"الكتابة لا تطعم خبزا".. المناضل والكاتب نزيه أبو نضال يستعيد حقه بعد 40 عاما

نزيه أبو نضال أعلن نيته بيع مكتبته وتلقى اتصالات تضامن هائلة

صورة قديمة لنزيه أبو نضال (يسار) مع الأديب والروائي الأردني الراحل غالب هلسا (مواقع التواصل الاجتماعي)
صورة قديمة لنزيه أبو نضال (يسار) مع الأديب والروائي الأردني الراحل غالب هلسا (مواقع التواصل الاجتماعي)

لم يتوقف الجدل حول إعلان الكاتب الأردني والمناضل الفتحاوي نزيه أبو نضال (غطاس جميل صويص) بيع مكتبته التي تشتمل على نحو 3 آلاف كتاب، جمعها في سِني عمره بين عمّان والقاهرة وبغداد ودمشق وبيروت عند "ضيق ذات اليد" بل امتد أفقيا وعموديا ليأخذ بعدا نضاليا وسياسيا.

وبالمقدار الذي وجد إعلانه أصداء مهمة في فلسطين، فقد ترك ارتدادات في عدد من الدول العربية، ولدى العرب المقيمين في أوروبا وأميركا، الذين تواصلوا معه عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي وكتبوا على صفحاتهم الشخصية، وأثمرت الجهود التي حرّكت الماء الراكد ليستعيد الكاتب حقه بعد 40 عاما.

ومع أن أبو نضال (78) عاما أعلن من صفحته على موقع فيسبوك بيع مكتبته الموجودة في الفحيص (تبعد عن العاصمة الأردنية عمّان نحو 30 كيلومترا)، فإن الاستجابة جاءت من فلسطين، حيث تضامن الكثير من قواعد حركة فتح في رام الله بقوة مع الكاتب الأردني، ما نجمت عنه مناقشة حقوق أبو نضال، المناضل في صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني، منذ عام 1967، وأقر المعنيون بأن له حقوقا لا بد من إيفائها بأسرع وقت ممكن، بعد أن أوقفت 40 عاما.

أراشيف الثورة

كتب الشاعر مراد السوداني، الأمين العام لاتحاد الكُتاب والصحفيين الفلسطينيين، "زرت المناضل الكبير الكاتب نزيه أبو نضال في بيته قبل سنوات في جلسة طويلة، هو أحد أراشيف الثورة الفلسطينية شخصا ونصا ومكتبة تحتشد بسيرة ومسيرة الثورة وأدبياتها".

والعم نزيه، يتابع السوداني، "واحد من الطهرانيين الأوائل في سياق حركة فتح مثل الشهيدين كمال ناصر وماجد أبو شرار، والمفكر أبو إبراهيم ناجي علوش، وأبو ثائر الشهيد حنا مقبل، والمفكر حنا ميخائيل وغيرهم"، مستهجنا أن "تصل به الفاقة إلى عرض مكتبته وسيارته للبيع، فهذا والله ما لا يحتمله من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد".

ولم يمضِ وقت حتى استجاب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس أبو مازن، وكلف مدير الصندوق القومي رمزي خوري بالاتصال مع أبو نضال، من أجل "عدم بيع المكتبة التي تنقل في ما بعد إلى المكتبة الوطنية في البيرة بفلسطين، في جناح خاص باسم "نزيه أبو نضال"، وصرف راتب سفير متقاعد، ومبلغ مالي على وجه السرعة".

لكن الأمر لم يتوقف عند موقف السلطة، وإنما تلقى هاتف أبو نضال وهاتف رفيقة دربه أم نضال، آلاف المكالمات التي تسانده، من الأردن وكثير من دول العالم.

ونقل أصدقاء له عددا من المواقف، منها أن أحدهم (لم يذكر اسمه) جاء إلى بيت أبو نضال، وهو بيت مستأجر، ووضع مبلغا على الطاولة، وقال "هذا ثمن المكتبة، وتبقى عندك ما دمت حيا، وحينما تريد، أستلمها من الورثة بعد طول عمر".

كما حاول آخرون أيضا تقديم "دعم مالي"، لكنه اعتذر لهم، وكذلك أرجع شيكات كتبها أصدقاء، أعادها مع الشكر، كما رفض الدعم المالي من رفاق الداخل والخارج مع عبارة "المشكلة حلت".

جمر الموقف

ويرى الكاتب سليم النجار أن هذه المواقف تشير إلى "أن الدنيا ما تزال بخير"، وأن أبو نضال "بقي ماسكا على جمر الموقف، الذي بودل بالدعم والمحبة"، ملقيا الضوء على سيرته بأن الرجل الذي "بدأ في حركة القوميين العرب وهو في الصف الثالث الإعدادي قبل أن يلتحق بالثورة الفلسطينية (فتح) مقاتلا بعد هزيمة 67 قاطعا دراسته وهو في السنة الجامعية الرابعة، ولكن حال وضعه الصحي دون الاستمرار في القتال".

وتنقل أبو نضال في مواقع عديدة مدربا ومفوضا سياسيا وكان واحدا من 3 أصدروا جريدة فتح مع ماجد أبو شرار وحنا مقبل، كما عمل في غالبية صحف الثورة الفلسطينية منذ سبعينيات القرن الماضي، ومنها "فتح"، و"فلسطين الثورة" و"الهدف" و"نضال الشعب".

كما عمل في إذاعة فلسطين وتسلم رئاسة الاتحاد العام للكُتاب والصحفيين الفلسطينيين في لبنان 1974-1982، والتوجيه الوطني مفوضا سياسيا في قوات حركة فتح. والتحق بإذاعة الثورة خلال المجابهات العسكرية.

عاد نزيه إلى عمّان مطلع التسعينيات، وانخرط في مشهدها الثقافي فعمل في عدد المواقع مديرا للأمانة العامة لاتحاد الكتاب العرب حينما كان مقره بعمان، ومديرا لتحرير مجلة "تايكي" الخاصة بالإبداع النسوي وتصدر عن أمانة عمان الكبرى، فضلا عن نشاطه في الكتابة لصحيفتي الدستور والرأي تباعا وعدد من المجلات أهمها مجلتا "أفكار" و"عمان".

حدث ذلك قبل أن تتعرض الصحف لانتكاسة وتوقف مكافآت الكُتاب والأدباء، فغاب عن المشهد الصحفي طوعيا، لقناعته أن الكاتب لا ينبغي أن يقدم عصارة جهده ووقته وعقله مجانا، فضلا عن أن موقفه وتاريخه حالا دون أن يشغل أي موقع ثقافي رسمي. كما أن موقفه السياسي ظل يحول دون موافقته المشاركة مع بعض القنوات الفضائية.

الأردني الفلسطيني العروبي

أبو نضال المولود في عمّان عام 1943، حاز جائزةَ غالب هلسا للإبداع الثقافي من رابطة الكتّاب الأردنيين عام 1993. وفي الأردن قدم دراسات مهمة اختصت بإبداعات المرأة وظهرت في كتابين هما "تمرد الأنثى" و"حدائق الأنثى"، وفي الوقت نفسه عمل في يومية "آخر خبر"، وأسبوعية "عبدربه" الساخرة، وأعد عددا كبيرا من البرامج الدرامية للإذاعة الأردنية وتلفزيونها.

وأعد -وهو السلطي الأردني المسيحي العروبي- الكثير من الأعمال الدرامية التي تتناول التاريخ العربي والإسلامي، ومنها "ابن المقفع"، و"أبو ذر الغفاري". وفاز في مهرجانات الإذاعات العريبة في مصر وتونس بـ6 ميداليات ذهبية وفضية وبرونزية وهو صاحب نشيد فتح:

بلادي بلادي بلادي   فتح ثورة عالأعادي

من اليمين: أبو نضال مع الشاعر والسياسي الفلسطيني عبدالكريم الكرمي ومواطنه الكاتب والصحفي خالد أبو خالد والروائي يحيى يخلف (مواقع التواصل الاجتماعي)

وأبو نضال متزوج من نينا جدع التي درست في الجامعة الأميركية وهي من حيفا، وهو أب لمها ونضال وله 4 أحفاد، وقد أصدر أكثر من 25 كتابا في الأدب والنقد والدراسات السياسية الفكرية، منها "جدل الشعر والثورة"، و"مواجهات سياسية"، و"أدب السجون"، و"علامات على طريق الرواية في الأردن"، و"غالب هلسا"، و"شهادات روائية على زمن التحولات والانكسارات"، وكذلك "في مواجهة عقلية التسوية"، و"المثقفون في التجربة"، و"حصار بيروت"، و"الساخرون"، و"القصة القصيرة في الأردن"، فضلا عن "مذكرات أبو إبراهيم الكبير" و"الكاشف الفلسطيني"، و"معجم أدباء وكتاب فلسطين" 6 أجزاء (بالاشتراك مع عبد الفتاح القلقيلي).

الكتابة لا تطعم خبزا

غير أن الكاتب الأردني يرى أن "الكتابة لا تطعم خبزا"، مشيرا إلى أن مصدر رزقه كان من الدراما والكتابة للصحف والمجلات وبعض الأنواع الإعلامية غير الحكومية.

ممثلا على ذلك بالقول إن كتاب مذكراته الذي حمل عنوان "من أوراق ثورة مغدورة" حاوره فيه الباحث الفلسطيني د. زياد منى، وتناول ليس سيرة الرجل، فحسب، بل الخلفيات والشروط الاجتماعية والثقافية التي قادته للالتحاق بالثورة الفلسطينية، يقول "حين تنهزم الجيوش في الحرب تتقدم الجماهير للقتال، وبالمناسبة الكتاب ممنوع في الأردن، طبع في عدة طبعات في لبنان وفلسطين ووزعت منه آلاف النسخ، ولكن لم يدخل جيب المؤلف قرش واحد من بيع الكتاب".

قال أبو نضال "حين أعلنت عن بيع مكتبتي كنت أنتظر فقط هاتفا من بعض المكتبات، ولم أعد أصلا أفكر في راتب أو حقوق (من فتح التي أوقفت حقوقه منذ عام 1983)، وإذا بانفجار طوفان المحبين ممن قاتلنا وناضلنا معا أو ممن قرؤوا واهتموا".

المعارضة والموالاة

قال الشاعر مراد السوداني على صفحته بموقع فيسبوك "ثمة فرق بين معارضة مأجورة ومعارضة واجبة وطنية سياقها التصويب وليس الهدم"، واعتراف الرئيس عباس أن "ثمة مظالم للكُتّاب نعمل على حلها، ولا نكف عن المتابعة، فهذا حقهم، وهو واجبنا جميعا ولا نشكر عليه، الكُتّاب هم من يحفظون الحلم من الخلخلة".

ولكن قضية نزيه أبو نضال لها سياق مغاير يشي بالصراع بين المعارضة والموالاة، يقول أبو نضال إن "القضية في جوهرها ليست قضية مكتبة وكاتب وراتب شهري بل قضية موقف وحق.. مَنْ مع فلسطين حرة عربية من بحرها لنهرها، ومَنْ مع مساومة أوسلو التي أوصلتنا إلى الجحيم.. هذا هو موقفي وبسببه دفعت الثمن وما أزال مستعدا لدفعه".

المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

حول هذه القصة

بدافع الحنين إلى الماضي قبل النكبة، بنى الهاوي الفلسطيني محمد الفقيه كوخًا من الطين على أرض مجاورة لمنزله في منطقة الزرقاء بمدينة غزة، اختصر به ولعه الشديد بإرث الآباء والأجداد.

19/2/2021
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة