أمكنة العقل.. سيرة فكرية غير ذاتية لإدوارد سعيد

ساهم إدوارد سعيد في ترجمة ونشر روايات نجيب محفوظ قبل جائزة نوبل، وأصيب بسرطان ابيضاض الدم الليمفاوي، وكان له موقف متحفظ من أدب الرواية.

يصف كتاب "أمكنة العقل" المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد بأنه إنسان حيوي وواحد من أكثر مفكري عصره إثارة للاهتمام (الجزيرة)
يصف كتاب "أمكنة العقل" المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد بأنه إنسان حيوي وواحد من أكثر مفكري عصره إثارة للاهتمام (الجزيرة)

يبدو عنوان كتاب المؤلف والأكاديمي الأميركي تيموثي برينان الجديد بعنوان "أمكنة العقل: حياة إدوارد سعيد"، مضللا لحد ما، حيث إن كلمة "حياة" تشير إلى أنه سيرة ذاتية مناسبة تروي حياة المفكر الأميركي ذي الأصول الفلسطينية، ولكنه ليس كذلك.

يعمل برينان -وهو تلميذ سعيد- أستاذا للأدب المقارن في جامعة مينيسوتا، ومكنته عائلة المفكر الراحل من الوصول إلى المخطوطات غير المنشورة لسعيد، وفي التقرير الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) الأميركية، قال الكاتب دوايت غارنر إن برينان أشار في مقدمة كتابه إلى أنه عبارة عن "سيرة فكرية"، وهو جنس أدبي مختلف.

كان إدوارد سعيد (1935-2003) إنسانا مركبا وحيويا، وأحد أكثر مفكري عصره إثارة للاهتمام. وُلِد في القدس ودرس في الولايات المتحدة في مؤسسات رابطة اللبلاب (رابطة رياضية تجمع 8 من أعرق الجامعات الأميركية)، وكان مثقفا، وصنف ضمن آخر المفكرين الكبار الحقيقيين. وكان الكتاب الذي اشتهر بفضله "الاستشراق" (1978)، أحد الأعمال الأساسية لحقل دراسات ما بعد الاستعمار.

المفكر والناشط

وذكر الكاتب أن سعيد كان متحدثا باسم القضية الفلسطينية، حيث ظهر في برامج تلفزيونية مهمة مثل "نايت لاين" (nightline) وبرنامج الصحفي الأميركي الشهير تشارلي روز، وبرامج قناة "بي بي سي" (BBC). كما درّس الأدب في جامعة كولومبيا، وقد راوح في أعماله بين الكتابات الموجهة للنخبة وتلك الموجهة لعامة الناس.

وشغل سعيد منصب رئيس جمعية اللغة المعاصرة الأميركية (MLA)، ولعب دورا حيويا في ترجمة ونشر كتب الروائي المصري نجيب محفوظ في الولايات المتحدة، قبل أن يفوز محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988، بحسب الصحيفة الأميركية.

وأشار الكاتب إلى أن برينان لم يتجنب تماما تفاصيل حياة سعيد الشخصية، فقد كان دقيقا في سرد تفاصيل طفولته، ولكنه انصرف عن ذلك في الثلثين الأخيرين من الكتاب.

ويكتب برينان كثيرا عن الأدب المقارن والنظرية الثقافية، ومن بين أحدث كتبه "الضوء المستعار: فيكو، هيغل والمستعمرات" الذي نُشر عام 2014.

وتقول الصحيفة الأميركية إن كتاب "أمكنة العقل" يساهم في الاعتراف بالمفكر الراحل واحدا من طبقة المفكرين البارزين، أمثال ماركس وفرويد وجاك دريدا وميشيل فوكو ونعوم تشومسكي، بيد أن التركيبة الفلسفية والنفسية الاجتماعية طاغية على محتوى الكتاب. وهذا يعني أن برينان يخاطب على ما يبدو الأشخاص في مجالات خبرته، وليس موجها إلى قارئ عادي متحمس وفضولي.

حياة سعيد

وذكر الكاتب أن عائلة سعيد انتقلت إلى القاهرة عام 1947، بعد أن قسمت الأمم المتحدة القدس إلى نصفين يهودي وعربي. التحق سعيد بمدارس النخبة في القاهرة، وكان من بين زملائه في الفصل الممثل عمر الشريف وملك الأردن حسين بن طلال. ينحدر سعيد من عائلة ثرية، حيث كان والده يدير متجرا للمعدات، وفي عام 1951، أرسله والداه إلى مدرسة أميركية خاصة، هي "ماونت هيرمون" في ماساشوستس.

أشار برينان في كتابه إلى أن سعيد قُبل في كل من جامعة برنستون وهارفارد، ولكنه اختار جامعة برينستون لأنه كان يعتقد أنها أكثر ملاءمة للطلاب الأجانب. لكنه حصل لاحقا على شهادة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي من جامعة هارفارد. وقبل وقت قصير من دخوله جامعة هارفارد، وأثناء توجهه لحضور مهرجان "بايرويت للموسيقى" في ألمانيا، تعرضت سيارته لحادث على طريق جبلي في سويسرا، حيث اصطدم بدراجة نارية، مما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة.

أثناء وجوده في جامعة هارفارد، حاول سعيد كتابة رواية. ولكنه أكمل كتابة قصة قصيرة، رفضت مجلة "نيويوركر" (New Yorker) نشرها في عام 1965، لهذا انقطع عن الكتابة الروائية لمدة 25 عاما.

وفي كولومبيا، حيث بدأ التدريس عام 1963، كان سعيد من أفضل المعلمين الذين درّسوا هناك على الإطلاق، لقد كان يسعى لترسيخ التعليم الحر في أذهان الطلاب، ولم يكن يؤمن بتسييس فصوله الدراسية، بحسب الكتاب.

قدّم سعيد دورات في الأدب، وكان متأثرا بالكاتب والروائي البريطاني جوزيف كونراد على وجه الخصوص. وكان المنفى بمثابة العقدة المركزية لكيانه، لكنه لم يتناول محور الشرق الأوسط في فصوله مطلقا. كان سعيد عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني ما بين 1977 و1991، وتعرض لمضايقات بسبب نشاطه السياسي،    لكنه استقال بسبب معارضته الشديدة لبعض مواقف الرئيس الراحل ياسر عرفات، كما رفض اتفاقيات أوسلو التي كان يعتقد أنها صفقة خاسرة للفلسطينيين.

ذكر الكاتب أن سعيد تلقى تهديدات بالقتل، حتى أنه ألقيت قنابل حارقة على مكتبه، وكتب برينان أنه "باستثناء مكتب رئيس كولومبيا، كان مكتب سعيد هو الوحيد المجهّز بنوافذ مضادة للرصاص وجرس إنذار يرسل إشارة مباشرة إلى أمن الحرم الجامعي".

في عام 1991، علم سعيد أنه مصاب بسرطان ابيضاض الدم الليمفاوي المزمن، والذي من المرجح أن يكون قد تسبب في موته بعد 12 عاما. ولكنه عاش طويلا بما يكفي للتنديد بقانون باتريوت (مكافحة الإرهاب) الذي صدر في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وأطلق على هذا التشريع اسم "إضفاء الطابع الإسرائيلي على السياسة الأميركية".

اهتم إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" (1978) بدراسة خلفيات الثقافة الغربية في نظرتها للشرق (مواقع التواصل)

موقفه من الأدب

وذكر تقرير سابق لصحيفة غارديان (The Guardian) البريطانية، أن المفكر الفلسطيني الأميركي الراحل رغب في كتابة روايات أدبية عدة مرات، لكنه لم ينجح أبدا.

ووفقا لتقرير الصحفية دونا فيرغسون، كان سعيد واضحا وحازما تجاه الأدب، فعمل الناقد -كما يعتقد سعيد- أهم من دور الشعراء والروائيين، ويعتبر أن المثقفين (النقاد) في الحياة العامة هم الكتاب الأكثر قدرة على تحدي السلطة وتغيير العالم.

وبخصوص الشعر، يرى برينان أن قصائد المفكر الراحل -التي كتب بعضها في خمسينيات القرن الماضي- متجذرة في "العروبة"، مؤكدا أنها تمثل مواقفه الواضحة والمناهضة للاستعمار، وتعبر عن حالة "العيش بين عالمين" التي ميزت حياته كشخص ولد في الشرق وعاش في الغرب، ومع ذلك كانت بعض القصائد أكثر شخصية وعبرت إحداها عن علاقته غير المستقرة مع زوجته الأولى.

والأهم من ذلك -بحسب مقال الصحيفة البريطانية- أن هذه الأعمال المبكرة غير المنشورة تظهر أن سعيد لم يكن سياسيا قبل حرب الأيام الستة عام 1967 كما يعتقد عموما.

ويقول برينان "هذه خرافة من نواح كثيرة، قبل ذلك الوقت كان منغمسا بعمق في الأشياء التي شكلت حياته المهنية لاحقا".

وألف سعيد أكثر من 20 كتابا، من بينها "تغطية الإسلام.. كيف تحدد وسائل الإعلام والخبراء الطريقة التي نرى فيها العالم؟"، و"مسألة فلسطين"، و"الثقافة والإمبريالية" الذي يعتبر تكملة لكتابه "الاستشراق"، وترجمت كتبه إلى أكثر من 20 لغة، ومن أشهر كتبه أيضا "خارج المكان" التي أرخ فيها لحياته الشخصية.

وبالإضافة إلى الكتابة، امتلك إدوارد سعيد معرفة بالموسيقى وتاريخها، وألف فيها كتابين هما "متتاليات موسيقية"، و"عن النموذج الأخير.. الموسيقى والأدب ضد التيار"، فضلا عن عزفه على البيانو بمستوى المحترفين.

المصدر : الجزيرة + غارديان + نيويورك تايمز

حول هذه القصة

تساءل المفكر إدوارد سعيد في الكتاب الذي صدر بعد رحيله “عن الأسلوب المتأخر” إن كان المرء يزداد حكمة مع تقدمه في السن، وهل هناك مؤهلات يكتسبها الفنانون بسبب العمر؟

5/10/2015

اهتم المفكر الفلسطيني الراحل إدوار سعيد في كتابه الشهير “الاستشراق” (1978) بدراسة خلفيات الاستشراق الثقافية في الغرب، معتبرا أنها استطاعت أن “تنتج الشرق سياسيا واجتماعيا وعسكريا وعقائديا وعلميا وتخيليا”.

29/5/2019
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة