رحيل شيخ المستشرقين الألمان جوزيف فان إس

فان إس نال درجة الدكتوراه من جامعة بون عن أطروحته "التصوف الإسلامي" (مواقع التواصل)

يعدّ المستشرق الألماني جوزيف فان إس، الذي رحل قبل أيام عن 87 عاما، شيخ المشتغلين الألمان في حقل الدراسات الإسلامية في ألمانيا، نظرا لكتبه العديدة، ومشاركاته، وعمله على مدى أكثر من 50 عاما في هذا المجال.

وجوزيف فان إس ولد في مدينة آخن في عام 1934، وتوفي في 20 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي في مدينة توبنغن التي درّس في جامعتها "إيبرهارد كارلس" حتى تقاعده في عام 1999، درَس بين عامي 1953 و1957 الدراسات الإسلامية، العربية والتركية والفارسية، والفلسفة الكلاسيكية وفلسفة القرون الوسطى في جامعتي بون وفرانكفورت أم ماين.

التصوف الإسلامي

وفي عام 1959 نال فان إس درجة الدكتوراه من جامعة بون عن أطروحته "التصوف الإسلامي"، وأشرف على رسالته في ذلك الوقت المستشرق الألماني المعروف هلموت ريتر (1892-1971)، وهو مستشرق اشتهر بتحقيقه لمخطوطات عربية وفارسية وتتلمذ -بدوره- على يدي كبار المستشرقين الألمان: ثيودور نولدكه (1836-1930)، وكارل بروكلمان (1868-1956) الذي نال الدكتوراه عن أطروحته "تاريخ القرآن" وهو في الـ20 من عمره.

كل ذلك يدل على الحظ الكبير الذي رافق فان إس، بنهله من منابع الاستشراق الألماني، ممن سبقوه بعقود، وهذا يُفسر -من جهة أخرى- الضغط الكبير على عاتقه في أن يكمل تدريس وشرح واستنتاج أفكار معلميه الكبار.

بعد نيله الدكتوراه كان لا بد لفان إس من أن يقدم أطروحة أخرى تؤهله لنيل الأستاذية في اختصاصه، وقد نالها في عام 1964 عن أطروحته "نظرية المعرفة لدى المدرسة الإسلامية" التي ناقشها في جامعة فرانكفورت.

وفي الوقت الذي فتحت له الأبواب للتدريس في قسم الدراسات الشرقية أو الإسلامية في مختلف الجامعات الألمانية، سافر فان إس للتدريس في منصب أستاذ زائر في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس الأميركية (1966-1967)، ثم درّس في الجامعة الأميركية في بيروت في السنة الدراسية التالية.

في عام 1968 التحق فان إس بالمستشرق الشهير رودي باريت (1901-1983)الذي ترجم القرآن إلى اللغة الألمانية، في جامعة توبنغن ليعمل أستاذا متفرغا في كرسي "الدراسات الإسلامية والدراسات السامية".

ورغم شهرته في الاستشراق والدراسات الشرقية والإسلامية، فإن ابنيه لم يتابعا طريقه في ذلك، بل سلكا طريقين مختلفين، وإن كانا متفرعين عن عمل والدهما، فابنته مارغريت فان إس عالمة آثار في الشرق الأدنى، وابنه هانس فان إس تخصص في علم الصينيات والمنغوليات.

علم الكلام

اشتهر فان إس في أوروبا والعالم العربي بموسوعته الضخمة "علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث الهجريين" التي صدر الجزء الأول منها بالألمانية عام 1991، وصدر جزؤها الأخير عام 1996، وتُرجم إلى العربية، حتى الآن، المجلدان الأول والثاني، وصدرا عن دار الجمل.

وبسؤال مدير دار الجمل الكاتب العراقي خالد المعالي عن إصدارها فقط الجزأين الأول والثاني، قال للجزيرة نت إن العمل لم يتوقف، وستصدر الأجزاء الأربعة الباقية قريبا، وأوضح أنه "في عام 2022 سيصدر الجزآن الثالث والرابع، على أن يليهما الجزآن الخامس والسادس في عام 2023".

وبسؤاله عن خيبة أمل بعض القرّاء والباحثين والمراجعين من مستوى ترجمة الجزأين الأول والثاني، قال للجزيرة نت "لقد شابت الترجمة التي صدرت بعض الإشكالات، خصوصا الجزء الأول الذي روجع في ما بعد وأعيد نشره من جديد، لكن ترجمة الجزء الذي روجع أيضًا، قبل صدوره، فيها بعض الهنات".

ومن أجل عدم الوقوع في هذه الإشكالية أوضح المعالي أن الأجزاء التالية ستكون بإشرف الدكتور عبد السلام حيدر، وهو سيعيد أيضًا بمراجعة الجزأين الأول والثاني بطبعتهما التي ستصدر لاحقا.

وعن سبب تأخر ترجمة الأجزاء الباقية، قال المعالي إنها تأخرت لكثرة وعود المترجمين من ذوي الاختصاص الذين لم يفوا بها، وأيضا بسبب كثرة وعود المراجعين التي لم يفوا بها أيضا، مؤكدا أن دار النشر، رغم كل هذه السلبيات والتأخير، وجدت أخيرا الحل لتقديم هذه الموسوعة للقارئ العربي، وكذلك للدارسين والباحثين.

فان إس اشتهر في أوروبا والعالم العربي بموسوعته الضخمة "علم الكلام والمجتمع"(الجزيرة)

آراء صادمة

وقدم فان إس كثيرا من المؤلفات، منها كتابه "فكر الحارث المحاسبي" (صدر عام 1961)، وكتابه "نظرية المعرفة عند عضد الدين الإيجي" (1966)، و"الثقافة الإسلامية القديمة" (1970)، و"كتابات معتزلية قديمة" (1971)، و"كتاب النكت للنظام" (1972)، و"بين الحديث وعلم الكلام" (1975)، وصولا إلى كتابه الأخير "الواحد والآخر، ملاحظات على نصوص البدع الإسلامية-جزآن" (2011).

الدكتور السيد محمد الشاهد ترجم وقدم الجزء الخاص من حوار الدكتور هانس كونج مدير معهد أبحاث توحيد الكنائس التابع لجامعة توبنغن، والمستشرق جوزيف فان إس، وأصدره بالعربية في عام 1994، في كتاب بعنوان "التوحيد والنبوة والقرآن في حوار المسيحية والإسلام"، وهو الجزء الخاص بهما ضمن كتاب "المسيحية وديانات العالم" (صدر في ميونخ عام 1984).

يقول الشاهد في تمهيد هذا الكتاب "وجدير بالذكر أن موقف فان إس من الإسلام غير واضح تمامًا، فهو إذا تحدث عن الدين الإسلامي من ناحية العقيدة وأركان الإسلام والقرآن والسنة نراه يأخذ موقفًا ناقدا قاسيا، خاصة إذا كان يتحدث إلى جمهور من المسيحيين شفاهة أو كتابة، أما إذا كان يتحدث عن الفكر الإسلامي فهو يميل إلى إنصاف هذا الفكر ودوره في الحضارة الإنسانية، ولا يفوتني هنا أن أعترف له بذكاء وبعد نظر وإلمام كبير بكثير من فروع العلوم الإسلامية، وهذا ما يعترف به أيضا أغلب المستشرقين المعاصرين".

ثم يقول في مكان آخر "وأذكر جيدا ما قاله المستشرق الأستاذ فان إس عندما عرضت عليه رغبتي في ترجمة مقالاته عن الإسلام إلى اللغة العربية، فقد قال لي إن ما يكتب عن الإسلام للقارئ المسيحي في بلد مسيحي ينبغي أن يختلف عما يكتب عن الإسلام للقارئ المسلم في بلد مسلم مراعاة لشعور أبناء الدين الإسلامي".

ومع ذلك، لا يمكن نكران الجهد الذي قدمه جوزيف فان إس -وكذلك كثير من المستشرقين الألمان على وجه الخصوص- في أبحاثه الكثيرة والمثيرة للنقاش، وهو كان أحد الذين "قدموا آراء جريئة وصحيحة مثل إثبات نبوة الرسول وإلهية مصدر القرآن، وتصويبات جذرية لمفاهيم خاطئة عن الإسلام وإثبات لتحريفات في الأناجيل وفي الأصول الحالية لعقيدة النصرانية مثل إنكار التثليث والبنوّة وعصمة البابا"، كما يستدرك الدكتور السيد محمد الشاهد.

المصدر : الجزيرة