المفكر الأميركي آصف بيات للجزيرة نت: ثورات الربيع غيّرت الصورة الغربية للمجتمعات العربية

آصف بيات باحث وأكاديمي ومؤلف إيراني-أميركي درس الثورة الإيرانية والحركات الإسلامية وحراكات الفضاء الحضري والسياسة في زمن الربيع العربي (الجزيرة)
آصف بيات باحث وأكاديمي ومؤلف إيراني-أميركي درس الثورة الإيرانية والحركات الإسلامية وحراكات الفضاء الحضري والسياسة في زمن الربيع العربي (الجزيرة)

ما يزال الربيع العربي وتحولات منطقة الشرق الأوسط في العشرية المنصرمة موضوعا خصبا للدراسات الاجتماعية والسياسية في الغرب، وفي سعيها لاستطلاع آراء باحثين مختصين بتحولات المنطقة حاورت الجزيرة نت المفكر الأميركي آصف بيات، أستاذ علم الاجتماع ودراسات الشرق الأوسط بجامعة إيلينوي في أوربانا شامبين، وصاحب مؤلفات مهمة من بينها "ثورة بلا ثوار: مسعى لفهم الربيع العربي" (Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring) عن جامعة ستانفورد سنة 2017 وكتاب "الحياة السياسية: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط؟" (Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East) عن جامعة ستانفورد سنة 2013 وغيرها من الكتب والدراسات القيمة.

ودار الحوار حول كتابه الأخير الذي قام بتحريره بمشاركة ليندا هيريرا أستاذة الأنثروبولوجيا في بجامعة إيلينوي، والمعنون بـ" الشرق الأوسط العالمي في القرن الحادي والعشرين" (Global Middle East into The Twenty First Century) الصادر هذا العام 2021 عن دار نشر جامعة كاليفورنيا العريقة.

يدور الكتاب حول الترابط العالمي منظورا إليه من زاوية الشرق الأوسط، ويوضح الكتاب كيف نشأت التكوينات الاقتصادية والسياسية والثقافية والفكرية والفنية في المنطقة، ويناقش موضوعات تتقاطع مع الدين، والطعام، والأفلام، والأزياء، وكذلك الموسيقى، والرياضة والعلوم والسلع، والأفكار.

كما يناقش الحركات الاجتماعية والسياسية وتفاعلها، وقد تضمن الكتاب ورقات وظفت التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والفلسفة والدراسات الدينية والأدب ودراسات الأفلام.

كما تضمن هذا العمل الأكاديمي أوراقا مهمة من بينها ورقة الفيلسوف الفرنسي أوليفييه روا بعنوان "أسلمة التطرف"، وكذا حوار مع الفيلسوفة الأميركية التركية سيلة بن حبيب حول الشرق الأوسط متعدد الثقافات.

كما تم إدراج بحث مهم لإدوارد سعيد معنون بـ"تأملات في المنفى" وبحث من كتاب تيموثي ميتشل (Timothy Mitchell) "ديمقراطية الكربون"، وبحث للأنثروبولوجية الأميركية إيلانا فيلدمان بعنوان "الحركة العالمية من أجل فلسطين" وورقة لآصف بيات بعنوان "التحرير العالمي" التي سيحاول الحوار بسط بعض مضامينها.

وإلى نص الحوار…

كتاب "الشرق الأوسط العالمي في القرن الحادي والعشرين" صدر 2021 عن دار نشر جامعة كاليفورنيا (مواقع التواصل)
  • ذكرت في الكتاب أن الشرق الأوسط كان يُنظر إليه دائمًا من منظور "استثنائي"، وهو المنظور الذي يختزل شعوب الشرق الأوسط ويصورها على أنها محاصرة بفعل التاريخ والثقافة والدين، هل جاء الكتاب الذي قمت بتحريره ليُظهر وجود هذه "الاستثنائية" التي يؤمن بها الغرب، أو أنه يقدم شيئًا آخر؟

نعني بـ"الاستثناء" أن وسائل الإعلام الغربية السائدة تنظر إلى الشرق الأوسط على أنه منطقة فريدة، تختلف اختلافا جوهريا عن مناطق العالم الأخرى، من حيث إن مشاكله الحالية مثل الأنظمة الدكتاتورية، والفقر، والتطرف الديني، أو النزاعات العرقية هي نتاج من ثقافتها الفريدة ودينها (الإسلام) وتاريخها، يريد كتابنا أن يوضح أنه بينما تؤثر الثقافة والدين في التطورات الحالية، فإن القوى الدولية والجيوسياسية العالمية (مثل المصلحة الغربية في نفط المنطقة، واعتماد الأنظمة على الحكومات الغربية، واعتماد اقتصادات هذه الدول على نفط الشرق الأوسط، أو البيع المكثف للأسلحة في المنطقة) تلعبان دورًا أكبر في تشكيل سياسة المنطقة واقتصادها.

  • هل يهدف الكتاب إلى الكشف عن هشاشة الصور النمطية المستخدمة في فهم منطقة الشرق الأوسط التي تهمش التطورات الحرجة في الجغرافيا السياسية والأسواق والتكنولوجيا والسياسات الاجتماعية، وهل هذا الفكر هو ما يمكن تسميته بـ"الاستشراق الجديد"؟

لا، ليس هذا فقط، منظور الكتاب أوسع بكثير من مجرد نقد "الاستثنائية" أو الاستشراق الجديد، فالكتاب يريد أن يوضح الترابط العالمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العديد من مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والفنية والبيئية "مثل أزمة المياه"، وكذلك في مجالات الغذاء والموضة والسينما والموسيقى.

في الواقع، فإن تسليط الضوء على هذا الترابط العالمي في كل هذه المجالات من شأنه أن يشكك بشكل مباشر وغير مباشر في مقدمات الاستشراق و"الاستثنائية" المضللة التي غالبًا ما يتم تصوير الشرق الأوسط من خلالها، ولقد حاولنا إظهار هذا بشكل خاص في الفصل التمهيدي.

  • في العقود الماضية عانت دول الشرق الأوسط من الحروب والقمع السياسي وتعاظم عدم المساواة وصعود التطرف، ولكن هل هذه الأمور متجذرة في الثقافة المحلية أو أنها من مخلفات العولمة داخل المنطقة؟

ربما يعزو العديد من الأشخاص غير المطلعين هذه المشكلات إلى الثقافة المحلية ومنظومة التراث، لكن هذه القضايا معقدة أكثر، وفي الواقع، بعض فصول الكتاب، على سبيل المثال، فصل أوليفييه روا يعطي إجابة مختلفة عن هذا السؤال، فهو يقلب الفكرة التقليدية المرتبطة بـ"تطرف الإسلام" ليدعنا نفكر في ما سمّاه بـ"أسلمة التطرف".

  • أشرتم لبحث مهم للفيلسوف الفرنسي أوليفييه روا عن جذور الجهاد، يرى فيه أن معظم الجهاديين تعوزهم المعرفة الإسلامية القوية، فهل هذا يعني أن "الجماعات الجهادية" لا تستمد سرديتها من التراث الإسلامي؟

تعتبر فكرة روا عن "أسلمة التطرف" فكرة مهمة للغاية، إذ يجادل بأنه لا يوجد أي عنصر متأصل في الإسلام (أو أي دين آخر) لجعله "متطرفًا"، بدلاً من ذلك، يمكن لأفراد أو جماعات أو حركات معينة في العالم الإسلامي أن تكون "متطرفة" وتعطي لذلك صبغة دينية وهوياتية، وهو بالضبط التطرف الذي أظهره الإرهابيون المتشددون، حيث كان حاضرا في الماضي وتبنته اتجاهات أيديولوجية مختلفة بما في ذلك الجماعات الراديكالية "العلمانية" خاصة في سبعينيات القرن الماضي، وهو ما تجسده جماعات مثل" الألوية الحمراء" (Brigate Rosse) الإيطالية أو "جماعة الجيش الأحمر" (Baader-Meinhof) الألمانية، ولم يظهر "الجهاديون المتطرفون" سوى في السنوات الأخيرة (بفعل صعود النهضة الدينية في العالم).

يقول روا إن حقيقة عَوَز الجهاديين لـ"المعرفة الدينية" للإسلام وخاصة ما هو مرتبط بمفهوم "الجهاد" يؤكد أن مساعيهم نحو العنف غير مرتبط بالقيم الإسلامية، لذلك وجب البحث عن تلك المصادر وجذورها خارج المنظومة الإسلامية.

  • في إحدى الأوراق البحثية في الكتاب، والتي قدمها عالم الاجتماع عمرو علي والتي اشتغل فيها على اللاعب "محمد صلاح" باعتباره قيمة ترمز لمنطقة الشرق الأوسط؛ هل كان سبب رمزية محمد صلاح لأنه يكثف القيم الأخلاقية بفعل أخلاقه وممارساته "الإحسانية" التي تتجاوز الثقافة والدين والحدود الوطنية أو أن الأمر يكمن في شيء آخر؟

فعلا لقد كتب هذا الفصل المهم والمرتبط بـ"محمد صلاح" عالم الاجتماع المصري عمرو علي، الذي أظهر فيه ببراعة روح هذا النجم الرياضي. وبالنسبة لعلي، لا يحظى محمد صلاح بشعبية لمجرد كونه لاعبا ماهرا في لعبة كرة القدم، ففي النهاية، كان هناك العديد من نجوم كرة القدم المَهرة مثل الجزائري الفرنسي زيدان، لكنهم لم يغدوا مثل محمد صلاح، فالسبب الرئيسي لشعبية محمد صلاح الاستثنائية في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في بريطانيا، تعودُ لقيمه الأخلاقية وإحسانه وتواضعه وهو أمر نادر في المشهد الرياضي الاحترافي.. هذا النوع من القيم الأخلاقية يتجاوز الثقافة والدين والجغرافيا. وبحسب ورقة عمرو علي فإن محمد صلاح يمثل زعامة عالمية للوطن العربي لم يعرف لها مثيلا ربما منذ زمن جمال عبدالناصر.

  • في ورقتك البحثية المدرجة في الكتاب والمعنونة بـ"التحرير العالمي"، اعتبرت أن احتجاجات ميدان التحرير أصبحت نموذجا للاحتجاج المعولم في المجال الغربي، كيف ذلك؟ هل هذا يعني أن الغرب بدوره، يحتاج إلى أدوات للاحتجاج على سياسة العولمة؟

ما أحاول أن أعرضه في هذا الفصل هو كيف أن الذخيرة السياسية التي تطورت في مصر في عام 2011 سرعان ما أصبحت ظاهرة عالمية، فقد كان احتلال ميدان التحرير الموجود في القاهرة لمدة 18 يومًا (حيث نصب آلاف المتظاهرين خيامًا للبقاء ليلًا ونهارًا، وتنظيم الخدمات اللوجستية والأمن والغذاء والمساعدة الطبية والتواصل مع بقية العالم)، شكلاً جديدًا للسياسة المكانية.

لقد كان شكلاً من أشكال الاحتجاج وشكلًا من أشكال الحياة الجماعية الديمقراطية والتنظيم الذاتي في الفضاء العام، وانتقلت هذه الفكرة بعد ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى بلدان مختلفة وأصبحت نموذجًا لحركات الاحتلال، مثل حركة "احتلوا وول ستريت"، التي تطورت بعد فترة وجيزة في مئات المدن حول العالم، سافر نشطاء من الدول الغربية إلى القاهرة للاطلاع على التجربة ومقابلة نظرائهم في مصر، كما سافر بعض النشطاء من مصر إلى الولايات المتحدة وأوروبا لمناقشة الإستراتيجية المشتركة بينهم .

في حالة علاقات القوة غير المتكافئة في العالم يكون تدفق الأفكار عادة من "المركز" (الدول الصناعية) إلى "الأطراف" (الدول النامية)، وهو ما عمل بالضبط نموذج "التحرير" على قلبه.

  • ذكرت في ورقتك البحثية أن الربيع العربي بميدان التحرير غيّر، لفترة وجيزة على الأقل، الصورة الغربية للمجتمعات العربية باعتبارها معقلًا للتعصب الديني والإرهاب، وبدلاً من ذلك قدمها كرمز للانتفاضات السلمية والديمقراطية والمثالية من أجل العدالة والحرية، لماذا لم يدم هذا المنظور الجديد لمجتمعات الشرق الأوسط طويلاً؟

نعم بالفعل، قبل حدوث الثورات العربية، ظل يُنظرُ للشرق الأوسط في وسائل الإعلام الغربية على أنه منطقة تغذي التطرف والأصولية الدينية، لكن الثورات التي كانت في الغالب سلمية في تونس ومصر والتي انتفض فيها الناس للمطالبة بالديمقراطية والحكومات المسؤولة والكرامة والعدالة، هي ما غيّر المواقف في الغرب.

بيد أن هذا لم يستمر طويلاً، مع تدخل الثورة المضادة الإقليمية -مثل ما قامت به السعودية التي حاولت زرع الصراعات الطائفية في أماكن مثل مصر- وكذا صعود داعش وما تحمله من وحشية، وصعود الأحزاب الدينية في الانتخابات، عاد الشرق الأوسط مجددا ليُعبر عن منطقة التطرف والعنف، وذلك على الرغم من أن الكثير من العنف جاء من الأنظمة القائمة التي تحظى برعاية القوى الإقليمية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في كتابه الجديد “ثورات القوة الناعمة في العالم العربي.. نحو تفكيك الدكتاتوريات والأصوليات”، يقدم المفكر اللبناني علي حرب قراءات من زوايا مختلفة في الانتفاضات المتسارعة التي هزت الوطن العربي والتي يراها ستنقل العالم العربي إلى عصر جديد.

ما يزال هاجس الإسلاميين يؤرق فئة من المفكرين والباحثين الغربيين المراقبين للتحولات السياسية في العالم العربي والإسلامي، رغم أنهم لم يكونوا وراء الإطاحة بالأنظمة المستبدة في تونس ومصر وليبيا عبر ثورات شعبية، كما أنهم ليسوا وراء الانتفاضات الجارية في اليمن وسوريا.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة