلسوفا وهي دراسات في أعماله اللاهوتية والفكرية- صار كتابي مرجعا عاما حول شعره، وكثرت الدعوات التي توجه إلي للمشاركة في ندوات تتناول شعره، لذلك ذكرت في بداية الحوار أن هذا الكتاب جعل اسمي مرتبطا بشعر الحايك كبصمة نقدية لأنها الأولى عن شعره.

مقالات كتاب "أزاهير العبث" تتناول قضايا الوجود وأعماق الذات الإنسانية في إطار فلسفي (الجزيرة)

لا أعتقد أنه يمكن الحديث عن ندم فيما يتعلق بالكتابة والنشر. على العكس، أجد أن الكاتب -في البحث والنقد والرواية والقصة والمقالة والترجمة وغيرها- يمر في محطات ومراحل، تتطور بتراكمات معرفية ونضج للحس النقدي. وبخاصة في عملي أستاذة جامعية تعد القراءة المتواصلة والعمل البحثي المتواصل أدواتنا المعرفية التي نعمل بها، لأن الحياة والأدب والنقد في تجدد دائم.

ولا يمكن المكوث في محطة واحدة؛ لذلك أفرح كثيرا حين أقارن أي بحث أقوم به اليوم مع أبحاثي الأولى التي بدأتها منذ 20 سنة تقريبا، وأفرح بالتحولات والمقاربات التي تتغير وتتطور باستمرار، وإلا ستكون أعمالنا نسخة عن بعضها. الندم في الكتابة هو موت للأفكار الجديدة، موت للتجديد، موت للانطلاق.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الشاعرة والقاصة التونسيّة وداد رضا الحبيب تروي، للجزيرة نت، تجربتها مع الكتابة الأدبية والشعرية، ووهم الفشل، والأدب الفرنسي، والشعر الصوفي، واكتشاف الموهبة، في محاولة لسبر بعض أسرار الكتابة.

18/12/2020
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة