تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي استمرت بشكل غير قانوني في أميركا حتى الحرب الأهلية

أدت الولايات المتحدة منذ البداية دورا رئيسا في تجارة الرقيق غير المشروعة، واستمر نشاط تجار العبيد عبر المحيط الأطلسي حتى زمن الحرب الأهلية الأميركية 1861-1865.

استمرت العبودية في الولايات المتحدة الناشئة حتى زمن الحرب الأهلية الأميركية في ستينيات القرن الـ19 (غيتي إيميجز)
استمرت العبودية في الولايات المتحدة الناشئة حتى زمن الحرب الأهلية الأميركية في ستينيات القرن الـ19 (غيتي إيميجز)

لم يكن من المفترض أن تستمر تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي في الولايات المتحدة حتى الحرب الأهلية، ولم يكن من المفترض أن تكون مصدر ربح جوهري لولايات الشمال المؤيدة لإلغاء العبودية.

في تقريره الذي نشره موقع "هيستوري" (history) الأميركي، قال الكاتب جون هاريس إنه حتى بعد أن حظر الكونغرس مشاركة الولايات المتحدة في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي عام 1807، وصنفها ضمن أنشطة القرصنة عام 1820، استمرت هذه التجارة غير المشروعة.

في ذلك الوقت، تعاون مالكو السفن والتجار والبحارة والمسؤولون "الفاسدون" الأميركيون المتمركزون إلى حد كبير في مدينة نيويورك مع الحلفاء الأجانب، لمواصلة شحن الأفارقة الأسرى عبر الممر الأوسط حتى ستينيات القرن الـ19. لم تتسبب هذه الممارسة في معاناة رهيبة للأفارقة المستعبدين فحسب؛ بل أدت أيضا إلى تعميق الانقسام الوطني حول العبودية، وهو شقاق ساعد في تمهيد الطريق إلى أكثر الصراعات دموية في تاريخ الولايات المتحدة (الحرب الأهلية).

استمرار تجارة الرقيق

ذكر الكاتب أن الولايات المتحدة لم تكن الدولة الوحيدة التي حظرت تجارة الرقيق ذلك الوقت، فقد ألغتها العديد من الدول المعروفة بتجارة الرقيق بحلول 1836؛ لكن ذلك لم ينه العنصرية ضد السود أو يلغِ دافع الربح.

لقد نما الطلب العالمي على السكر والبن والقطن بشكل كبير في القرن الـ19، واعتمد المزارعون في الأميركيتين على العبيد. وكان لدى المتاجرون بالبشر أنفسهم حوافز كبيرة لتحدي الإلغاء الدولي لتجارة الرق؛ إذ ارتفعت أرباحهم بنسبة 90% مسجلة زيادة 10 أضعاف عن القرن السابق.

أدت الولايات المتحدة منذ البداية دورا رئيسا في هذه التجارة غير المشروعة، حيث جلب تجار الرقيق حوالي 8 آلاف أسير (مستعبد) إلى الجنوب الأميركي في العقود التي تلت حظر 1807، بما في ذلك المئات قبل الحرب الأهلية مباشرة، ومن بين آخر الأسرى الذين تم إحضارهم إلى الأراضي الأميركية نذكر أولوالي كوسولا، الذي تغير اسمه إلى كودجو لويس، وهو شاب من اليوروبا (أكبر المجموعات العرقية في نيجيريا) أبحر على متن كلوتيلدا، آخر سفينة عبيد وصلت إلى الولايات المتحدة في عام 1860. قبل وفاته في 1935، أجرى كوسولا سلسلة من المقابلات مع عالمة الأنثروبولوجيا زورا نيل هيرستون، سرد من خلالها صدمة القبض عليه وبيعه وشحنه إلى مكان أجنبي للعيش والعمل كعبد.

تمثلت المساهمة الأكبر في استخدام السفن الأميركية لجلب الرقيق. أحب تجار الرقيق السفن السريعة مثل بالتيمور كليبر، التي يمكن أن تتفوق على دوريات مكافحة الاستعباد، كما رفضت الحكومة الأميركية السماح لدول أخرى باعتراض السفن المملوكة لمواطنين أميركيين. نتيجة لذلك، تدفق تجار الرقيق عبر الأطلسي للحصول على علم الولايات المتحدة. وفي النهاية، وصل نصف مليون أفريقي أسير إلى البرازيل وكوبا في سفن الرقيق الأميركية في الأعوام التي أعقبت حظر تجارة الرق عبر المحيط الأطلسي.

في خمسينيات القرن الـ19، أقامت مجموعة جريئة من تجار الرقيق تعرف باسم "الشركة البرتغالية" مقرا لها في مدينة نيويورك، وبقيادة مانويل كونا ريس، تاجر برتغالي كان يتاجر بالأفارقة المستعبدين في البرازيل وأنغولا، اشترت هذه المجموعة سفنا مستعملة في سوق الشحن الواسع في مانهاتن. ثم عملت مع البحارة الأميركيين وتجار السفن والمسؤولين الفاسدين، مثل المارشال إشعياء رايندرز، للإبحار بالسفن إلى أفريقيا في رحلات كانوا يدّعون أنها قانونية.

أصبحت نيويورك سيئة السمعة على الصعيد الدولي في هذه الأعوام، خاصة مع ازدهار تجارة الرقيق إلى كوبا، باعتبارها الوجهة الرئيسة. وبعد عام 1850، كان جميع تجار الرقيق تقريبا أميركيين، وكانت لمعظمهم علاقات في نيويورك.

مؤيد غير متعرف به لإلغاء العبودية

أشار الكاتب إلى أن السلطات البريطانية كانت من أشد المعارضين لتجارة الرقيق. ونظرا لأن الحكومة الأميركية غضت الطرف عن هذه التجارة غير المشروعة إلى حد كبير، وظلت غير راغبة في السماح للبحرية المَلكية (الإنجليزية) باعتراض طريق تجار الرقيق الأميركيين، تولى القنصل البريطاني في نيويورك السير إدوارد أرشيبالد زمام الأمور بنفسه من خلال تعيين جاسوس كان اسمه إيميليو سانشيز، وهو أحد أعظم دعاة إلغاء العبودية غير المعروفين في التاريخ الأميركي.

وُلد سانشيز في كوبا، وهاجر إلى الولايات المتحدة، وأصبح مالكا لسفينة وتاجرا في نيويورك. بعد اشتباكه مع أعضاء الشركة البرتغالية، كان حريصا على الانتقام؛ لذلك أجرى مقابلة مع أرشيبالد واتفق معه على 400 جنيه شهريا بالإضافة إلى مكافآت عن كل رحلة تُلغى بفضل معلوماته.

وظّف سانشيز معرفته بأرصفة الموانئ، ولمدة 3 أعوام ونصف العام، كان يتجسس على تجار الرقيق، ويراقب تحركاتهم ومواعيد مغادرة سفنهم. بدأ محادثات مع القباطنة والبحارة وتجار الملابس، واستجوبهم للحصول على معلومات؛ مثل اسم السفينة وهوية صاحبها وموعد مغادرتها نيويورك، وكتب كل شيء للقنصل أرشيبالد.

في المقابل، أرسل أرشيبالد معلومات سانشيز السرية عبر المحيط الأطلسي إلى لندن والسفن البريطانية قبالة الساحل الأفريقي. وبفضل المعلومات التي تفيد بأن المالكين الحقيقيين للسفن ليسوا مواطنين أميركيين، وبالتالي لا يحق لهم رفع العلم الأميركي، اتخذت البحرية المَلكية الإجراءات اللازمة. في المجموع، ألغت استخبارات سانشيز 30 رحلة رقيق، وأنقذت حوالي 20 ألف أسير أفريقي.

تجارة الرقيق والحرب الأهلية

أوضح الكاتب أنه مع تطور تجارة الرقيق في نيويورك، أصبحت الأمة الناشئة منقسمة بشكل متزايد حول العبودية. خلال نزاع شرس حول إلغاء العبودية في كانساس، ظهر حزب جديد "الجمهوريون" بقيادة أبراهام لينكولن وويليام سيوارد، وكان على نقيض الحزب الديمقراطي الحاكم، الذي دعم العبودية، ولم يكن لديه اهتمام كبير بإنهاء تجارة الرقيق غير المشروعة.

وبدلا من مهاجمة نيويورك، احتفظ الجمهوريون بأقسى انتقاداتهم للجنوب. كان هذا مناسبا سياسيا، إذ سعت ثلة من الراديكاليين الجنوبيين إلى إعادة إحياء تجارة الرقيق على شواطئهم في منتصف خمسينيات القرن الـ19، وقد أصيب الجمهوريون والعديد من الشماليين بالفزع.

ركز ويليام سيوارد، وهو من سكان نيويورك، على هذه القضية؛ لأنه كان يعتقد أن "استعادة تجارة الرقيق الأفريقية" كانت أولوية جنوبية، وهي خطة من شأنها أن تنشر العبودية على الحدود الغربية المتوسعة.

وأورد الكاتب أن الجنوبيين وحلفاءهم الشماليين اتهموا لينكولن والشمال بالنفاق، وطلبوا منهم التعامل مع تجارة الرق، التي "تجري أمام أعينهم"؛ لكن عندما قلّ عدد سفن الرقيق، بما في ذلك سفينة كلوتيلدا، الراسية في الجنوب بين عامي 1858 و1860، اكتسبت انتقادات الجمهوريين قوة إضافية، وبات منع "استئناف تجارة الرقيق في الجنوب" جزءا من برنامج لينكولن في الانتخابات الرئاسية لعام 1860.

انهيار التجارة

عندما انقسمت الأمة بعد انتخاب لينكولن، كانت الكونفدرالية هي التي اتخذت الخطوات الأولى ضد تجارة الرقيق، واعترافا بأن القضية قسمت الكونفدراليات في وقت تحتاج فيه إلى الوحدة أكثر من أي وقت مضى، حظرت الشخصيات السياسية البارزة هذه التجارة تماما في الدستور الكونفدرالي عام 1861.

تحرك لينكولن أيضا ضد هذه التجارة بالسماح للبريطانيين بتفتيش السفن الأميركية من خلال معاهدة ليونز-سيوارد لعام 1862، ورفض تخفيف عقوبة الإعدام لقبطان العبيد ناثانيل غوردون، الذي أصبح الأميركي الوحيد الذي أعدم بموجب قانون 1820. وبحلول عام 1863، انتهت تجارة الرقيق الأميركية أخيرا.

المصدر : الصحافة الأميركية + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

هل بنيت أهرامات مصر القديمة من قبل نخبة عمالية تمتعت بامتيازات خاصة، أم عبر ممارسات السخرة والاستعباد؟ يجد باحثون أثريون أدلة على أنهم نخبة عمالية، غير أن باحثين تاريخيين يقولون إنها بنيت بالسخرة.

7/3/2021
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة