تاريخ من الحصانة والانفصال عن الواقع.. فضائح هزت الوسط الأدبي الفرنسي

أوليفييه نورا رئيس دار "غراسيه" للنشر الفرنسية ينتقد النخبة الثقافية في فرنسا (الفرنسية)
أوليفييه نورا رئيس دار "غراسيه" للنشر الفرنسية ينتقد النخبة الثقافية في فرنسا (الفرنسية)

تمتع المثقفون الفرنسيون بمستوى تقدير رفيع مقارنة بسواهم في بلدان أخرى، لكن هذا التقدير قد يعمي أحيانًا عن العيوب والأخطاء الحرجة، أو حتى يساعد على التسامح مع أخطاء لا يمكن التسامح معها.

في فبراير/شباط الماضي، داهمت الشرطة الفرنسية المقر الرئيسي لمؤسسة "غاليمار" للنشر في باريس؛ بحثا عن وثائق تتعلق بالكاتب غابرييل ماتزنيف، المتهم بالتحرش جنسيا بالأطفال، كما تم القبض على محرر معروف أسهم في التخطيط لمنح ماتزنيف جائزة أدبية مرموقة في فرنسا قبل بضعة أعوام، سلمتها له لجنة تحكيم ضمت الفائز بجائزة نوبل للأدب عام 2008 وعضوا في أكاديمية اللغة الفرنسية وبعض أبرز الكتاب الفرنسيين.

تاريخ من الحصانة

وفي تقرير نشرته صحيفة كريستيان ساينس مونيتور (The Christian Science Monitor) كتبت الصحفية كوليت ديفيدسون أن النخبة الثقافية الفرنسية تمتعت بمكانة خاصة في المجتمع منذ الثورة الفرنسية، عندما أشاد البعض بأفكارهم في التمرد، ومعارضتهم الثقافة السياسية، وكفاحهم من أجل حرية التعبير، ونسب إليهم الفضل من قبل البعض في إشعال الثورة نفسها.

وبحلول مايو/أيار 1968 -عندما أدت الاحتجاجات الطلابية إلى إضرابات وطنية واضطرابات مدنية- كان الفرنسيون اعتمدوا منذ فترة طويلة على طبقتهم الفكرية لتوفير التوجيه الأخلاقي بشأن القضايا السياسية والاجتماعية.

تم الاحتفال بالشخصيات الأدبية على وجه الخصوص، مثل: فولتير، وجان جاك روسو، وفيكتور هوغو؛ لتفكيرهم الحر وأيديولوجيتهم التقدمية. وكان بودلير وفلوبير يقدران بشكل خاص لقصصهما عن أساليب الحياة المتحررة.

في هذا السياق، تمكن الكاتب ماتزنيف -الذي فرّ إلى إيطاليا بالتزامن مع تحديد موعد محاكمته بتهمة الاعتداء على الأطفال في فرنسا العام الجاري- من الكتابة على نطاق واسع، ومن دون عقاب حول علاقاته الجنسية مع الفتيات والفتيان المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و14 عامًا، وطوال حياته المهنية، حيث حصل على العديد من الجوائز الأدبية الفرنسية.

وفي تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) الأميركية، يقول الكاتبان نوريميتسو أونيشي وكونستان ميهوت إن هذه القضية وغيرها من الفضائح المتعلقة بدور النشر في فرنسا تسلط الضوء على نخبة أدبية منفصلة عن الواقع، اعتادت التفلت من القواعد الأخلاقية وارتكاب التجاوزات من دون أي مساءلة.

وفي هذا الصدد، يقول رئيس دار "غراسيه" للنشر أوليفييه نورا إنه "من المحتمل أن يكون هذا أحد آخر الأوساط التي بقيت بمنأى عن التحقيقات وعن كشف التفاهمات والصفقات غير المشروعة والمحسوبية".

قضايا وانتقادات

وكان نورا أسهم بشكل كبير في إثارة القضية ضد ماتزنيف، المعروف بميوله الجنسية تجاه الأطفال منذ فترة طويلة، بعد نشره كتاب "الموافقة" (Le Consentement)، الذي تروي فيه الكاتبة فانيسا سبرينغورا العلاقة التي جمعتها بماتزنيف عندما كان عمرها 14 عاما. ويؤكد نورا أنه لم يتردد في نشر الكتاب رغم أن شهادة سبرينغورا تتضمن أسماء معروفة من النخبة الأدبية في فرنسا.

وفي مقابلة حديثة معه استغرقت ساعتين، تحدث نورا عن التزامه بنشر الأعمال التي تعكس وجهات نظر متباينة، وتفضح كل التجاوزات في الوسط الأدبي، لكنه عبّر عن شكوكه في إمكانية إصلاح هيئات التحكيم الأدبية في فرنسا.

ويعبّر هوغ جالون -الذي يُشرف منذ 2018 على دار "سوي" للنشر- بدوره عن استيائه من فساد هيئات التحكيم في الأوساط الأدبية الفرنسية، ويقول جالون إنه على عكس جائزة بوكر البريطانية أو بوليتزر الأميركية، حيث يتغير الحكام كل عام، ويستقيل الأعضاء طوعيا بسبب أي شبهة لتضارب المصالح؛ فإن الحكام في معظم الجوائز الفرنسية الكبرى يحافظون على مناصبهم مدى الحياة، كما يعمل بعضهم مع دور النشر، وهو ما يضمن تحقيق مصالح النخبة على المدى الطويل.

ويرى الكاتبان أن هذه المخاوف التي يعبّر عنها نورا وجالون يجب أن تُؤخذ على محمل الجد، لأن الرجلين يديران اثنين من أكبر دور النشر في فرنسا، إضافة إلى دار "غاليمار" التي تمت مداهمتها مطلع العام الماضي.

وحصدت الدور الثلاث منذ عام 2000 نصف الجوائز الممنوحة في المسابقات الأدبية الأربع الكبرى في فرنسا، كما أنها نشرت طيلة هذه الفترة كتب 70% من الحكام في هذه المسابقات، ومن بين 38 حكما حاليا في الجوائز الأربع الكبرى يعمل 20% منهم موظفين في إحدى دور النشر الثلاث.

ويؤكد الكاتبان أن أنطوان غاليمار، رئيس دار "غاليمار" وحفيد مؤسسها، رفض إجراء مقابلة مع نيويورك تايمز للرد على الانتقادات التي واجهتها المؤسسة العام الماضي بسبب نشرها كتب ماتزنيف لفترة طويلة.

موجة تغيير

ويرى الخبير في تاريخ النشر جان إيف مولييه أن دار "غاليمار" كانت بطيئة في تبني التغيير مقارنة بالناشرين الرئيسيين الآخرين. كما يعتبر المطلعون على خبايا الوسط الأدبي في فرنسا أن دار "غاليمار" كانت الأكثر تمسكا بالحصول على أهم الجوائز الأدبية في البلاد.

ويؤكد أوليفييه نورا أنه بدأ يغير إستراتيجية دار "غراسيه" منذ توليه رئاسة المؤسسة قبل أكثر من عقدين. وفي ذلك الوقت، اعتادت "غراسيه" -حسب قوله- على تقديم مزايا سخية للحكام في المسابقات الأدبية الكبرى. ويضيف نورا أن فرنسا ليس فيها ما يكفي من المواهب لتجديد هيئات التحكيم سنويا، ويقترح في المقابل أن يتم تغيير ثلث أعضاء هيئة التحكيم في المسابقات الأدبية كل 5 أعوام.

وحسب الكاتبين، فإن الأزمة لا تتعلق فقط بهيئات التحكيم، بل تمتد إلى لجان القراءة المكونة من أبرز النقاد والكتاب، والتي تقرر ما يتم نشره في أرقى دور النشر الفرنسية، حيث لا تعكس هذه اللجان حقيقة التنوع الثقافي في البلاد.

وتُظهر بيانات دور النشر الثلاث (غراسيه، وسوي، وغاليمار) أن متوسط أعمار الأعضاء -وعددهم 37- في لجان القراءة يبلغ 62 عاما، ثلثهم تقريبا من النساء، وكلهم من ذوي البشرة البيضاء، باستثناء عضو واحد.

ويرى نورا أن جيل الكتاب المسنين في فرنسا لديهم منظور خاص تجاه قضايا راهنة، مثل التنوع الاجتماعي والنسوية والعرق والاستعمار، ويضيف قائلا "من الواضح أن هناك صعوبة بالغة في نقد ضد الذات وتفكيك النظام الذي نشأنا فيه".

ووفقا للكاتبين، فإن هناك بعض المحاولات للتغيير ومعالجة حالة الجمود في الوسط الأدبي الفرنسي، ومنها المبادرة التي أطلقتها دار "جون كلود لاتيس" للنشر، التابعة لمؤسسة "غراسيه"؛ عبر نشر مجموعة تحت اسم "لا غروناد"، ويديرها روائي من أصل "تركي- كردي"، وتركز على الكتاب من خارج المنظومة التقليدية.

المصدر : الصحافة الأميركية + كريستيان ساينس مونيتور + مواقع إلكترونية + نيويورك تايمز

حول هذه القصة

وافقت الجمعية الوطنية الفرنسية، على قرار مجلس الشيوخ بشأن إعادة الفنون والأصول الثقافية للسنغال وبنين، بينما تم استثناء بلدان شمال أفريقيا العربية من وعود إعادة آثارها التي سلبت في مرحلة الاستعمار

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة