حرب الآثار والتحف.. لغز رخصة من العثمانيين يفتح مواجهة بين اليونان وبريطانيا

قطع "رخام البارثينون" أو "رخام إلغن" كانت عنوان أزمة متصاعدة بين اليونان وبريطانيا (الجزيرة)
قطع "رخام البارثينون" أو "رخام إلغن" كانت عنوان أزمة متصاعدة بين اليونان وبريطانيا (الجزيرة)

لا تكاد تهدأ معركة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي حتى تندلع أخرى، ذلك أن مرحلة ما بعد البريكست، أشعلت الكثير من الملفات التي كان مسكوتا عنها، أو يتم تدبيرها بطرق دبلوماسية داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، وآخر ملف طالته الخلفات البريطانية الأوروبية المتفاقمة هو الآثار اليونانية الموجودة في المتحف البريطاني.

ولسنوات ظلت قطع "رخام البارثينون" أو "رخام إلغن"، موضوع خلاف بين اليونان والمملكة المتحدة، كل طرف يقدم رواية مناقضة للآخر؛ فبينما تصر لندن على أن حصولها على هذه القطع تم بطرق قانونية خلال القرن الـ19، تقول أثينا إن ما حدث هو "سرقة" لهذه الآثار المهمة في التاريخ اليوناني.

وتضم المجموعة تماثيل رخامية تصور أشكالا أسطورية ودينية، وما زاد من حدة الخلاف هذه المرة هو النبرة التي باتت تتحدث بها الحكومة اليونانية، مظهرة إصرارا غير مسبوق في استعادة هذه القطع، مدفوعة بالدعم الأوروبي هذه المرة، وبحملة عالمية يقودها بعض المشاهير من الفنانين، للمطالبة بعودة "رخام إلغن" إلى اليونان.

ما القصة؟

رخام البارثينون حسب التسمية اليونانية أو رخاميات إلغن، حسب التعريف البريطاني، وهي مجموعة من المنحوتات الرخامية اليونانية التي تم صنعها من طرف المعماري والنحات فيدياس الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وكانت هذه المنحوتات جزءا من معبد البارثينون في الأكروبوليس في أثينا.

تعرض قطع "رخام البارثينون" أو "رخام إلغن" حاليا في المتحف البريطاني حيث يشاهدها الزوار من كل أنحاء العالم (الجزيرة)

نقطة الخلاف بين اليونانيين والبريطانيين، هي حول طريقة انتقال هذه القطع الرخامية من اليونان إلى المملكة المتحدة، وذلك في بداية القرن الـ19، عن طريق اللورد إلغن، وهو بطل كل هذا الصراع، وهو دبلوماسي وسفير بريطانيا لدى الإمبراطورية العثمانية سنة 1799 عندما كانت اليونان تحت سلطة العثمانيين، وحسب الرواية البريطانية فإن إلغن حصل على تصريح "فرمان" من الدولة العثمانية يتيح له التنقيب عن الآثار.

في المقابل، تؤكد اليونان أن ما قام به اللورد البريطاني هو مجرد تحايل وادعاء بأن لديه موافقة من السلطات العثمانية، وأنه بعد مروره بأزمة مالية اضطر لتسليم هذه التماثيل إلى الحكومة البريطانية، مقابل تسديد الديون التي عليه، وبعد ذلك نقلت الحكومة هذه الآثار للمتحف البريطاني للعرض بعد إصدار قانون من البرلمان البريطاني وهو القانون "1816" المعروف بقانون "مجموعة إلغن الأثرية".

وتطالب اليونان بريطانيا بإظهار الوثيقة التي بموجبها حصل إلغن على الحق في التنقيب عن الآثار في اليونان، وهي الوثيقة التي لم تظهر حتى الآن، وتستند أثينا على القانون الدولي الذي يقول إن حق ملكية التماثيل يبقى لأكثر من 2500 سنة، أي يجب أن يعود لليونانيين.

قطع من مجموعة "رخام البارثينون" أو "رخام إلغن" معروضة في بريطانيا (الجزيرة)

حسم بريطاني

في تصريح خاص للجزيرة نت، حاول المتحف البريطاني مقاربة الخلاف مع اليونان بطريقة دبلوماسية، لكنها تظهر تشبث المتحف بهذه القطع الأثرية، ويؤكد المتحف أن هذه المجموعة "تعد مصدرًا فريدًا لاستكشاف ثراء وتنوع وتعقيد كل تاريخ البشرية وإنسانيتنا المشتركة. تكمن قوة المجموعة في اتساعها وعمقها مما يسمح لملايين الزوار بفهم ثقافات العالم وكيفية ترابطهم، سواء من خلال التجارة أو الهجرة أو الغزو أو الصراع أو التبادل السلمي".

ويعتبر المتحف أن منحوتات البارثينون "جزء لا يتجزأ وعنصر حيوي من المجموعة العالمية المترابطة" التي يمتلكها المتحف، الذي يؤكد حرصه على "مشاركة هذه المجموعة مع أكبر عدد ممكن من الجمهور، ونحاول جعلها متوفرة للجميع عبر العالم".

ويشدد المتحف على التزامه "بكل إخلاص بالتعاون القائم على الاحترام في جميع أنحاء العالم، لمشاركة المجموعة وإعارتها، والعمل في شراكة لصالح أكبر عدد ممكن من الجمهور في السنوات الأخيرة" وكأنها رسالة لليونانيين بأن المتحف لا يحتكر هذه التحف ويفتح الباب أمام إعارتها لكن مع إبقاء ملكيتها لبريطانيا، ويذكر المتحف أنه سبق وأعار تحفا لكل من متحف الأكروبوليس والمتحف الأثري الوطني ومتحف الفن السيكلاد في أثينا.

دبلوماسية المتحف البريطاني تختلف عن النبرة الصارمة التي تحدث بها رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، مع جريدة "تا نيا" اليونانية، حيث أكد أنه متفهم لمشاعر الشعب اليوناني، وكذلك لموقف رئيس الوزراء اليوناني "بريطانيا لديها موقف طويل وصارم حول هذه الرخاميات التي حصلنا عليها بطرق قانونية وتم تسليم هذه المنحوتات للمتحف البريطاني حسب القوانين الجاري بها العمل"، مما يعني أن رئيس الوزراء البريطاني يغلق الباب تماما في هذا الموضوع.

قطع من مجموعة "رخام البارثينون" أو "رخام إلغن" في المتحف البريطاني (الجزيرة)

غضب يوناني

لكن الطرق القانونية التي تحدث عنها رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، هي في عرف وزيرة الثقافة اليونانية لينا مندوني "سرقة"، متهمة اللورد إلغن بأنه "سارق متسلسل قام باستعمال تقنيات غير قانونية للحصول على هذه الآثار".

وبلغة متحدية تقول وزيرة الثقافة اليونانية إنها مستعدة لتقديم كل الوثائق والأدلة على أن هذه التحف هي في ملكية اليونان، وأن طرق نقلها لم تكن سليمة.

ويفرض سياق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نفسه وبقوة، ذلك أن هذا الملف مفتوح منذ حوالي 20 عاما لكنه لم يصل أبدا لهذه الحدة، والجديد هذه المرة هو دخول الاتحاد الأوروبي، لصالح اليونان، حيث أكد نائب رئيسة المفوضية الأوروبية في تغريدة له على تويتر "أن هذه الرخاميات يجب أن تعود لمكانها الأصلي"، مضيفا أن "الإرث الحضاري يجب أن يكون عامل توحيد وليس تفرقة".

وانضم الممثل العالمي المشهور جورج كلوني لحملة المطالبة بعودة الرخاميات إلى اليونان، حيث أكد أن مكانها الطبيعي هو أثينا.

ويلوح الاتحاد الأوروبي، بشكل غير رسمي، بتقييد التعاون الثقافي مع بريطانيا في حال تشددت الأخيرة في هذا الملف، لكن التوقعات في لندن تشير إلى أن حكومة جونسون لن تتنازل أبدا لصالح اليونان أو الاتحاد الأوروبي، فأي تراجع في الموقف سوف يجر على جونسون غضب المحافظين في حزبه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يقيم المتحف البريطاني الذي تأسس في عصر الأنوار قبل 250 عاما احتفالا بذكرى إنشائه محاولا استعادة رسالته العالمية. ويضم المتحف حوالي سبعة ملايين تحفة بينها مائة ألف معروضة بشكل دائم في صالات المتحف.

18/2/2003

تسعى اليونان إلى استعادة تماثيل مرمرية أثرية في المتحف البريطاني جلبت إليه مطلع القرن التاسع عشر الميلادي من هيكل الآلهة أثنيا في مدينة أثينا على يد الدبلوماسي البريطاني لورد الجين المحب للفنون، غير أن بريطانيا تقول إن التماثيل لن تعود أبدا إلى اليونان.

24/2/2003

يتدفق الزوار على قاعة القراءة بالمتحف البريطاني في لندن لحضور معرض “الحج.. رحلة إلى قلب الإسلام” الذي افتتح مؤخرا ويستمر لغاية 15 أبريل/نيسان المقبل، ليشكل علامة إيجابية جديدة على طريق الحوار والتفاعل بين الثقافات.

28/1/2012
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة