ديار بكر.. نقطة وصل تاريخية بين الأناضول وإيران والعراق والشام

في 2015، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (يونسكو) أسوار مدينة ديار بكر الأثرية ضمن قائمة اليونسكو للتراث الإنساني.

سكان ديار بكر يعتقدون أن أسوار قلعة مدينتهم تعد ثالث أهم أسوار العالم (الجزيرة)

 ديار بكر- تحمل مدينة ديار بكر التركية بين جوانبها ثراءً تعاقبت عليه 33 حضارة متنوعة عبر 8 آلاف عام، حيث تجذب آلاف السياح والمثقفين المحليين والأجانب، لما تتمتع به من أهمية دينية وسياحية كبيرة، من خلال مساجدها وكنائسها وقلاعها وأسوارها وقبورها وأنهارها.

وتعد ديار بكر عاصمة كبرى الولايات ذات الأغلبية الكردية في تركيا، وتقع جنوب شرقي البلاد، وهي نقطة وصل تاريخية بين الأناضول وإيران والعراق وسوريا.

وتقع على ضفاف نهر دجلة، وتعد الحد الشمالي الشرقي للأقاليم السورية الشمالية التي خضعت لتركيا بموجب معاهدة لوزان الموقعة بين تركيا والحلفاء نهاية الحرب العالمية الأولى.

وتبلغ مساحتها 15 ألفا و272 كيلومترا مربعا، وتصنف إداريًّا ضمن إقليم الأناضول الجنوبي الشرقي، وجغرافيًّا تعد جزءا من الجزيرة الفراتية التي تتميز بخصوبة الأرض ووفرة المياه.

زوار يأتون باستمرار لزيارة قبور منسوبة لصحابة وقراءة الفاتحة بجوار جامع سليمان بن خالد بن الوليد (الجزيرة)

إرث انساني

وفي السياق، يذكر أستاذ التاريخ في جامعة دجلة بديار بكر أحمد أرسلان للجزيرة نت أن الحفريات تُظهر وجود آثار حياة بشرية في المدينة منذ أكثر من 8 آلاف سنة، وأول حضارة كبيرة تركت آثارها واضحة في ديار بكر كانت حضارة الحوريين، الذين جعلوا منها عاصمتهم العسكرية والتجارية، وحكمت من قبل السومريين والميديين والحثيين والآشوريين والأرمن والسلوقيين والبارثيين.

ويقول أرسلان "سيطر عليها الرومان عام 66 قبل الميلاد، وأطلقوا عليها اسم آميدا، وبعد الرومان وقعت تحت سيطرة الفرس عام 359 للميلاد، ثم انتقلت من أيديهم إلى المسلمين العرب عام 639 في فترة الحكم الأموي، فتغير اسمها إلى ديار بكر؛ لأن أغلب من استوطن المدينة كانوا من قبيلة بني بكر بن وائل".

ويوضح أن ديار بكر تنقلت تحت سيطرة الدول والإمارات الإسلامية التي تعاقبت على المنطقة، وبعد معركة ملاذ كرد عام 1071 للميلاد سيطر عليها الأتراك السلاجقة، ثم الأراتقة، ثم الأيوبيون الذين حكموها مدة قرن كامل، قبل أن يسيطر عليها المغول ثم التركمان.

ولفت المؤرخ التركي إلى أن المدينة شهدت في فترة الجمهورية التركية بعد عام 1923 زيادة كبيرة في عدد السكان ومستوى النشاط الاقتصادي، وخلال فترة إعادة تشكيل الولايات التركية في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين اختيرت ديار بكر بوصفها مدينة كبرى لتكون عاصمة لكبرى الولايات ذات الأغلبية الكردية في تركيا.

جانب من جامع ديار بكر الكبير من عهد السلطان ملك شاه السلجوقي (الجزيرة)

أبرز المعالم

من أبرز معالم ديار بكر المساجد التاريخية، مثل جامع ديار بكر الكبير من عهد السلطان ملك شاه السلجوقي وجامع بهرام باشا العثماني وجامع إسكندر باشا ومنارة الأقدام الأربع.

وتضم المدينة أيضا كنائس تاريخية، منها كنيسة جرجيس الأرمنية الأرثوذوكسية من القرن 19، والكنيسة السريانية من القرن الميلادي الأول، وفي المدينة عشرات المتاحف؛ من أهمها متحف العصور التاريخية الممتدة من العصر البرونزي إلى نهاية العهد العثماني.

ويعتقد سكان ديار بكر أن أسوار قلعة مدينتهم تعد ثالث أهم أسوار العالم، بعد سور الصين العظيم، وأسوار مدينة إسطنبول الشهيرة، التي حمت المدينة العتيقة خلال حقب حضارية مختلفة.

وتضم المدينة التركية -حسب تقارير تركية- جامع الصحابي سليمان بن خالد بن الوليد، مع 26 صحابيا آخرين؛ باتت قبورهم معلما مهما للزيارة وقراءة الفاتحة على أرواحهم.

القلعة والأسوار

تقع أسوار قلعة ديار بكر في منطقة "سور" بالمدينة، أحد أقدم الأحياء بها، وتضم عدة أبواب وأبراج، أبرزها باب الجبل، وباب أورفة، وباب ماردين، والباب الجديد، إضافة إلى 82 برجا تم بناؤها في فترات زمنية مختلفة.

ويبلغ طول الأسوار نحو 5.5 كيلومترات، بارتفاع يتراوح بين 10 و12 مترا، حسب مسؤولي مديرية السياحة في الولاية.

جامع إسكندر باشا أحد أبرز معالم ديار بكر (الجزيرة)

ووفق مصادر تاريخية، فإن الحوريين (شعوب الشرق القديم) سكنوا أسوار القلعة عام 2000 قبل الميلاد، قبل أن يتم إصلاح الأسوار عبر الأحجار البازلتية المتوفرة في المنطقة عام 330 م.

وتحمل أبراج المدينة على جدرانها كتابات ورموزا قديمة، تعود لفترة حكم الأراتقة والسلاجقة، وتتسم الأبراج بتمايزها المعماري المعبر عن كل حقبة تاريخية.

ويقبل الزائرون من أهل المدينة وخارجها والسياح على الأسوار والصعود فوقها لالتقاط الصور التذكارية، خاصة أنها تشرف على نهر دجلة والمزارع المحيطة بها في إطلالة متميزة.

القلعة التي لا يعلم من بناها بالتحديد وتاريخ بنائها تحوي آثار الحوريين الذين سكنوا المنطقة منذ 3 إلى 4 آلاف عام قبل الميلاد، ولكن يعتقد في معظم المصادر أن يكون عمرها من عمر المدينة، أي نحو 8 آلاف عام، واستخدمت "حامية عسكرية" خلال عهد الإمبراطورية الرومانية.

وفي 2015، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (يونسكو) أسوار مدينة ديار بكر الأثرية ضمن قائمة اليونسكو للتراث الإنساني.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

مواكبةً للذكرى الـ950 لانتصار ملاذكرد العظيم؛ يقدم هذا المقال رصدا مكثفا لتاريخ مؤسسة الوزارة الإسلامية، ويكشف ملامح وسياقات الإصلاح الكبير الذي قدمه اثنان من أبرز مَن شغلوها وأدى لتحقيق ذلك الانتصار.

Published On 23/8/2021

في ضوء أحداث لبنان الأخيرة؛ يستعيد هذا المقال التجربة الحضارية الإسلامية في التعايش الديني، فيعرض مواقف وحدت فيها لحظاتُ الفرح والحزن ‏أطرافَ “الجماعة الوطنية”، ويبين كيف تعايشت طوائفها بتراحم وتلاحم.

Published On 18/10/2021
Jerusalem Dome of the rock

يحرص فريق خبراء الترميم في موقع “غوبكلي تبه” التاريخي -بولاية شانلي أورفا التركية- على تنظيف القطع الأثرية ولوحات الفسيفساء التاريخية الفريدة، بصبر وعناية فائقة، لضمان انتقالها لأجيال المستقبل.

Published On 15/9/2021

يساهم اكتشاف حجر رَصف، يبلغ عمره 3500 عام بموقع يُعتقد أنه مدينة أثرية مفقودة وسط تركيا ويُعتبر أقدم الآثار الفسيفسائية بمنطقة البحر المتوسط، في تعزيز المعرفة بالحياة اليومية لحضارة الحثيين.

Published On 28/9/2021
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة