تحول الاهتمام إلى الرواية داخل المختبرات العلمية.. أدباء عرب يروون تجاربهم

يقول الشاعر العماني عوض اللويهي إن الرواية قد شقت طريقها بقوة لأسباب مختلفة، منها ظهور الجوائز العالمية، وترسيخها كمنتج ثقافي يمكن أن يحقق ربحا ماديا كبيرا، كما لعبت الترجمة دورا خطيرا في سرعة الاهتمام بها.

الشاعر العماني عوض اللويهي (يمين) والروائي المغربي مصطفى الحمداوي والشاعرة المغربية ريم نجمي (مواقع التواصل)
الشاعر العماني عوض اللويهي (يمين) والروائي المغربي مصطفى الحمداوي والشاعرة المغربية ريم نجمي (مواقع التواصل)

يرى نقاد ومحللون أن المختبرات العلمية داخل الجامعات لعبت دورا في تغريب الشعر العربي وتهميشه على حساب الرواية ومتخيلها وصناعتها، فقد أدى هذا التحول إلى إفراز نوع من الإفراط في استهلاك الرواية، وتحول الكثير من الشعراء إلى الكتابة الروائية فقط بسبب الحظوة التي باتت تحتلها داخل المؤسسات والمختبرات العلمية بالعالم العربي، بل إن البعض تخلى نهائيا عن كتابة الشعر معتبرا أن زمن الشعر قد ولى وأن الرواية أضحت بمثابة "موضة العصر".

لكن في مقابل ذلك، حرص الكثير من الكتاب العرب على الاستمرار في الشعر وهم يكتبون الرواية، فجاءت أعمالهم مطبوعة بشعرية اللغة والتأمل الذاتي الذي يُفجّر كينونات الكتابة الروائية من الداخل، ويفتح لها آفاقا على مستوى الكتابة والتخييل.

من ثم بدت المختبرات العلمية في السنوات الأخيرة، وكأنها تستعد للدخول في معترك "حداثة" كتابة الرواية، ناسية أو متناسية التراكم النوعي الكبير الذي أفرزه العديد من الشعراء العرب على مدى سنوات من الاشتغال، خاصة أن الشعر لعب دورا كبيرا في تحرير الحياة الثقافية العربية من تقليديتها، وجعلها في قلب معترك الحداثة والتحولات العميقة التي طالتها سياسيا واجتماعيا وثقافيا.

ويذهب نقاد إلى أنه وبسبب أنّ منطلقات نشوء هذا الاهتمام بالرواية ليس صحيحا وغير مؤسس على معرفة أو إدراك مسبق بتحولات الثقافة كلها، فإنّ هذا الاهتمام تزايد وغدت مختبرات تنتج "نقديا" آلاف الصفحات على روايات لا تتجاوز 100 صفحة.

وحسب تلك الآراء، فإن أغلب هذا النقد لا يقف عند حدود تشريح العمل الأدبي من الداخل، بل نكاد نعثر على كم هائل من الإسقاطات النظرية الغربية على تجارب روائية واعدة لم تختمر بعد.

وعن الأسباب التي أدت إلى تغريب الشعر وتحول الاهتمام إلى الرواية داخل المختبرات العلمية، كان للجزيرة نت هذه الوقفة الخاصة مع كتاب وشعراء:

تحولات العمل الأدبي

مصطفى لغتيري/ روائي مغربي

يقول الروائي المغربي مصطفى لغتيري إنه "لا يخفى على أحد أن الشعر حظي بمكانة مرموقة في الثقافة العربية، حتى عده النقاد ديوان العرب، لأنه يتضمن تفاصيل حياتهم خاصة في عصر ما قبل الإسلام. وقد استمرت هذه المكانة عبر العصور الأدبية العربية، لكن انفتاح الثقافة العربية على التجربة الإبداعية الغربية عبر المثاقفة، زعزع عددا من المسلّمات، وبدا الشعر للمثقف العربي عاجزا عن التعبير عن مستجدات الحياة الاجتماعية، فاقتبس العرب الرواية والقصة القصيرة والمسرحية وغيرها من الفنون الحديثة".

ويستطرد الروائي المغربي بقوله "مع ذلك ظل الشعر طاغيا خاصة بعد هبوب رياح الحداثة عليه، وقدرته على التكيف مع الأوضاع الجديدة. غير أن التطور المتلاحق للحياة الاجتماعية والذائقة الأدبية جعل الأدباء ينزاحون شيئا فشيئا في اتجاه الأجناس الأدبية الحديثة، وخاصة الرواية التي يبدو أنها أضحت أكثر حظوة من باقي الأنواع الأدبية الأخرى".

ويضيف لغتيري "لقد ساهمت في انتشار التعليم وظهور ثقافة كتابية تنتصر لما هو مكتوب. عكس الشعر المتميز بطابعه الشفاهي، بالإضافة إلى الطابع الدرامي للقصة والرواية التي تجعل منها نواة لأفلام سينمائية وتلفزية، بما يعني استجابتها لحاجات العصر، كما أن ظهور جوائز تحتفي بالرواية ساهم في نكوص الشعر ومعه الأجناس الأدبية الأخرى، وهجرة كثير من الشعراء نحو فن الرواية بحثا عن الحظوة والجوائز وأشياء أخرى".

الشعر لم يتراجع في المشهد الثقافي

ريم نجمي/ شاعرة مغربية

أما الشاعرة المغربية ريم نجمي، فتقول إنها لا تعتقد أن الشعر تراجع في المشهد الثقافي الغربي، "فالشعر كان دائما فنا نخبويا، طبعا مع وجود استثناءات لشعراء حققوا شعبية وشكلوا ظواهر أدبية. في المكتبات الألمانية على سبيل المثال، لا يزال الشعر حاضرا، له جناحه الخاص، بدواوين شعرية جميلة يشتهي المرء شراءها، لا فقط بسبب النصوص ومضمونها، وإنما أيضا لأن طباعة الدواوين -خاصة دواوين الشعراء المعروفين- تحظى بعناية خاصة من دور النشر".

وتضيف "فإذا كان الشعر تراجع لم ينشر الناشرون الدواوين الشعرية ولمن؟ في برلين حيث بيت الشعر الألماني، قبل زمن كورونا، كانت تنظم أمسيات شعرية مقابل تذاكر، وتكون القاعة ممتلئة بالحاضرين المهتمين بسماع القصائد. كما تنظم أمسيات لمناقشة القصائد الشعرية بين مجموعة من الشعراء البرلينيين فيما يشبه ناديا للشعر".

وتتابع بالقول "ينظم هذا النادي ورشات تمتد ساعات بهدف الاطلاع على التجارب الشعرية المختلفة وكذا التشجيع على الكتابة الشعرية، خاصة في صفوف الشباب. أما الرواية فهي ليست فنا نخبويا وأكثر انتشارا من الشعر، واتجاه بعض الشعراء للكتابة الروائية لا يعني عزوفا عن الشعر. لأن الأمر في الأخير هو محاولة مختلفة للتعبير".

وترى الشاعرة المغربية أن الشعر له مكانته وستظل، مثلما للرواية والقصة مكانتهما، "فلكل جنس أدواته، وقد يختار الكاتب القالب الفني الذي يتسع لأفكاره ومشروعه الإبداعي. أحيانا قد لا تسعك القصيدة في التعبير عن موضوع ما، وقد تفسد بعض المواضيع القصائد وتجعلها خطابية، في حين قد تعطي الرواية مساحة لمواضيع معيّنة، وقد تُكتب الرواية بنفَس شعري أيضا".

وتضيف "كما أني أؤمن أن على الشاعر قراءة الروايات إلى جانب الشعر ليكتب قصيدة جيدة، مثل ما على الروائي قراءة القصائد ليكتب نصا روائيا جميلا. هناك صداقة ما بين الأجناس الأدبية تختلف باختلاف النصوص. هناك نصوص شعرية قد تقترب من القصة، ودواوين بثيمة موحدة وكأنك تقرأ رواية شاعرية ، بينما نقرأ روايات وكأننا نقرأ قصائد طويلة، أستحضر على سبيل المثال رواية النورس جوناثان ليفنغستون للكاتب ريتشارد باخ التي كتبت بنفس شعري وتأملي جميل".

الرواية شقت طريقها بقوة

عوض اللويهي/ شاعر عُماني

من جهته، يرى الشاعر العماني عوض اللويهي أن "من الضرورة بمكان أن تكون هناك إعادة موضعة للسؤال، فهل نحن أمام تراجع للشعر أم للاهتمام به؟ فالشعر كجنس أدبي راسخ البنيان في ثقافتنا العربية، وقد وجد نفسه أمام منافسة متنامية من أجناس أدبية مختلفة، ونجد أن جنسي القصة القصيرة والرواية، قد اشتد عودهما وترسخت مكانتهما بمرور الأيام، وإن كانت القصة القصيرة، قد فقدت ذلك الزخم الآن".

ويستدرك بقوله "إلا أن الرواية قد شقت طريقها بقوة لأسباب مختلفة، منها ظهور الجوائز العالمية التي وضعت للرواية الدور الذي لعبته دور النشر العالمية في ترسيخها كمنتج ثقافي يمكن أن يحقق ربحا ماديا كبيرا، كما لعبت الترجمة دورا خطيرا في سرعة انتشار الاهتمام بالرواية، وبطبيعة الحال لعب النقد والصحافة والسينما أدوارا لا تقل أهمية في إحلال الرواية المكانة التي حازتها عالميا".

ويضيف اللويهي "لم تكن الثقافة العربية على كل حال بعيدة تماما عن كل تلك التطورات والقفزات التي حدثت في حقل الكتابة الروائية، ولربما من الأسباب التي فتحت المجال واسعا أمام انتشار الرواية كجنس أدبي وجود الصحافة وقيام دور النشر العربية الرسمية في البداية بدعم وتمكين الأعمال الروائية من النشر، ولاحقا قامت دور النشر الخاصة بدعم ترجمة الروايات العالمية، في حين أن الشعر العربي كان مسكونا بالهاجس القومي والتحرري بجانب أنماط القول الشعرية الأخرى".

إلا أن الجانب الرسمي في الشعر كان طاغيا ولعقود طويلة، بحسب الشاعر اللويهي، فقد لقي هذا النوع من الشعر العربي حضورا كبيرا لا يمكن نكرانه، "لكن المرحلة التي أتت بعد ذلك قد أسهمت في سلبه مكانته، بسبب عدم الحاجة الى الوظيفة المنبرية والخطابية للشعر، بحيث تم فتح المجال أمام الرواية".

ويتساءل الشاعر العماني "هل يمكن للمرء أن يتعلم كتابة الشعر؟"، ويقترح إجابة بقوله "قد يبدو هذا السؤال ربما غير مستساغ لدى البعض، فالشعر يختلف من حيث الشروط الموضوعية للكتابة وما تحتاجه الكتابة الشعرية من أدوات ومزاج وغير ذلك، يجعلها مختلفة عن تعلم كيفية كتابة المقال أو القصة القصيرة أو الرواية، لقابلية تعليم وتدريس كتابة تلك الفنون بخلاف الشعر".

ويختم بالقول "إننا نجد تراجع الدور المحوري الذي كانت تلعبه المهرجانات الشعرية والملتقيات والأيام الشعرية التي تراجع دورها التثاقفي والتعليمي في مقابل أمور أخرى لا داعي لذكرها، كذلك دور النشر العربية التي انتشرت بشكل كبير لا تضع الشعر ضمن أولويات النشر، وهذا بعكس حال الرواية والكتب الأخرى ذات المردود المادي الكبير".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يتحدث الشاعر المغربي مراد القادري للجزيرة نت عن تجربته الشعرية والأدبية والنقدية، ويتناول الحوار تجربة بيت الشعر في المغرب والمؤسسات الثقافية العربية، وعنايته الخاصة بالقصيدة الزجلية.

14/4/2021
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة