الكاتبة والمرشدة السورية كفاح علي ديب: مشاريع متحف الفن الإسلامي في برلين تعمل على توثيق وحفظ التراث السوري

الفنانة التشكيلية والمرشدة السياحية السورية كفاح ديب (الجزيرة)

لم تكن الفنانة السورية كفاح علي ديب مجرد مرشدة سياحية تعرف اللاجئين وغيرهم من سكان مدينة برلين على التراث الفني السوري والعالمي، بل ناشطة مدنية ذات جرأة وكاتبة ملتزمة بقضايا سوريا منذ بداية الربيع العربي إلى الآن.

فقد خبرت عميقا دروب اللوحة الفنية وجرح السياسة والعمل الإبداعي، وراحت، السنوات القليلة الماضية، تراكم منجزا جماليا توازي فيه بين قلق اللوحة المسندية وفتنة الكتابة ومغامراتها القصصية المخصصة للأطفال لتتوجها بعملين قصصيين: "نزهة السلحفاة" (عام 2012) و"مغامرات كبريتة" (عام 2018).

لكن في تخوم مسار رحلتها بين اللوحة والكتابة، عملت كفاح مرشدة سياحية داخل بعض متاحف برلين من خلال تقديم التراث الفني السوري للآخر الأجنبي، مما جعلها من الوجوه الأدبية والفنية السورية التي عملت رمزيا على ترميم الذاكرة السورية، بما يجعلها محورا للتبادل المعرفي والتلاقح الثقافي، وقد أضحت تأخذ بعدا كونيا في فكر الآخر ووجدانه.

في هذا الحوار، تقف الجزيرة نت مع هذه الكاتبة والفنانة والمرشدة السورية عند حدود الاشتغال بين الفن والكتابة، والتراث الفني السوري داخل المتاحف الغربية ومدى تأثيرها في بنيته الثقافية المعاصرة:

بدايات أدب الأطفال

  • أنت مقيمة في برلين منذ 2014 تعملين مرشدة داخل عدة متاحف غربية. ما الذي بقي لك من ذاكرة دمشق والطفولة والصبا؟

بقي من دمشق صباغ شمسها والنمش على بشرتي، وبقي ملمس حجارة أرصفة شوارع الشام في ذاكرة أقدامي. بقي الأصدقاء والأحبة في القلب. وأكثر ما بقي ذكريات سنواتي الأخيرة في دمشق قبل أن أغادرها مكرهة، تلك السنوات القصيرة/المديدة التي صرخنا فيها: حرية. وبقي من دمشق التجارب القاسية، القلق على المستقبل، والرعب من رجال الأمن الذين ما زالوا يعاودون الحضور مراراً وتكراراً في كوابيسي.

  • رغم تخرجك من كلية الفنون الجميلة بدمشق، فقد سبق لك الفوز بجائزة الشارقة لأدب الأطفال. كيف تعيشين هذا التعدد بين الفن وكتابة الطفل والعمل مرشدة داخل المتاحف؟

من وجهة نظري الفن أو الأدب بمختلف أشكالهما، إن كانا للأطفال أو للبالغين، ما هما إلا تقديم لتجاربنا وأفكارنا وخبراتنا الشخصية وتجارب وأفكار وخبرات الآخرين حولنا.

التواصل مع الناس، تبادل الخبرات والإصغاء لقصصهم، يعتبر بالنسبة لي نبعاً من الإلهام، أنا أرسم وأكتب لأكون قريبة من الناس بطريقتي، وأنا أعمل مرشدة ضمن مشروع ملتقى المتاحف في برلين، لنفس السبب، أي لأكون قريبة من الناس، لتتاح لي الفرصة للتّعلّم منهم، والإصغاء لأفكارهم وتجاربهم، لتبادل الأفكار والخبرات وتشارك الذاكرة.

أعمال قصصية

  • توجت كتاباتك في أدب الطفل بمؤلف "نزهة السلحفاة" إلى أي حد أثرت الحرب السورية في تشكيل معالم هذا الكتاب وعنايته بعوالم الطفل المتخيلة؟

كنت قد كتبت مجموعة "نزهة السلحفاة" قبل أن تنطلق الانتفاضة/الثورة في سوريا، وبعدها كتبت مجموعة ثانية بعنوان "مغامرات كبريتة" صدرت عام 2018 وأنا الآن أعمل على إنهاء كتابة مجموعتي الثالثة.

في المجموعات الثلاث، ابتعدت عن الخوض في آثار الحرب، كنت قريبة إلى الطبيعة، القيم الإنسانية العليا، المغامرة، الدهشة وحب الاستكشاف والمعرفة، بعيدة أيضاً عن الأيديولوجيات الدينية والسياسية وعن الصور النمطية والأسلوب التعليمي التلقيني الذي نجده في الكثير من كتب الأطفال في عالمنا العربي.

في كتاباتي أنا أتوجه للطفل، أي طفل، أينما كان وأياً كانت البيئة التي ينشأ فيها.

أحد إصدارات الفنانة كفاح عام 2018 (مواقع التواصل)

آثار متنوعة

  • بصفتك مرشدة فنية، ما طبيعة الصورة التي ترسمينها للتراث العربي داخل المتاحف في برلين؟

في متاحف برلين: متحف "الشرق الأدنى القديم" ومتحف "الفن الإسلامي" توجد قطع أثرية وتراثية عديدة ومتنوعة تُطلع الزائرين على تاريخ وحضارة وفنون مجتمعات البلدان العربية اليوم، مثلاً تعكس آثار حضارات ما بين الرافدين (السومرية الآشورية والبابلية والأرامية) التنوع والغنى التاريخي والميثولوجي لسكان المنطقة، وعبر تتبع تاريخ المنطقة يمكن اكتشاف أثر كل هذه الحضارات ببعضها، وكذلك بمجتمعاتنا اليوم، فشعوب منطقة الشرق الأوسط (العراق، سوريا، فلسطين، لبنان والأردن) ما تزال حتى اليوم تمارس الكثير من العادات التي كان تمارسها شعوب المنطقة قبل أكثر من 5 آلاف عام قبل الميلاد.

ومازالت في لهجاتنا المحلية الكثير من المفردات الآرامية والآشورية، نستخدمها في حياتنا اليومية، ربما دون أن يعرف الكثيرون أن هذه المفردات ليست عربية.

كثيراً ما أتحدث مع الزوار عن هذا الروابط الحضارية بين سكان المنطقة واستمرارية الثقافات، وكيف يمكن أن نرى جزء كبير من ثقافات شعوب المنطقة كاستمرار لثقافات كانت حية وغنية قبل آلاف السنين

لذلك كثيراً ما أتحدث مع الزوار عن هذا الروابط الحضارية بين سكان المنطقة واستمرارية الثقافات، وكيف يمكن أن نرى جزءا كبيرا من ثقافات شعوب المنطقة استمرارا لثقافات كانت حية وغنية قبل آلاف السنين، ونركز في نقاشاتنا على التنوع والغنى الثقافي لسكان المنطقة والروابط الثقافية العديدة التي تجمعهم.

تراث سوري ببرلين

  • ماذا عن الأعمال السورية من آثار ولقى ولوحات، كيف يتم تقديمها إلى المجتمع الألماني، خاصة وأنك تقومين بهذه العملية للاجئين السوريين وباقي العاملين بحقل الفن في برلين؟

في متحف الشرق الأدنى القديم ومتحف الفن الإسلامي ومتحف الفن البيزنطي عشرات القطع من سوريا. كثيراً ما يسألني الزوار: كيف وصلت هذه القطع إلى هنا "هل سُرقت"!؟

بناء على سؤالهم هذا نفتح نقاشات حول حقيقة الوضع القانوني للقطع الأثرية في المتاحف الألمانية. وعن حماية الممتلكات الأثرية والدعوات لإعادتها وأهمية حماية الثقافة والتراث، بعد هذه النقاشات غالباً ما نتفق على أنه من الجيد أن نجد هذه القطع محفوظة بطريقة تليق بها وبتاريخها.

ومن الجميل أن يكون ممكناً مشاركتها مع زوار المتاحف أولئك الذين يأتون من مختلف بلدان العالم، ففي النهاية هذه القطع أرث للإنسانية وليست حكراً لشعب بعينه.

خصوصاً إذا ما قارنا وضع هذه القطع، وطريقة حفظها في متاحف ألمانيا، بوضع قطع مشابهة لها بقيت في بلداننا الأصلية ودمرتها الحرب أو جهات متطرفة مختلفة. أو نجدها متروكة بإهمال في مواقعها.

بذرة التعاون

  • هل هناك ثمة تعاون بينك وبين المؤسسات الألمانية لحفظ الذاكرة السورية وتراثها وترميمها والحفاظ عليها والتعريف بها داخل المجتمع الألماني؟

يوجد عدة مشاريع من متحف الفن الإسلامي في برلين تعمل على توثيق وحفظ التراث السوري. يعمل في هذه المشاريع العديد من السوريين والسوريات والألمان المختصين والمتخصصات بالتاريخ والتراث. وللأسف أنا لست مختصة في هذين المجالين، لذلك يقتصر عملي على عمل جولات ثقافية ضمن مشروع ملتقى المتاحف التابع أيضاً لمتحف الفن الإسلامي في برلين.

  • تعملين بمشروع لمتحف الفن الإسلامي في برلين. ما الذي تقولينه للقارئ العربي وأي دلالة رمزية يكتسيها للفنانين السوريين داخل برلين وخارجها؟

في ديسمبر/كانون الأول 2015 بدأ متحف الفن الإسلامي، وبالتعاون مع 3 متاحف أخرى في برلين، بالعمل على المشروع بهدف تدريب اللاجئين والمهاجرين من أصل سوري وعراقي ليصبحوا أدلاء متحفيين يقدمون جولات للاجئين بلغتهم الأم.

المتاحف الأربعة تغطي حقباً من التاريخ بدءاً من تاريخ الشرق الأدنى القديم، مروراً بالإمبراطورية البيزنطية والحقبة الإسلامية وصولاً إلى التاريخ الألماني الحديث. وبذلك تربط هذه المتاحف ما بين تاريخ البلدان الأم للاجئين والمهاجرين وتاريخ البلد الذي استقبلهم. تجري الجولات وتتم النقاشات حول مجموعات مختلفة من القطع المعروضة، وهكذا يمكن للزوار اكتشاف المتاحف بدون حواجز لغوية.

ويهدف المشروع أيضا إلى تسهيل تبادل الخبرات الثقافية وتشجيع اللاجئين على المشاركة في النشاطات الثقافية.

كما أن هذا المشروع، بالإضافة إلى كونه موجها للاجئين والمهاجرين بشكل عام، يمكن أن يكون وجهة مهمة وغنية للمختصين العاملين في المجال الثقافي، من فنانين وكتاب وآثاريين وغير ذلك. فمن خلال المشروع يمكنهم الاطلاع على تجارب فنية وثقافية عديدة والتعرف على وجهات نظر مختلفة حول المعروضات والتراث والربط بين تجارب الشعوب من خلال الاطلاع على التاريخ الألماني ومقارنته بتجارب البلدان التي ينتمون إليها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يمتد التنافس الثقافي بين ألمانيا وفرنسا إلى تاريخ بعيد يعود بجذوره إلى زمن الإغريق والقبائل الجرمانية والفرنجة. وفي العصور الحديثة استمر التوتر بين البلدين الأوروبيين في إشعال الصراع السياسي بينهما.

Published On 12/1/2021
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة