مدينة سوتشو القديمة ومساجدها المفقودة على مقربة من شنغهاي

كان المبشرون الروس يخشون أن يصبح الإسلام الدين الوطني في الصين، لكن العديد من المساجد في تلك المدينة اختفت معالمها خلال حقبة الثورة الثقافية (1966-1976)

مدينة سوتشو القديمة تشبه بقنواتها المائية فينيسيا الإيطالية وتعد مدينة سياحية مهمة بالصين (شترستوك)
مدينة سوتشو القديمة تشبه بقنواتها المائية فينيسيا الإيطالية وتعد مدينة سياحية مهمة بالصين (شترستوك)

على ضفاف نهر يانغتسي، في محافظة جيانغسو على مقربة من شنغهاي شرق الصين تقع مدينة سوتشو العريقة التي تأسست قبل 5 قرون من الميلاد، قبل أن تصبح مركزا تجاريا مهما بالصين قبل أن تحتل جارتها شنغهاي مكانتها

تحتفي المدينة بقنوات المياه والجسور الحجرية والمعابد والحدائق مما جعلها تكتسب لقب "فينيسيا الشرق" في الصين، لكن متاهة الأزقة والممرات في مدينتها القديمة تخفي سرًا تاريخيا طويلا امتد على مدى قرون طويلة من وجود الثقافة الإسلامية بالمدينة.

وفي مقالها بموقع ذا كونفيرزيشن الأسترالي (The Conversation)، كتبت أليساندرا كابيليتي، الأستاذة المشاركة بقسم الدراسات الدولية بجامعة شيان جياوتونغ ليفربول الصينية مقالا عن سوتشو ومساجدها التي يعود تاريخها إلى القرن الـ13 الميلادي، عندما وصل الجنود المسلمون والتجار والمسؤولون والمترجمون الفوريون مع سلالة يوان المنغولية، التي كانت أول سلالة من غير الهان تحكم الصين بأكملها واستمرت حتى عام 1368 عندما هُزمت قوات يوان من قبل سلالة مينغ (أباطرة من الهان حكموا الصين بين 1368-1644) .

يتضح من السجلات المكتوبة والمراسيم الإمبراطورية المنقوشة على اللوحات الحجرية (نصب الألواح الحجرية القائمة) أن المجتمعات الإسلامية حظيت بتفضيل الأباطرة الذين تعاقبوا على حكم البلاد -خاصة خلال فترات حكم السلالات تانغ (618-907)، ويوان (1271-1368)، ومينغ (1368-1644) وتشينغ (1644-1912)؛ إذ كان ينظر إلى الإسلام بشكل إيجابي من قبل البلاط الإمبراطوري بسبب نظامه الأخلاقي، والذي -من وجهة نظر الأباطرة- عزز علاقات التناغم والتعايش السلمي بين الشعوب المتنوعة في الأراضي الإمبراطورية، بحسب الباحثة.

قبل حقبة ثورات بانثاي (1856-1873) والدونغان (شعب تعود أصوله لقومية الهوي) في النصف الثاني من القرن الـ19 في غرب الصين، عندما عانى ملايين المسلمين من القتل والتهجير، اعتبر الإسلام من قبل المبشرين المسيحيين في البلاد -وخاصة من قبل المبشرين الروس- تهديدا متزايدا.

اعتبر الكثيرون في الغرب أن الإسلام لديه القدرة على أن يصبح الدين الوطني في الصين، الأمر الذي كان سيجعل الصين أكبر دولة إسلامية في العالم، بحسب الأكاديمية الصينية.

علاقة خاصة

اليوم، سوتشو هي مدينة غنية ونابضة بالحياة يبلغ عدد سكانها 12 مليون نسمة، على بعد 20 دقيقة فقط بالقطار السريع من شنغهاي. ما تبقى من "سوتشو الإسلامية" يقع خارج سور المدينة إلى الشمال الغربي. لا يوجد سوى مسجد واحد لا يزال يعمل، وهو مسجد تايبينغ فانغ (Taipingfang)، في منطقة شيلو (Shilu) التجارية والترفيهية.

مسجد تايبينغ فانغ (Taipingfang) في منطقة شيلو بسوتشو (مواقع التواصل الاجتماعي)

تم ترميم المسجد في عام 2018، ويقع في جزء مزدحم من الحي، محصورا في زقاق صغير، وتحيط به المطاعم الصغيرة والفنادق والمحلات والجزارين الذين يقدمون الطعام لمسلمين محليين؛ ويُعتقد أن جزارين تايبينغ فانغ -مثل أولئك الموجودين في منطقة نيوجي في بكين حيث تعيش غالبية الأقلية المسلمة في المدينة- يبيعون أفضل اللحوم.

بحسب مقال الكاتبة، كان في سوتشو، قبل عام 1949، ما لا يقل عن 10 مساجد من مختلف الأحجام والأهمية الاجتماعية. كان العديد منها عبارة عن مبانٍ شاسعة تحتوي على أثاث ثمين وزخارف متطورة، بينما كان البعض الآخر عبارة عن غرف صلاة صغيرة، كان أحدها مسجدا للنساء تؤمهن امرأة.

كان مسجد النساء باولينكين Baolinqian ، واحدًا من مجموعة من 4 مساجد تم بناؤها خلال عهد أسرة تشينغ، وكلها مرتبطة بعائلة يانغ الثرية داخل أسوار المدينة في الجزء الشمالي الغربي من المدينة. تم تشييده في عام 1923، وتم إنشاؤه بمبادرة من 3 نساء متزوجات من عائلة يانغ التي تبرعت بالمبنى وجمعت التمويل من عائلات مسلمة أخرى لتحويله إلى مسجد للنساء.

خلال الثورة الثقافية (1966-1976) تضررت مكتبة المسجد التي تحتوي على كتب مقدسة وتحول المبنى إلى منازل خاصة، ولم يبقَ شيء اليوم لإثبات أنه كان مسجدًا.

تم بناء مسجد آخر لعائلة يانغ باسم تيجونونغ Tiejunong، على مدى 3 سنوات في عهد إمبراطور تشينغ Guagxu، من 1879 إلى 1881. كان أكبر مسجد في سوتشو بمساحة تزيد على 3 آلاف متر مربع، ويضم 7 أفنية.

كانت القاعة الرئيسية لصلاة الجمعة تحتوي على 10 غرف وتتسع لأكثر من 300 شخص. احتوى الفناء على مئذنة وسرادق فيه شاهد إمبراطوري.

أصبح تيجونونغ الآن مدرسة إعدادية (تحول خلال فترة الثورة الثقافية الصينية) لكن يمكن التعرف عليه من العمارة الخارجية والباب الجانبي الخشبي القديم المحفور. وما وراء المدخل الضخم، لا يزال هناك معلم الفناء الرئيسي المحاط بالأشجار. ويوجد حاليا ملعب كرة قدم كبير، ولا تزال الأشجار الموجودة على جوانب الممرات مرئية من جذوعها المقطوعة. وتظهر منطقة الوضوء المغطاة بالبلاط الأزرق بوضوح حقيقة وجود مسجد في الماضي.

تم بناء مسجد تيانكوكيان (Tiankuqian) في عام 1906 ويسكنه الآن سكان المدينة الفقراء، على الأرجح نتيجة لممارسات جرت خلال الثورة الثقافية تضمنت إعادة تخصيص المباني الكبيرة أو الأرستقراطية أو الدينية كمسكن للعائلات المعوزة. وكان المسجد يغطي مساحة تقارب ألفي متر مربع، وبه صالة رئيسية وقاعة للضيوف وغرفة للوضوء.

كان هيكل القاعة الرئيسية يشبه مكانًا كبيرًا للمحاضرات يحتوي -وفقًا لتقرير السجلات التاريخية المحلية- على لوحة أفقية من خشب الجنكة مكتوبة بالخط العربي بواسطة الخطاط يو يو.

ونظرًا لأن العديد من عمال المناجم المسلمين كان لديهم أعمال في المنطقة نفسها، فقد جعلت التبرعات المسجد الأكثر ازدهارًا في الصين بأكملها. وفي عشرينيات القرن الماضي افتتحت هناك مدرسة لتعليم النصوص الإسلامية والكونفوشيوسية.

كان للعديد من المساجد مدارس تابعة تقوم بتعليم اللغة العربية والكتابات الإسلامية لأبناء المجتمعات المسلمة. سوتشو هي واحدة من أوائل المراكز الثقافية حيث تم نشر الكتب الإسلامية باللغة الصينية.

نشطت الترجمات من الفارسية إلى الصينية من قبل علماء سوتشو في القرن الـ16، تشانغ تشونغ وتشو شيكي، مما جعل المدينة مركزًا مبكرًا للثقافة الفكرية الإسلامية.

كانت المدينة مركزا إسلاميا مختلطًا في سياقها الصيني، وهي عملية موصوفة في كتاب جوناثان ليبمان "غرباء مألوفون: تاريخ المسلمين في شمال غرب الصين". تم تدريس النصوص الإسلامية جنبًا إلى جنب مع النصوص الكونفوشيوسية، مما أدى إلى ولادة مجموعة منتقاة من الكتابات الإسلامية.

أقدم مسجد في سوتشو مسجد شيغوان Xiguan، أخذ اسمه من جسر شيغوان المجاور في وسط المدينة القديمة. تم بناؤه في القرن الـ13 خلال عهد أسرة يوان، وربما تم تمويله من قبل عائلة مسلمة بارزة هي عائلة حاكم مقاطعة يونان السيد آجل شمس الدين عمر البخاري (1211-1279) الذي ينحدر من خوارزم في بخارى وهاجرت عائلته للصين حيث تم تعيينه من قبل سلالة يوان.

تم دمج المسجد لاحقًا في مبنى حكومي خلال عهد أسرة مينغ، لذلك بقيت الروايات المكتوبة فقط عن وجوده في السجلات الصينية المحلية.

ويشير ذلك إلى أن أسرة يوان فضلت المسلمين من آسيا الوسطى في إدارتها وخدمتها الحكومية؛ كانت هذه المجموعة السكانية الكبيرة في وقت لاحق، في الخمسينيات من القرن الماضي، مصنفة داخل الصين على أنها أقلية هوي وتشكل حوالي نصف مسلمي الصين اليوم.

آثار الماضي

لقد حظرت الثورة الثقافية الإسلام بشكل فعال في الصين، حيث اعتبرت الأديان من أي نوع أدوات لقمع وإسكات احتياجات الناس.

نتيجة لذلك، لم يتبق الكثير من هذه المباني الدينية اليوم. لكن الآثار التي لا تزال موجودة -باب أو حجر أو هيكل وواجهة أو ببساطة عنوان معروف مكتوب في أرشيف- هي تمثيلات رمزية لحياة ماضية. هذه أدلة على السياق الاجتماعي المتنوع والجغرافيا الروحية التي ألهمتها هذه الأماكن وكانت جزءًا منها.

وكما يقول عالم الصينيات الأميركي فريدريك موت -أستاذ التاريخ في جامعة برينستون- فإن ماضي سوتشو متجسد في الكلمات وليس في الأحجار، ويمكن تجميع أجزاء مجتمعات سوتشو الإسلامية معا بمساعدة السجلات التاريخية المكتوبة. هذه السجلات من الماضي المتنوع لها نفس الأهمية بالنسبة للمستقبل في بلد تخضع فيه الأديان لرقابة صارمة من قبل الدولة، بسبب ما تعتبره سلطاتها السياسية أنها مزعزعة للاستقرار، بحسب الكاتبة.

التقارير الأخيرة عن ممارسات إعادة التثقيف الأيديولوجي التي تقوم بها السلطات المحلية تجاه سكان الإيغور في شمال غرب الصين تجعل الوضع أكثر تعقيدًا ويستحق المزيد من المراقبة والبحث، بحسب الكاتبة.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة