صناعة الترجمة.. هل يتغلب الذكاء الصناعي على الإنسان؟

ارتفع الطلب العالمي على برامج وآلات الترجمة الفورية، لينتقل من 500 مليون دولار سنة 2016 إلى مليار دولار سنة 2021.

عدد شركات الترجمة في بريطانيا يصل إلى 1600 شركة (غيتي)

لندن- لسنوات عديدة، تعوَّد المشاهد العربي على رؤية الأعمال الأميركية خصوصا مترجمة إلى العربية، سواء بالنص أو الصوت، قبل أن تدخل المنصات الرقمية على الخط وتفتح الباب لأسواق جديدة باتت تنافس الأعمال الأميركية في نسب المشاهدات.

وهذا ما حدث مع سلسلة "لعبة الحبار" (Squid Game) التي تعتبر السلسلة الأكثر مشاهدة على منصة "نتفليكس" (Netflix)، وسلسلة "لا كاسا ديل بابيل" (La Casa De Papel) الإسبانية وغيرها من الأعمال.

ومع انتشار هذه الأعمال، زادت الحاجة لخدمات الترجمة التي تساهم في انتشار مثل هذه الأعمال في العالم.

وفي بريطانيا التي تعتبر ثاني سوق ترجمة في العالم بعد الولايات المتحدة، تعتبر هذه الصناعة نشاطا "يبيض ذهبا" لأصحابه رغم حالة الاحتكار التي يعيشها.

إلا أن المترجمين في بريطانيا باتوا يواجهون منافسة شرسة من وافد جديد، وهو برامج الترجمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي (AI) الذي يعرف هو الآخر زيادة في الطلب عليه.

الطلب العالمي على برامج وآلات الترجمة الفورية ارتفع من 500 مليون دولار سنة 2016 إلى مليار دولار سنة 2021 (غيتي)

صناعة رابحة

ويستفيد سوق الترجمة في بريطانيا من التنوع الثقافي الموجود في البلاد، بوجود 300 لغة ولهجة مختلفة، ولهذا يرتفع الطلب على خدمة الترجمة فيه.

وبحسب الجمعية البريطانية لشركات الترجمة، فإن قيمة هذا القطاع تبلغ 1.5 مليار دولار، مع توقعات باستمرار ارتفاعه حتى سنة 2025، ويعتبر السوق البريطاني للترجمة الثاني من حيث الحجم بعد السوق الأميركي.

ورغم تعدد شركات الترجمة التي يصل عددها إلى 1600 شركة، فإن السوق يعرف حالة من الاحتكار، وذلك لأن 20% فقط من هذه الشركات هي التي تستحوذ على 80% من أنشطة السوق.

ومع ذلك، فهذا لا يمنع من أن شركات الترجمة صغيرة أو من يشتغل مترجما حرا، يجد الكثير من الإقبال على خدماته من قبل الهيئات الحكومية خصوصا.

إنفاق دون حساب

تبقى المؤسسات الحكومية هي الأكثر طلبا لخدمات الترجمة، وهو ما يؤكده محمد أنس الذي يملك شركة للترجمة من العربية إلى الإنجليزية، في حديثه للجزيرة نت.

يقول أنس "نشتغل كثيرا مع المؤسسات الحكومية وخصوصا هيئة الصحة البريطانية"، التي تنفق سنويا على خدمات الترجمة حوالي 150 مليون دولار، وهو يفسر هذا الرقم المرتفع بكون "المستشفيات لديها ميزانية شبه مفتوحة لطلب خدمة الترجمة وبشكل مستعجل".

وقدم مثالا لذلك ما حدث معه عندما بدأ هذا النشاط: "مرة اتصل بي المستشفى، وطلبتُ 30 دولارا للساعة، فوافقوا على الفور، لأكتشف بعدها أنهم يتعاقدون مع شركات مقابل 150 دولارا للساعة، وهو رقم مرتفع جدا".

وبالنظر للطلب المتزايد على خدمات الترجمة، فقد أكد محمد أن عددا من المؤسسات لم تعد تطلب حتى شهادات تظهر أن المترجم معتمد، ولكن يكفي فقط قدرته على فهم اللغة المطلوبة وترجمتها للإنجليزية.

وعن ترجمة الأعمال الفنية، فقد أكد المتحدث نفسه أن المنصات الرقمية الكبرى تفضل العمل مع شركات كبرى مثلها، إلا أن هذا لا يمنع أن نشاط الترجمة إلى العربية انتعش في عدد من دول الشرق الأوسط، حيث كلفة الخدمة أقل مقارنة بالدول العربية.

هل يتغلب الذكاء الصناعي على الإنسان في الترجمة؟يستبعد مترجمون أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر في ميدان الترجمة (غيتي)

المنافس الآلي

ارتفع الطلب العالمي على برامج وآلات الترجمة الفورية، لينتقل من 500 مليون دولار سنة 2016 إلى مليار دولار سنة 2021.

ودخلت برامج الترجمة الآلية بقوة في مجال الترجمة، وسط مخاوف من قدرتها على تعويض الإنسان.

يؤكد الأستاذ الأميركي المتخصص في الابتكار والمعرفة توم دافنبورت، في مقال له في مجلة فوربس (Forbes)، أن ما يسميه الجدل حول برامج من قبيل "غوغل ترانسليت" (google translate)، و"مايكروسوفت ترانسليتور" (Microsoft Translator)، و"آي فلاتيك" (iFlytek)، وإمكانية تعويضها للإنسان هو مجرد "ضجيج".

ورغم اعترافه بأن التكنولوجيا تشق طريقها بنجاح في ميدان الترجمة، فإنه يعتبر أن الترجمة الآلية تنفع فقط مع "المحتوى العام الذي يحتاجه السائحون أو متصفحات الإنترنت".

أما الترجمة الاحترافية العالية الجودة، "فهي ما زالت تحتاج للبشر القادرين على ترجمة الكتب والمقالات والوثائق القانونية"، مستدلا على أهمية البشر في عملية الترجمة بأن أعداد المترجمين في تزايد مستمر.

الآلة من دون شعور

تستبعد غادة محمود، وهي مترجمة معتمدة لدى عدد من المؤسسات البريطانية، أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر في ميدان الترجمة، وتستدل على ذلك -في حديثها للجزيرة نت- بعدم قدرة الآلة على التعامل مع الكثير من الحالات الإنسانية.

وتقول: "أحيانا يتم استدعاؤنا من قبل الشرطة للحديث مع أشخاص تم القبض عليهم بعد دخول البلاد بشكل غير نظامي، ويقولون إنهم سوريون أو عراقيون للحصول على اللجوء، ثم نكتشف أنهم إما من دول أخرى أو حتى أجانب تعلموا بعض الكلمات العربية في طريقهم نحو بريطانيا".

وأضافت غادة أن التمييز بين اللهجات لا يمكن لآلة أن تكتشفه، مقدمة مثالا آخر: "في الكثير من المستشفيات حاولوا تجريب تقنيات الترجمة الآلية، إلا أن الأمر لم ينجح. وعلى سبيل المثال، فالقرنية مقابلها في المترجم الآلي هي (cornea) لكن المريض لن يفهم ما معناها، لهذا يحتاج لشخص يشرح للطبيب الأعراض".

أما عن ترجمة المسلسلات العالمية، فأكدت غادة -في حديثها مع الجزيرة نت- أنه "فيما يتعلق باللغة العربية، فإنها تعرف تطورا مستمرا، لأنه في البداية كان الاعتماد على الترجمة الآلية، وكانت الأخطاء كارثية، أما الآن فيتم الاعتماد بشكل أكبر على مكاتب متخصصة في اللغة العربية".

المصدر : الجزيرة