عبد الله زريقة شاعر الهوامش الموجعة.. الذي ترجمه أديب فرنسا الكبير برنار نويل

إبرة الوجود وجرح السجن لدى شاعر الهوامش الموجعة المتواري عن الأنظار

الشاعر عبد الله زريقة ينأى بنفسه عن الساحة الشعرية لكن أعماله تحفر مجراها عميقا داخل المهرجانات العالمية بلغاتها المختلفة: الفرنسية والإنجليزية والألمانية (مواقع التواصل الاجتماعي)
الشاعر عبد الله زريقة ينأى بنفسه عن الساحة الشعرية لكن أعماله تحفر مجراها عميقا داخل المهرجانات العالمية بلغاتها المختلفة: الفرنسية والإنجليزية والألمانية (مواقع التواصل الاجتماعي)

عبد الله زريقة.. ألا تسمعون وقع أجراس مضيئة في ليل الشعر المغربي المعاصر؟ أم أن قصاصات الشعر وفتات اللغة وجبروت الآلة الإعلامية الرسمية ومؤسساتها تحجب عن الناس كل ما يؤسس جماليات الشعر المغربي؟

لكن رغم ذلك، فإن عبد الله زريقة غير مشغول بهذا "التهافت الإعلامي"، الذي أضحى اليوم يتسابق حوله الشعراء لتسويق صورهم، بدل أعمالهم الشعرية.

في وقت لا يتمنى عبد الله زريقة إلا الدخول أكثر في عزلته الزرقاء منذ تسعينيات القرن الـ20؛ وبالرغم من أنه غائب بشكل كلي عن الساحة الشعرية العربية، فإن أعماله حاضرة بقوة، تحفر مجراها عميقا داخل المهرجانات العالمية بلغاتها المختلفة: الفرنسية والإنجليزية والألمانية، استقرت بها أعماله الشعرية منذ أن ترجم له الشاعر المغربي الفرنكفوني عبد اللطيف اللعبي عمله الشعري "ضحكات شجرة الكلام" الذي أصدره زريقة في ثمانينيات القرن الماضي، والذي كان بمثابة نقطة تحول في تجربته الشعرية.

ورغم أن هذا العمل أكثر أعماله المضمخة بجرح السجن، فإن القارئ يكتشف قدرة عبد الله زريقة في جعل الشعر حقيقة وجودية ومأساة مصيرية في جسد الإنسان، ففيه يتحرر من سطوة البعد السياسي الذي وسم عمله الشعري الأول "رقصة الرأس والوردة".

وتتواصل بعد ذلك جملة من الأعمال الشعرية الرصينة مثل: "فراشات سوداء"، "إبرة الوجود"، "فراغات مرقعة بخيط شمس"، "حشرة اللامنتهى"، "سلالم الميتافيزيقا"، "سلحفاة المحو" (2019)، "سكر المحو" (2020)، وغيرها؛ حيث أن هذه الأعمال الشعرية لم تكرس عبد الله زريقة فقط على أنه شاعر يكتب قصائد، بل صاحب مشروع شعري أصيل متفرد داخل الشعر العربي المعاصر، لما تنطوي عليه أعماله الشعرية من أبعاد جمالية خفية، ففيها لا يعثر المرء إلا على عبد الله زريقة نفسه، ولا أحد آخر، هذا "الآخر" الذي بات يسكن الكثير من التجارب الشعرية العربية.

يقول زريقة في "حشرة اللامنتهى":

"الكلمات لا تدخل إلى جهنم

لأن كلاب الأبواب لا تجد فيها لحما تنهشه

وثياب الفقراء تبقى في البرد

إلى أن يلبسها الغبار

وجبوب اللصوص تنفخها الريح

التي لم تستطع أن تدخل إلى جهنم

وجوارب المرضى يدفنها التراب

والكتب لا تراها إلا الأرضة

ومعاطف الشعراء تبقى معلقة في الأبواب

فنار جهنم كفم وحش

لا تنهش إلا اللحم

وتترك اللذة للجنة"

أغلفة كتب للشاعر المغربي عبد الله زريقة (مواقع التواصل الاجتماعي)

من السوسيولوجيا إلى الشعر

يعد عبد الله زريقة اليوم من أكبر الشعراء، ليس فقط داخل الجيل الثاني (السبعينيات) من المشهد الشعري المغربي، وإنما داخل الشعر العربي المعاصر، ومن أكثر الشعراء العرب الذين يمتلكون موقفا حازما تجاه الأنظمة الاستبدادية والقمعية، فقد قادته تجربة السجن في أواخر السبعينيات إلى اجتراح مشروع شعري منفلت من قبضة التدوير والإقامة في تخوم الآخر الذي جعل من تجارب شعرية تبدو كأنها صدى لما ينشر في المشرق أو داخل بعض التجارب الفرنسية المحضة.

إن تجربة السجن أثرت بشكل كبير في تجربة زريقة الشعرية، وجعلتها تدخل في علاقة وجودية غريبة مع جسد الشاعر ومواقفه ونظرته إلى كل ما يحيط به من ثقافة وأشياء وعوالم.

إن عبد الله زريقة يكاد يكون الاستثناء ممن ظلوا يشتغلون بشكل مستقل عن المؤسسات الرسمية المغربية، دون أن يحشر نفسه يوما داخلها أو أن يغدو لسانها يبرر لها أعطابها وزلاتها. وهو موقف صعب وحازم، يضمر في طياته مفهوم الالتزام الذي يطبع مواقف عبد الله زريقة تجاه الشعر والمؤسسة والثقافة عموما، فالمكتسبات الثقافية -التي ناضل من أجلها زريقة مع شعراء وكتاب قاسمهم مرارة السجن وحمى الشعر وهسيسه- تلاشت منذ تسعينيات القرن المنصرم إبان تجربة "التناوب التوافقي" اليوم، على حساب ثقافة ترفيهية، أمام مثقفين غيروا أقنعتهم ومواقفهم من أجل العمل مع السلطة ومؤسساتها.

"كل شيء انتهى"، هكذا يقول لي عبد الله زريقة بمرارة كلما التقينا، وهو تعبير -رغم اقتضابه- يختزن جرحا غائرا في أجسادنا عن مصير المثقف والثقافة اليوم، ويشير إلى أن ما يوجد الآن على سطح واقعنا الثقافي لا يمثل صورة الثقافة المغربية الحقيقية بفنونها ورموزها، حيث أنها بدت في السنوات الأخيرة تعيش على ماضي هذه الثقافة، أدبا وفكرا وترجمة.

وهذه الصورة الغائمة، يكاد يعبر عنها زريقة في أحد قصائده المثيرة حين يقول "آه.. الحقيقة كوجه ميت تفحم بظلمة قبر".

الشعري والجمالي

منذ سبعينيات القرن الـ20 بدا عبد الله زريقة مختلفا بمواقفه الملتزمة، تجاه الثقافة والسياسة والاجتماع، من خلال جملة من المقالات المهمة التي كانت تنشرها مجلة "المقدمة" وغيرها من المجلات، حيث وجدها القارئ العربي أكثر التحاما بالواقع المغربي وانتكاساته وارتباكه خلال سبعينيات القرن المنصرم، أمام سلطة قاهرة اكتسحت الأخضر واليابس من تاريخ الثقافة المغربية الحديثة والمعاصرة منها، وذلك على حساب تكريس التقليد، وهي كتابات اخترقت مكبوت الثقافة المغربية وتقليديتها، وجعلت الشعر ملتحما بقضايا الإنسان والتحرر.

على هذا الأساس، ظلت ترى بعض الكتابة النقدية القليلة أن تجربة زريقة -من خلال "رقصة الرأس والوردة" و"ضحكات شجرة الكلام"- شهادة شعرية على زمن ينغل بالترسبات السياسية في بنية الثقافة المغربية، صوب حداثة شعرية تجعل من البعد الجمالي الملاذ الأخير الذي تحتمي به تجربة زريقة، شعريا وجماليا.

لكن الطريف داخل بعض الكتب التي تناولت تجربة زريقة، هي أنها لم تنتبه إلى أن "ضحكات شجرة الكلام" -وهو العمل الشعري الأول الذي تنصل فيه زريقة من الطابع السياسي المباشر صوب أعمال شعرية فلسفية- جعلت الشاعر يحلق داخل أرض غريبة بالنظر إلى تجارب الشعر العربي المعاصر.

إنها تجربة غذتها دراسته المبكرة للسوسيولوجيا بجامعة محمد الخامس في الرباط، ورغم أن زريقة لم يخصص وقته وجهده للتفكير السوسيولوجي فإنه ذهب إلى الاشتغال على النص الشعري بوصفه مختبرا لكل أشكال الفكر البشري على اختلاف ألوانه ومشاربه، من تاريخ وفلسفة وتصوف وتشكيل وسينما، فجميعها حاضرة بقوة داخل أعماله الشعرية، يعيد ببراعة نسجها في نصوصه بأشكال مختلفة من التعبير الشعري والتوليف الجمالي، رغم أن معظم هذه النصوص تبقى غامضة وذات بعد فلسفي تختفي وراءه الكلمات، كأن يقول مثلا في "سلالم الميتافيزيقا":

"لا تكتب في هذا البياض

الذي تسرح فيه ملائكة النمل

ولا تقرأ في تلك الورقة

حتى لا تكشف الإله

المختبئ وراء كلمة

لكن كُن شيطانا

إذا رأيت

إلَها

لا يزيل خوف الكلمات

سوى التأويل

ولا رعب النقطة

سوى الحذف

ولا رهبة الحواشي

سوى النسيان"

جرح الوجود

يمثل "إبرة الوجود" قفزة نوعية داخل أعمال زريقة الشعرية، من خلال المراهنة على الفلسفة، ليس باعتبارها اختيارا جماليا يميز شعرية زريقة عن باقي الشعراء، وإنما بوصفها قدرا وجوديا يعيشه الشاعر في حياته اليومية المنعزلة عن الصخب الإعلامي من ندوات وقراءات ومشاركات يرى زريقة أنها قد تؤثر في صمته وماهية كتابته الشعرية وصناعتها الفنية والجمالية.

لذلك توارى زريقة عن الأنظار منذ تسعينيات القرن الماضي، مع أن أعماله حاضرة بقوة في ذهن القارئ، وهذا الأخير له علاقة خاصة وحميمية مع الشاعر بحكم الاحترام الكبير الذي يكنه القراء للشاعر عبد الله زريقة، إذ رغم غيابه فهو دوما يسكن مخيلة ووجدان من أحبوه شاعرا وصديقا ومناضلا، لا يغير قناعه ولا مواقفه من أجل المواقع والوظائف، مدافعا عن قيم الإنسان والتحرر والحداثة.

وهذا الأمر، لا ينفصل عن مشروعه في الكتابة، حيث أن الشعر لديه ينطلق من جرح أنطولوجي، قبل أن يكون جمالا أو بذخا أو حتى صناعة فنية بتعبير القدامى والمحدثين؛ ففي "حشرة اللامنتهى" و"سلالم الميتافيزيقا" (ترجمهما الشاعر الفرنسي برنار نويل) يُكشف وجه عبد الله زريقة الحقيقي وصورته وعزلته في علاقتها بالفلسفة، التي يبدو أنه من الصعب الخروج منها، خاصة أن الكتابة لديه تصبح مرادفة لمفهوم التحرر الذي يبدأ من جسده ويكتسح معه النص والعالم ككل، فهي لا تقيم شروطا ولا تضع موانع أمام الفضاء الذي تشتغل فيه شعريته، وإنما يوسعه ويضعه على تخوم الفلسفة.

هنا يغدو النص أشبه بشفرة تسلخ الجسد وتخترق الحدود التي تحاول بها السلط السياسية والمؤسسات التقليدية تسييج فكر الشاعر، دون أن يحدث شرخا في نظامها ونسقها أو حتى لذة عابرة أو نزوة في المناطق اليباب مِن لا وعي الجسد الإنساني وسراديبه.

يقول عبد الله زريقة -في مقالة له حول الكتابة ومسألة التحرر بمجلة المقدمة في عددها الأول سنة 1982- "إن حرية الكاتب ضرورية وأساسية جدا، فالكاتب الذي لا يتجاوز كل أشكال القمع يفرز جنينا نصف ميت، والكاتب الذي يحدد قبلا مساحته يحفر قبرا لكتابته في تلك المساحة المحدودة. إن الإنسان الذي تدعيه الكتابة إنسان جريء وصريح ومتحد أيضا. وكتابته كقوة إبداعه. إن الإبداع والقوة شيئان متلازمان. فإبداع الجماهير مثلا يكمن في قوتها وتكتلها وفي إيمانها بهذا الإبداع الذي ليس سوى نضاليتها".

لكن ما لا ينتبه إليه زريقة هنا، هو أن هذه الحرية داخل الكتابة الأدبيّة قد لا تتحكم فيها عوامل برانية، كالتي ترتبط بالكتابة النقدية التقريرية، بقدر ما تُحدّد مرماها عوامل داخلية ترتبط بالدفقة الشعورية للكاتب.

أغلفة كتب عربية للشاعر المغربي عبد الله زريقة (مواقع التواصل الاجتماعي)

الشعري والتشكيلي

أما عمله الشعري الفني "سكر المحو" (الجزائر، 2020) مع الفنان الجزائري رشيد قريشي، فإن زريقة يعاود فيه تجربة الاشتغال على اللوحة، بعد عمله الأول "تفاحة المثلث" مع التشكيلي المغربي الكبير عباس الصلادي، ففي تجربته هذه مع رشيد قريشي يوسع زريقة حدود الشعر والكلمة من خلال محاولة إقامة تماه مع اللوحة وعناق حقيقي مع مختلف العلامات البصرية العربية والأمازيغية، التي تتميز بها أعمال رشيد قريشي، أحد أبرز العلامات في التشكيل الجزائري؛ إذ تتماهى الاستعارات الشعرية والبصرية ويخترقان معا مجاهل الكينونة، حيث يتلاقى الشاعر والفنان.

يعبر زريقة عن التجربة شعرا بقوله: "سر يا هيا سر. الإبرة التي يخيط بها الوقت ثوب الأيام ضاعت. والمطر لا يمحو أي شيء حين يسقط. ستضحك بالسن التي وجدتها في التراب. وحين تبكي ستتدلى عيناك حيث تسقط دموعك. سترى البحر كله أصغر من أي حزن فيك. تريد أن تصرخ ولا يخرج منك صوت. وحتى إن مت سيسرح النسيان في جسدك بدل الدود".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يقول الشاعر العراقي أسعد الجبوري إنه يسعى بموسوعته عن الشعراء الراحلين مكافحة النسيان الذي يتعرض له شعراء عرب وأجانب، خاصة بالنسبة للأجيال المعاصرة التي سرقتها وسائل التواصل الاجتماعي من المكتبات.

يتناول هذا المقال ثقافة الذوق العام في حضارتنا؛ منطلقا من آداب المجالس ورسومها وكيف ساهمت في إنشاء نمط مميز من الثقافة الاجتماعية والآداب السلوكية، التي أطرتها عدة مدونات وجسّدتها شخصيات ورعتها طبقات.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة