النوبيون في أوغندا.. هجرة عبر التاريخ وتقاليد وثقافة عريقة

معرض ثقافي نوبي في منطقة بومبو شمال العاصمة كمبالا (الجزيرة)
معرض ثقافي نوبي في منطقة بومبو شمال العاصمة كمبالا (الجزيرة)

شغلت هجرة النوبيين من موطنهم الأصلي في جنوبي مصر وشمالي السودان المؤرخين والباحثين على مر العصور، وغزا النوبيون من خلال تلك الهجرات العديد من البلدان، تاركين ثقافتهم وموروثاتهم كتاريخ غير قابل للزوال.

وشهدت أوغندا خلال القرن 19 الميلادي صراعات سياسية ودينية، وحاول الاستعمار إيجاد الحل لتلك الصراعات والنزاعات عن طريق الاتصالات الدبلوماسية والصداقة، باستعمال الجنود السودانيين (النوبيين لاحقا) للدفع بهم في الجندية والقتال.

ويشير الباحث الأوغندي في تاريخ النوبيين حسن عبد المجيد متوقوبيا للجزيرة نت إلى دخول النوبيين إلى أوغندا في الفترة بين 1830 و1869، ويقدر عددهم بـ25 ألف نوبي، انخرط منهم 8200 في الجيش الأوغندي.

ويرجع متوقوبيا سبب هجرتهم لأوغندا إلى الضرائب الباهظة التي فرضها عليهم المستعمر في السودان في تلك الحقبة من تاريخ هذا البلد.

ويرصد الباحث في التاريخ السوداني عباس الحاج الهجرات النوبية بمسمياتها المختلفة، ويوضح للجزيرة نت أن هجرات النوبيين حدثت في عهد دولة كوش.

واعتبر الحاج هجرة النوبيين جنوبًا نحو جنوب السودان وأوغندا نقطة انطلاق النوبيين إلى بقية البلدان الأفريقية والأوروبية.

وتابع "أرض النوبة من أقدم الحضارات في العالم، وأصل البشرية بدأ من السودان، مشيرا إلى أن الكثير من العادات والتقاليد في جنوب السودان وأوغندا تشابه عادات أهل السودان.

موطن النوبيين

تعد منطقة بومبو الواقعة على بعد 32 كيلومترا شمال العاصمة الأوغندية كمبالا معقلًا للنوبيين ومستوطنهم الأول.

كما استقر الضباط النوبيين عند تقاعدهم في منطقة بومبو، وأسسوا مركزا للتعليم الإسلامي ومسجدا كبيرا، أسهما في مداومة النوبيين على شعائرهم الدينية.

معرض نوبي في منطقة بومبو شمال العاصمة الأوغندية كمبالا (الجزيرة)

مع مرور الوقت، تحولت المنطقة إلى ثكنة عسكرية للجيش الأوغندي، وزاد عدد سكانها بصورة كبيرة، وقُدر عدد السكان في أغسطس/آب بأكثر من 26 ألف نسمة.

وتحاول النساء النوبيات في منطقة بومبو الاحتفاظ بثقافتهن وعاداتهن النوبية، وذلك من خلال أعمالهن الحرفية التي تعكس التراث النوبي القديم، ويقمن بهذه الأعمال في أوقات فراغهن، بجانب صناعة المجوهرات لتزين أجسادهن بنقوش ورسوم تجسد الفن النوبي القديم.

حياتهم الاقتصادية والاجتماعية

مارس النوبيون في أوغندا زراعة المحاصيل بأنواعها، وانخرط معظمهم في العمل بالجيش الأوغندي، وعمل آخرون في مجال التجارة، ولم تكن حياتهم الاقتصادية بعيدة عن نمط الحياة في أوغندا، لكنهم برعوا في التفرد بثقافتهم وموروثاتهم النوبية القديمة في محاولة لإبراز معالمها الإسلامية العربية.

ويتابع الباحث الأوغندي في تاريخ النوبيين متوقوبيا أن النوبيين أثروا الحياة في أوغندا بثقافتهم الإسلامية السودانية من حيث الملبس والعادات والتقاليد، وخلّدوا بعض الأسماء العربية كأسماء للقرى والأماكن، وانتشرت ثقافتهم في المجتمع الأوغندي، ووصف شعب النوبة بالكريم والشجاع.

وأشار متوقوبيا إلى إسهامات النوبيين في نشر الإسلام واللغة العربية والثقافة الإسلامية في معظم مناطق أوغندا.

اضطهاد

ويتتبع حسن عبد المجيد أوضاع النوبيين بعد سقوط الرئيس الأوغندي الأسبق عيدي أمين عام 1979 المحسوب على الجماعات الإسلامية والنوبية في أوغندا، ويكشف للجزيرة نت تعرض النوبيين في مناطق عديدة للتهميش والهجمات الشرسة والاضطهاد الكبير بين الضرب والتعذيب؛ منا أدى إلى فرارهم لدول الجوار، ويوضح أن الاضطهاد والتعذيب شمل كافة المسلمين، بما فيهم النوبيون الذين كان يدعمهم أمين.

وعلى الصعيد ذاته، يستعيد حبيب سبت -أحد سكان منطقة بومبو- ذكريات سقوط حكومة أمين، ويقول للجزيرة نت "لحظة سقوط أمين انفجرت قنبلة في المنطقة أدت إلى تدمير هائل وخلفت قتلى وجرحى"، وفررنا إلى كينيا وجنوب السودان، وعدنا لاحقًا في عهد حكومة يوري موسيفيني.

الجنود النوبيون مع السير فريدريك لوجارد أثناء الحكم الاستعماري في أوغندا (مواقع التواصل)

ويلفت الانتباه إلى أن منطقة بومبو تبلغ نسبة المسلمين فيها 99%، وكانت تؤيد عيدي أمين وتناصره منذ أن كان ضابطًا في الجيش الأوغندي.

ثقافة نوبية

تؤكد زينة خليل -صاحبة معرض تراثي نوبي في مدينة بومبو- أن العادات والتقاليد النوبية لا تزال موجودة وحاضرة حتى اليوم، وتقول إنه رغم ظروف الهجرة القاسية ما زلنا نحافظ على ثقافتنا وتراثنا النوبي، خاصة في طقوس الزواج النوبي.

وتشرح زينة للجزيرة نت أن الزواج النوبي في أوغندا يستغرق أسبوعًا كاملًا يتخلله رقص وبعض الأعراف الثقافية النوبية المختلفة وتقديم الهدايا للعرائس في سلال ثقافية تعرف باسم "إبيبو"، وأضافت أنه "بعد مراسم الزواج نقوم بعقد النكاح".

وهاجر العديد من النوبيين إلى أوغندا منذ أكثر من قرن، نتيجة لاندماج مختلف القبائل القادمة من السودان قبل انفصال الجنوب عنه، وتعتبر المجموعات العرقية النوبية الموجودة في أوغندا جزءًا من الوجود الإثني والتاريخي الطويل لكل من الدولتين الحديثتين مصر والسودان.

وأصبحوا فيما بعد مكونًا من مكونات المجتمع الأوغندي الأصلي، واعتُرف -دستوريًّا- بلغتها الكينوبي، بوصفها إحدى اللغات الأوغندية المحلية.

وكانت بلاد النوبة مقرًا لواحدة من أقدم الحضارات في أفريقيا القديمة، وموطنا للعديد من الإمبراطوريات، ومنها مملكة كوش التي غزت مصر سنة 727 قبل الميلاد في عهد الملك بعنخي، وحكمت مصر بوصفها الأسرة 25 حتى نحو 656 قبل الميلاد.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قدم الفنان المصري فريد فاضل أكثر من 120 لوحة تشكيلية في معرض “البحث عن النوبة”، الذي افتتح مساء أمس الأحد بمركز محمود مختار الثقافي بالقاهرة، ويمتد حتى العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

25/10/2010
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة