فرنسا.. قد يكون "اليساريون الإسلاميون" المبغَضون حلا للنزاع والتطرف بحسب منظّر سياسي فرنسي

قال الأكاديمي الفرنسي فرانسوا بورغا إن المجتمع الفرنسي من أجل أن يتصالح مع ماضيه الاستعماري يتعين عليه أولا الاعتراف به والسماح بالبحث فيه

الباحث الفرنسي فرانسوا بورغا
الأكاديمي والباحث الفرنسي فرانسوا بورغا يعتبر أن السرد التاريخي الفرنسي لمفهوم الثورة يحول دون إمكانية التوفيق بين اللغة الدينية والتقدم السياسي (الجزيرة)

لماذا تكتسب الدراسات العرقية وتجربة الشعوب المستعمَرة زخما بين الأكاديميين هذه الأيام؟ ولماذا تعتبِر فرنسا ما يسمى بـ "الإسلام اليساري" تهديدا لها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال بسيطة للغاية، وهي أن التمكين الفكري والاجتماعي والسياسي لأحفاد السكان المستعمَرين مكَّنهم أخيرا من فعل ما حُرمت منه الأجيال السابقة؛ وهو استكشاف السرديات التاريخية للاستعمار من منظور المجتمعات التي استُعمِرت، والمطالبة بالحقوق التي حُرموا منها.

ويستخدم اليمينيون في فرنسا مصطلح "اليسار الإسلامي" عند الحديث عن أوجه الاتفاق والتحالف السياسي المزعوم بين الإسلاميين واليساريين في البلاد، وخاصة حول قضايا كالحجاب واستقبال اللاجئين.

وفي مقاله الذي نشره موقع "ميدل إيست آي" (Middle East Eye) البريطاني، قال الأكاديمي الفرنسي فرانسوا بورغا (ولد في 1948) إنه حتى يتصالح المجتمع الفرنسي مع ماضيه الاستعماري يتعين عليه أولا الاعتراف به والسماح بالبحث فيه.

وقضى بورغا 7 سنوات في الجزائر درس في أثنائها بكلية الحقوق، ثم 5 سنوات في مصر، ثم 6 سنوات في اليمن، ثم 5 سنوات في كل من سوريا ولبنان، وهذا التنوع القُطري أعطاه أُفقا أرحب لفهم تفاعلات الحركات الإسلامية من جهة، والأهم فهم الثقافة الدينية لدى المسلمين بشكل عام، وقد ألّف كتبا عديدة بينها "الإسلام السياسي.. صوت الجنوب" وكتاب "فهم الإسلام السياسي".

وأشار بورغا في المقال إلى أن استخدام عبارة "اليسار الإسلامي" السياسية ليس حديث العهد بالنظر إلى أصولها، بل إن المصطلح قد صيغ أول مرة في عام 2002 من قبل عالم الاجتماع الفرنسي المؤيد لإسرائيل بيير أندريه تاغييف (مواليد 1946) لتشويه مصداقية دعم اليسار الفرنسي للمقاومة الفلسطينية، مثل حركة حماس الفلسطينية، ولقد استُخدم مصطلح "اليسار الإسلامي" منذ البداية لنزع الشرعية عن مقاومة المجتمعات التي تتحدى أنظمة الاحتلال القائمة.

"إسلاميون" أم "عنصريون"؟

يقول بورغا إن المظالم التي توصف بأنها "إسلامية" في الغرب تُقابل بالإنكار والتكذيب والازدراء وحتى التجريم، ويُنظر إلى الإمكانات السياسية لخطاب الإسلام السياسي على أنها مجرد وسيلة لتحقيق المطالب الطائفية.

واعتبر الكاتب -وهو أستاذ العلوم السياسية والباحث بالهيئة القومية الفرنسية للبحث العلمي في مدينة آكس أون بروفانس (Aix-En-Provence) جنوب شرق فرنسا- أن السياسية الفرنسية اليمينية المتطرفة مارين لوبان وجميع مقلديها من اليسار واليمين يتمتعون بكامل الحرية في مهاجمة ما يسمى بـ "العنصريين"، لمحاولتهم وضع "حواجز عرقية" داخل المجتمع، وذلك على الرغم من أن الفئة السكانية الذين يتعرضون للوصم بهذه التهم تسعى لفعل العكس.

وقد بدأت مجموعة هامشية من الأكاديميين -وهي أقلية إلى حد كبير ولكنها تتمتع بالدعم الهائل من السياسيين ووسائل الإعلام اليمينية المتطرفة- في المطالبة بإجراء تحقيق حكومي (داخل الساحات الأكاديمية)، متجاوزة عن عمد هيئات الرقابة الأكاديمية المخصصة لحماية الباحثين والأوساط الأكاديمية من التدخل الحكومي الموجه بدوافع سياسية.

وأشار الكاتب إلى أن مجالات بحثية -مثل دراسات ما بعد الاستعمار- تحظى بدعم وقبول واسعين بين الباحثين في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) (وهو أكبر مؤسسة بحثية حكومية في فرنسا) وبين الأوساط الجامعية؛ لكن الجدل الحالي حول "اليسار الإسلامي" يخفي رواية تاريخية مختلفة تماما، بحسب الكاتب.

الإسلام بوصفه أيديولوجيا سياسية

أوضح الكاتب أن العلاقات بين الأطراف الفاعلة في الإسلام السياسي والمثقفين واليساريين داخل العالم العربي والإسلامي وخارجه، تكشف عن نقاط تقارب سياسي لا تشبه خطاب وزير التعليم العالي الفرنسي فريدريك فيدال الذي يتحدث بشكل عشوائي عمن يسميهم "اليساريين الإسلاميين"، ولا خطاب مهاجمي الكابيتول الأميركي، وحركات مجتمع الميم ودراسات النوع الاجتماعي، بحسب تعبيره.

وبالنظر إلى المصطلحات الجديدة، فإن "اليسار" و"الإسلام" يحدِّدان على التوالي "الجناح اليساري لليسار السياسي" (وبالتالي استبعاد الاشتراكيين والشيوعيين الأرثوذكس) والتيارات "الشرعية" المختلفة للإسلام السياسي، التي انتشرت قاعدتها الشعبية في بداية الربيع العربي.

وأشار الكاتب إلى أن التفاعلات والتقارب الفكري والسياسي الذي نشأ في الثمانينيات -بين مختلف فصائل أقصى اليسار المتنافسة لا سيما في فرنسا، وجزء على الأقل من الفروع العديدة للإسلام السياسي- يمكن وصفها على أنها "يسار إسلامي".

ويقول الكاتب إن الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984) كان ربما أول مثقف يجرؤ على اقتراح الاعتراف باللاعبين السياسيين الذين يستخدمون مفردات الإسلام، مشيرا إلى أن "الشرط الأول" للاقتراب من الإسلام السياسي "هو البدء بتجنب خطاب الكراهية".

ويتابع بورغا معتبرا أنه في بداية الثورة الإيرانية استمر التقارب بين اليسار السياسي و"الإسلاموية" منذ ذلك الحين بين مجموعات المعارضة ضد الحكام المستبدين في العالم العربي، ونشأ الإسلام السياسي في البداية عن معارضة مشتركة للتدخل الأجنبي، ثم تطور تدريجيا، وبات يدعو إلى الحكم الديمقراطي وسيادة القانون.

صعود "اليسار الإسلامي"

يقول الكاتب إن الحوار القومي الديني الذي نظمه في الخرطوم في أوائل التسعينيات السياسي الإسلامي السوداني والزعيم الديني حسن الترابي (1932-2016)، من الأمثلة على هذه الأيديولوجيا الجديدة التي تسعى إلى إيجاد أرضية مشتركة. كما ظهرت أمثلة أخرى فيما بعد عبر المغرب العربي والشرق الأوسط.

ويقول الكاتب إنه في عام 1995 رغم كل الصعاب فإنّ اتفاق سانت إيجيديو (يسمى أيضا عقد روما الذي انبثق عن اتفاقية مصالحة بين الفرقاء السياسيين في ظل "الحرب الأهلية" بالجزائر بعد إلغاء نتائج انتخابات 1991) نجح في الجمع بين معظم أحزاب المعارضة الجزائرية الكبرى، من التروتسكية لويزة حنون إلى أنور هدام من الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

وكان من المفترض أن تؤكد تحالفات مماثلة بين الإسلاميين والعلمانيين واليساريين المسيحيين هذا الاتجاه، وكذلك في لبنان عام 2005 مهدت المحادثات بين الأحزاب المسيحية وحزب الله الطريق أمام الإدماج السياسي للقوى الإسلامية، بحسب الكاتب.

وفي تونس، قبل فترة طويلة من "الترويكا الإسلامية – اليسارية" (التحالف الثلاثي بين النهضة والتكتل والمؤتمر من أجل الجمهورية الذي حكم بعد انتخابات المجلس التأسيسي 2011) وقّعت أحزاب المعارضة الإسلامية واليسارية على ائتلاف 2005 للحقوق والحريات الذي وضع الأسس لأرضية مشتركة في المستقبل بين مختلف الأيديولوجيات السياسية في تونس، ومن بينهم الإسلاميون والعلمانيون والشيوعيون.

الرفض الغربي المستمر

يقول الكاتب إن الغالبية العظمى من المثقفين وصناع القرار الفرنسيين يستمرون في تجاهل شرعية -بل حتى وجود- إسلام سياسي متوافق مع الديمقراطية، وفي حين أن مواقف الاشتراكيين والشيوعيين من شأنها أن تزيد استبعاد الفاعلين الإسلاميين من جميع الأطياف (لا سيما خلال "العشرية السوداء" بالجزائر في التسعينيات)، فقد تحقق اعتراف مبدئي -سرعان ما أصبح متبادلا- بين الأحزاب المختلفة، مستشهدا بما يعتبره تحالف التروتسكيين -على وجه الخصوص- وتيارات إسلامية مثل النهضة في المغرب العربي وحماس في فلسطين، وفقا للكاتب.

ويعتبر الكاتب أن مثل هذا التقارب يصبح اليوم أنسب من أي وقت مضى؛ إذ يتم اليوم شن حملة واسعة ضد أي اتفاق أو تقارب على الإطلاق بين التيارات اليسارية والإسلامية، حيث اهتز الغرب من قبل الجيل الجديد من المناضلين "المناهضين للإمبريالية"، بحسب تعبير الكاتب.

النموذج التاريخي الفرنسي

ويرى بورغا أن السرد التاريخي الفرنسي لمفهوم الثورة يحول دون إمكانية التوفيق بين اللغة الدينية والتقدم السياسي، فلذلك يجب على مؤيدي "مقاربة أكثر موضوعية" لتيارات الإسلام السياسي التحرر من التفسير الفرنسي الضيق للنموذج الثوري، عندها فقط سيكونون قادرين على النظر إلى صعود الإسلام السياسي من منظور أيديولوجي، وليس فقط من منظور ديني بحت، بحسب الكاتب.

وفي حوار أجرته الجزيرة نت مؤخرا مع بورغا انتقد المنظر السياسي الفرنسي "تبنّي رئيس الدولة خطاب الإسلاموفوبيا الذي كان محدودا في اليمين المتشدد، وأصبح بخطابه خطابا رسميا من قمة الدولة" مشيرا إلى "أن المجتمع الفرنسي يعيش أزمة انغلاق ورفض لبقية ثقافات المهاجرين".

وفي المقابل قال بورغا في الحوار إن "الأساتذة والباحثين المتخصصين الذين يشتغلون في حقول العلوم الاجتماعية، يرفضون بأغلبيتهم هذا الميل لليمين المتشدد وشبه العنصري ضد الإسلام والمسلمين، غير أن تدخّل وسائل الإعلام وخطاب الدولة يحجب هذا الواقع، فيحتل هذا الهامش بالوسط الأكاديمي المشهد الإعلامي كله، ولديه وسائل إعلام مرئية متضخمة جدا مقارنة بحجمه الحقيقي".

المصدر : الجزيرة + ميدل إيست آي

حول هذه القصة

قررت فرنسا أمس إعادة قطع قطع أثرية للسنغال وبنين، كانت نهبت منها في الحقبة الاستعمارية،

وافقت الجمعية الوطنية الفرنسية، على قرار مجلس الشيوخ بشأن إعادة الفنون والأصول الثقافية للسنغال وبنين، بينما تم استثناء بلدان شمال أفريقيا العربية من وعود إعادة آثارها التي سلبت في مرحلة الاستعمار

Published On 8/12/2020
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة