أدب النضال ضد الاستعمار الأوروبي لأفريقيا

انتعش أدب المقاومة في غرب وشمال القارة السمراء في حقبة النضال ضد الاستعمار الأوروبي.

الأديب المناضل أميلكار كابرال زعيم الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر (PAIGC) عام 1971 (الفرنسية)
الأديب المناضل أميلكار كابرال زعيم الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر (PAIGC) عام 1971 (الفرنسية)

ما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، حتى برزت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، كقوتين عظميين متنافستين على الساحة الدولية؛ أسهمتا في تقويض الاحتلال الأوروبي للقارة الإفريقية، ففي خضم الحرب الباردة، وما صاحبها من استقطابات، ولدت حركات تحررية من رحم العبودية والمعاناة.

وكان لا بد لهذه الحركات الثورية من أن تلجأ إلى كل الوسائل لتحرير أرضها من مخالب المحتل، فاتخذ النضال مختلف الأشكال، فكان سلميا تارة وعنيفا طورا آخر. وانتشرت هذه الثورات كسريان النار في الهشيم، لتعمّ جلّ البلاد الأفريقية، خصوصا أواخر الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

ويحاول هذا التقرير تقديم رصد سريع لظاهرة أدب المقاومة الأفريقي، في الدول الناطقة بالبرتغالية، من خلال رسم ملاحم شخصية الأديب الثائر أميلكار كابرال الذي قاد الحركة القومية لغينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر، محاولا مقارنته بنماذج أدبية من المغرب، ناضلت ونافحت عن حياض الوطن بالقلم والكلم، من أجل بثّ الحماسة في نفوس الثوار ضد المحتل الأوروبي.

قدّم الأدب الأفريقي اللوزوفوني (المكتوب باللغة البرتغالية) كتّابا وشعراء لامعين، بعد معاناة كبيرة تحت نير الاستعمار البرتغالي الذي طال أمده إلى منتصف السبعينيات، ومن بين هؤلاء نذكر جيرمانو دي ألمايدا، وبالتزار لوبيش دا سيلفا وكلاهما من الرأس الأخضر.

ثائر ملهم

في 12 من ديسمبر/كانون الأول من عام 1924م أطلق أميلكار كابرال صرخته الأولى بمدينة يافانا، في غينيا بيساو.

وكابرال دبلوماسي، ومهندس زراعي، وكاتب وشاعر من أبوين يتحدران من جزر الرأس الأخضر، وتتلمذ على يد عمالقة الثقافة البرتغالية. واستقبله بابا الفاتيكان بولس السادس عام 1970، بمعية كل من مارسيلينو دوش سانتوش، وأغوسطينيو نيطو.

وفي 20 من يناير/كانون الثاني من عام 1973 اغتيل كابرال بمدينة كوناكري الغينية. وبعد مقتله مباشرة اشتعل فتيل الثورة في البلاد، مما أدى إلى إعلان استقلال غينيا بيساو عن البرتغال من جانب واحد. وفي غضون ذلك، نُصّب شقيقه لويش ألمايدا كابرال أول رئيس للبلاد.

حركات تحررية

وفي أعقاب تنامي الدكتاتورية الاستعمارية، منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، ولد الحزب الأفريقي لتحرير غينيا بيساو والرأس الأخضر (PAIGC)، الذي تزعمه المناضل أميلكار كابرال. كما أُنشئت (الحركة الشعبية لتحرير أنغولا) في أنغولا، بزعامة الشاعر أغوستينو نيتو الذي زار مدينة وجدة المغربية عام 1961 والتقى فيها عددا من الزعماء الثوريين الأفارقة والمغاربة، من أمثال كابرال، وبن بلة، ونيلسون مانديلا، ومحمد بوضياف، وسمورة ماشيل قائد حرب التحرير في الموزمبيق، وأول رئيس للبلاد.

وبعد عام من بداية حرب الاستقلال في أنغولا، أُسست عام 1962 "فريليمو" (جبهة التحرير الوطنية الموزمبيقية) في الموزمبيق، بقيادة إدواردو موندلان.

تأثير لينيني

وقد تبنّى الزعيم كابرال نهج الزعيم السوفياتي لينين في غينيا بيساو التي تعرف ثقافة لغوية معقدة، نظرا لوجود مجموعة من اللهجات المحلية للمجتمعات متعددة الأعراق التي تتقاسم فضاء مشتركا؛ إذ يبلغ عددها نحو 36 عرقا في مساحة ضيقة، و20 لغة أصلية، فضلا عن البرتغالية والكريولو.

وفي مقابلة مع موقع دويتشه فيله الناطق بالبرتغالية، وبمناسبة عيد استقلال الموزمبيق الذي يصادف يوم 25 من أبريل/نيسان، يرى دلمار غونسالفيش، عضو رابطة الكتاب الموزمبيقيين في المهجر أن "الأدب قد أتى أكله، إذ اضطلع بدور أساسي، وأسهم بشكل إيجابي في نضال التحرر السياسي".

ويشير دلمار غونسالفيش إلى أنه "في أثناء الستينيات، كانت كثير من النصوص التي ظهرت بعد الاستقلال قد كتبت بالفعل وقتئذ، وتداولها سرًّا في المدن المثقفون الموزمبيقيون أو أولئك الذين شعروا بحسّ الموزمبيقانية (القومية الموزمبيقية) قبل الاستقلال". وبذلك، جاز لنا أن ندرج كابرال في خانة "المثقف العضوي"، حسب تعبير الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي.

ثنائية القومية

وقد أصدر أميلكار كابرال بيانا في الأول من يناير/كانون الثاني 1973، قيّم فيه النضال من أجل تحرير غينيا بيساو والرأس الأخضر عام 1972. وحدّدت هذه الوثيقة مشروع دولة ثنائية القومية لغينيا بيساو والرأس الأخضر. ويرى مؤرخون أفارقة، مثل جوزيف كيزيربو وعلي الأمين مزروعي وكريستوف ووندجي وألبرت أدو بواهن، أن كابرال "حاول المزج بين قيم الاشتراكية والقومية من خلال الانضباط الماركسي اللينيني".

ويرتبط اسم أميلكار كابرال ارتباطا وثيقا بتحرير غينيا بيساو والرأس الأخضر. وقد اغتيل في كمين نصبته له القوات الاستعمارية، ولم يكتب له أن يرى استكمال مشروع تحرير الرأس الأخضر وبناء دولة ثنائية القومية مع غينيا بيساو. وما لبث أن صار رمزا للنضال من أجل التحرير في أفريقيا، بعد أن أسهم في تشكيل حركات تحررية أخرى، مثل الحركة الشعبية لتحرير أنغولا (MPLA).

ويقول عالم الاقتصاد الغيني كارلوش لوبيش إن كابرال "أدرك أن أساسيات النضال من أجل التحرر الوطني كانت سياسية، ومن ثمّ فلن يكون النصر ممكنا إلا إذا تمكنت حركات التحرير من التعبير عن مواقف سياسية، وعندئذ فقط يمكن تسويغ العمل العسكري".

وبدوره تبنّى "الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر" شعار "الوحدة والنضال". ومن مؤلفات كابرال "الثقافة والقومية"، و"نصوص مناهضة للاستعمار"، بتعاون مع مجموعة من الكتاب الأفارقة المناضلين، وقد تأثر كابرال بالكاتب والمناضل السنغالي الكبير ليوبولدو سيدار سانغور.

وحظي كابرال بدعم كثير من الشعوب الأفريقية ومناهضي العنصرية والاستعمار (حتى في أوروبا وأميركا). وجدير بالذكر أن منظمة الوحدة الأفريقية التي أُسست عام 1963 ساعدت حركات التحرر الوطني، بما في ذلك الحزب الأفريقي، على استقلال غينيا والرأس الأخضر.

ومع أن منظمة الوحدة الأفريقية لم تحرز سوى قليل من النتائج بعيد إنشائها، فإنها حققت انتصارات في العقد التالي، لتكون نموذجا يحتذي به بخصوص استقلال المستعمرات البرتغالية السابقة، وهي أيضا انعكاس (من منظور أفريقي) لثورة القرنفل التي اندلعت في البرتغال عام 1974م.

ليس عبثا إذن أن يلقّب كابرال بـ"معلم الثورة "، إذ إنه كان منشغلا بصناعة "إنسان جديد" قادر على العيش في مجتمع اشتراكي. وقد جسدت "المدارس التجريبية" التي أنشأها الحزب الأفريقي لتحرير غينيا والرأس الأخضر هذه الرغبة، مما أسهم في تربية الناس على القيم القومية والوطنية.

أدب مقاومة مغربي

وبخلاف الأدب الثوري الأفريقي المكتوب بالبرتغالية في غرب القارة، ازدهر في شمال القارة السمراء نموذج آخر من أدب المقاومة، ضد الاستعمارين الإسباني والفرنسي للمغرب، حيث سطعت أقلام مغربية في سماء الأدب المناهض للاستعمار، فحدا ذلك بسلطات الحماية آنذاك إلى محاولة إسكات وخنق صوت المقاومة الأدبية والثقافية.

فمُنعت بعض المجلات والدوريات التي تتناول الأفكار التحررية التي تبث الحماسة في نفوس المناضلين. وقد برز كتاب وشعراء في المغرب، سواء بالعربية أو بالأمازيغية، وكان الشعراء والشاعرات يشحذون همم المقاومين ضد الاحتلال، ولا سيما في منطقة الريف والأطلس اللتين شهدتا أشرس المعارك ضد المحتل الأوروبي، وقد خلد هؤلاء مجموعة من الآثار الأدبية والشعرية.

رقابة مشددة

وساد جوّ خانق أرجاء المغرب على شتى الأصعدة، إبان الحماية الفرنسية-الإسبانية، إذ فُرضت قيود، ومُنع تشكيل الأحزاب والجمعيات. كما شنّت سلطات الحماية حربا شعواء ضد جلّ المنابر الثقافية، وأمرت بإيصاد أبواب كثير من دور النشر والجرائد والمجلات، وضيّقت الخناق على أصحابها، فدفع ذلك المناضلين الوطنيين إلى التنديد بالاحتلال وممارساته القمعية، متوسلين في ذلك بأساليب مختلفة.

ففي الجبال حمي وطيس المعارك، وبلغ أشدّه، بين المستعمر والمقاومين. وقد حاول المحتل مسخ الهوية المغربية بشتى الوسائل، إلا أن الوطنيين تصدّوا لذلك، بإنشاء مدارس حرة، كما كان للزوايا الدينية كذلك دور جوهري في التصدي للفرنسة والأسبنة.

قصائد حماسية

وفي خضمّ بروز أدب المقاومة، وبغية إذكاء روح الحماسة في نفوس المقاومين، نسج ثلّة من الأدباء والشعراء عددا من القصائد يستحثّون فيها المغاربة على المقاومة ومناهضة كل الأشكال الاستعمارية. وكانت تلك القصائد المفعمة بروح الوطنية تلقى في المحافل بأصوات شجية، تتسلل إلى قلوب عامة الناس. وقد تلألأت نجوم من الأدباء والشعراء في سماء المغرب آنذاك، صادحة بشعر رائع جميل، ومن بين من تركوا بصماتهم في أدب المقاومة نذكر على سبيل المثال فقط، عبد الله كنون صاحب كتاب "النبوغ المغربي".

وكإخوانهم الأفارقة، تعرض هؤلاء الأدباء لشتى أساليب التعسف والاعتقال، ومن بين من اعتقل الشاعر محمد الحلوي (ت 2004م) الذي عرف بنشاطه الأدبي والسياسي المناهض للاستعمار، ومن أعماله "أوراق الخريف" وديوان "شموع"، وقد تميزت معظم قصائده باستحضار أجواء البطولة والجهاد والتضحيات الجسام التي برهن عليها المغاربة، لمّا ابتليت بلادهم بالاحتلال، وأبلوا البلاء الحسن في الذود عن الوطن، وتناول مجموعة من المعارك الكبرى التي خاضها المغاربة ضد الغزاة كمعركة "وادي المخازن" ضد البرتغاليين، و"أنوال" ضد الإسبان، و"الزلاقة" التي خاضها الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين ضد ألفونسو عاهل الإسبان عام 1086م.

وبما أن المغرب قد سبق مستعمرات البرتغال الأفريقية إلى نيل استقلاله عام 1956، فلا ريب في أن الثوار الأفارقة قد نهلوا من التجارب الأدبية والنضالية للمغاربة، خصوصا بعد زيارة كابرال ونيتو لمدينة وجدة -المتاخمة للحدود مع الجزائر- التي اجتمعت فيها نخبة من الثوار الأفارقة والمغاربة حينئذ. ولا شك كذلك في أنهم قد اطلعوا على تجربة المناضل المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي هزم الإسبان هزيمة شديدة في معركة أنوال عام 1921م، فذاع صيته، حتى قيل إن الصينيين والفيتناميين زاروا المغرب من أجل الاغتراف من هذه التجربة لتوظيفها في حربهم ضد الفرنسيين والأميركيين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

خلال السنوات القليلة الماضية، اكتسبت فكرة القضاء على مظاهر الاستعمار زخما سياسيا جديدا داخل حدود البلاد الاستعمارية القديمة، ولكن القضاء على تبعات الاستعمار لا يزال محل خلاف ثقافي كبير.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة