البيوريتان بين الكنيسة والدولة في أميركا المبكرة.. لماذا قمعوا الاحتفال بعيد الميلاد؟

في يوليو/تموز 1620 غادر الحجاج روتردام الهولندية إلى أميركا حيث أسسوا مستعمرة بليموث في ماساشوستس في وقت لاحق من ذلك العام (غيتي)
في يوليو/تموز 1620 غادر الحجاج روتردام الهولندية إلى أميركا حيث أسسوا مستعمرة بليموث في ماساشوستس في وقت لاحق من ذلك العام (غيتي)

منذ تأسيسها في الربع الأخير من القرن الـ18، لا يزال دور الدين في الحياة العامة بالولايات المتحدة موضوعا مثيرا للجدل، إذ نشأت أول مستعمرات أميركية بمساهمة المتطهرين "البيوريتانيين" (Puritan) الذين دعوا إلى إصلاح الكنيسة الإنجليزية في القرن الـ17 ورحل كثير منهم لهولندا حيث أقاموا شعائرهم قبل أن يقرر بعضهم الرحيل إلى العالم الجديد في وقت مبكر.

بعد انفصال ملك إنجلترا هنري الثامن (حكم من 1509 وحتى وفاته في 1547) عن البابا الكاثوليكي (الفاتيكان) نتيجة أزمة زواج الملك التي رفضها البابا، قطع هنري العلاقات مع روما وأسس كنيسة إنجلترا المستقلة، معتبرا نفسه الأب الروحي لها، وجعل عضوية الكنيسة الجديدة إلزامية لكن مجموعة من المتدينين (البيوريتانيين) اعتبروا أنها تتمسك بالزخارف "التي تشتت انتباههم عن كلمة الله" بينما ينبغي عليها العودة للعبادة البسيطة للمسيحيين الأوائل.

عارض هؤلاء تدخل الدولة في شؤون الدين والسيطرة الملكية على الكنيسة، وانفصلت مجموعة منهم عن كنيسة إنجلترا بالكامل وأطلق عليهم مسمى "الانفصاليين" وتعرضوا للاضطهاد والملاحقة وفر بعضهم إلى هولندا حيث كانوا يأملون في أن يتمكنوا من ممارسة عقيدتهم بحرية، لكن الحياة كانت قاسية والمعيشة صعبة بالنسبة لهم، كما خشوا من تأثير المجتمع الهولندي على أطفالهم، لذلك قرر بعضهم قرابة عام 1620 الإبحار إلى أميركا لتأسيس مستعمرة دينية جديدة في العالم الجديد.

وتزايدت أعدادهم بعد تعرُّض قادتهم لاضطهاد في بريطانيا وبالمثل تعرضوا لمضايقات في أيرلندا وألمانيا في القرن الـ17، إذ أبحر مئات منهم عام 1630 على متن أسطول من عدة سفن ليستقروا في شمال شرق الولايات المتحدة بالمنطقة التي عرفت بـ"نيو إنغلاند" (New England) وأسسوا مدينة بوسطن.

لكن هذا التاريخ القديم لا يزال له تأثير في الواقع المعاصر بالولايات المتحدة، فعندما يشتد برد الشتاء في أنحاء أميركا كل عام تشتعل "حرب عيد الميلاد" في مطلع ونهاية كل عام ميلادي.

جدل الكريسماس

كان كوب ستاربكس في موسم الشتاء ساحة معركة حول القيم الأميركية في السنوات الأخيرة، فعلى مدار 18 عاما تضمن تصميم الأكواب رموز موسم الكريسماس مثل أشجار عيد الميلاد والزلاجات الجليدية، لكن في عام 2015 اختارت الشركة تصميما بسيطا بلون أحمر دون نقوش، وهو ما استدعى هجوما كبيرا من مبشر مسيحي محافظ يدعى جوشوا فويرستين اعتبر أن الشركة "أزالت رموز عيد الميلاد من أكوابها، لأنها تكره يسوع المسيح".

وأعاد النقاش الذي دار في موسم العطلات الجدل القديم للنقاشات الأميركية، وفي العام الماضي 2020 وصف بعض معارضي إجراءات الصحة العامة للحد من انتشار جائحة كورونا بأنها حرب على عيد الميلاد وموسم الاحتفالات المسيحية.

ويركز مذهب البيوريتان أو الحركة التطهرية على اعتبار الكتاب المقدس مصدرا وحيدا للدين دون اعتبار أقوال القديسين ورجال الكنيسة، ويضم مزيجا من أفكار اجتماعية وسياسية ولاهوتية.

وأنشأ البيوريتان المعروفون أيضا بـ"المتشددين" مدارس لأبنائهم في المستعمرات التي وصلوها منذ عام 1630 وكذلك مدارس نسائية لبناتهم، وعرفوا بأنهم من أكثر المجتمعات معرفة بالقراءة والكتابة في العالم آنذاك، كما أنشؤوا "كلية هارفارد" بعد سنوات من وصولهم لأميركا وأخذت اسمها من لقب مؤسسها رجل الدين جون هارفارد.

معركة عيد الميلاد

وفي كتابه "معركة عيد الميلاد: تاريخ اجتماعي وثقافي لعطلة نعتز بها" ذكر الكاتب ستيفن نيسنباوم أن بيوريتانيي مستعمرة ماساشوستس حظروا العيد ببساطة، وكانت لديهم مبرراتهم، إذ اعتبروا أن عيد الميلاد كان مناسبة للسكر وأعمال الشغب، عندما كان البحارة الفقراء "يبتزون" الأغنياء للحصول على الطعام والشراب.

وفي هذا الكتاب عن التاريخ الاجتماعي المبكر للولايات المتحدة، يعيد نيسنباوم اكتشاف أصول كرنفال الكريسماس ويظهر كيف تم تحويله، خلال القرن الـ19، إلى مهرجان للعائلات والنزعة الاستهلاكية، بالاعتماد على ثروة من الوثائق والرسوم التوضيحية التي تظهر كيف "تم اختراع تقاليد عيد الميلاد الحالية، من القديس نيكولاس إلى شجرة عيد الميلاد وتقليد تقديم الهدايا للأطفال".

وفي مقاله ضمن النقاش الدائر، اعتبر بيتر سي مانكال، أستاذ العلوم الإنسانية بكلية الآداب والفنون والعلوم بجامعة جنوب كاليفورنيا، أن النقاشات بشأن الاحتفال بعيد الميلاد تعود إلى القرن الـ17، حيث كان "المتشددون دينيا غير متحمسين كثيرا للعطلة" وقاموا بتثبيط احتفالات عيد الميلاد، ثم قاموا في وقت لاحق بحظرها تماما، معتبرا أن حظر احتفالات عيد الميلاد امتداد طبيعي للصورة النمطية عن البيوريتانيين على أنهم غير مرحين ويفتقدون لروح الدعابة.

لكن بصفته باحثا كتب عن البيوريتانيين، يعتبر مانكال أن عداء المتطهرين لمظاهر البهجة في العطلة لا يتعلق بزهدهم المزعوم بل برغبتهم في فرض إرادتهم على سكان نيو إنغلاند، الأصليين والمهاجرين على حد سواء، بحسب تعبيره.

النفور من الفوضى

يعود أقدم دليل موثق على نفورهم من الاحتفال بعيد الميلاد إلى عام 1621، عندما وجّه الحاكم ويليام برادفورد من مستعمرة بليموث انتقادات لبعض الوافدين الجدد الذين اختاروا أخذ إجازة بدلاً من العمل.

لكن لماذا؟ يجيب مانكال، لم يجادل برادفورد في "ألوهية يسوع المسيح" في الواقع بصفته بروتستانتيا متدينا، لكن كان المتشددون ملتزمين جدا بإنشاء "مجتمع تقي" وعكست انتقاداته قلق البيوريتانيين المستمر بشأن طرق الاحتفال بعيد الميلاد في إنجلترا، حيث كانت العطلة مناسبة لسلوك مشاغب، وأحيانًا عنيف، وتمنح المحتفلين ترخيصًا "لفعل ما يشتهون" وحتى "ارتكاب الحماقات مثل لعب النرد والبطاقات وارتداء الأقنعة".

قبلت السلطات المدنية هذه الممارسات في الغالب، لأنها أدركت أن السماح لبعض المحرومين من حقوقهم بالتخلص من التوتر في أيام قليلة من العام يميل إلى الحفاظ على نظام اجتماعي طبقي يعظم مصالحها وحدها، وكانت الفكرة لديها تقول: "دعوا الفقراء يمرحون يوما أو اثنين، وبقية العام سوف يعودون إلى عملهم دون التسبب في مشاكل".

اعترض المتشددون الإنجليز على قبول مثل هذه الممارسات، لأنهم يخشون أي علامة على الفوضى، ورغم أن جهود المتشددين للقضاء على احتفالات عيد الميلاد في إنجلترا قبل عام 1620 كان لها تأثير ضئيل، فإنهم وبمجرد وصولهم إلى أميركا الشمالية، كان هؤلاء الباحثون عن الحرية الدينية والهاربون من الاضطهاد يسيطرون على حكومات مستعمرات بلايموث وماساشوستس باي وكونيتيكت، بحسب مانكال.

التعصب البيوريتاني وتناقضاته

أصبحت بوسطن النقطة المحورية للجهود البيوريتانية لإنشاء مجتمع تعزز فيه الكنيسة والدولة بعضهما بعضا.

استخدم المتشددون في بليموث وماساشوستس سلطتهم لمعاقبة أو إبعاد أولئك الذين لم يتبنوا آراءهم. فعلى سبيل المثال، قاموا بنفي محامٍ أنجليكاني يُدعى توماس مورتون لأنه رفض اللاهوت البيوريتاني وأقام صداقة مع السكان الأصليين المحليين، وفي السنوات التي تلت ذلك حاولوا تطبيق وجهات نظرهم الدينية حتى على قادة الكنائس المحلية ووصل بهم الأمر لإعدام بعض أبناء طائفة الكويكرز (تدعو لحياة مشتركة)، بحسب مانكال.

في عام 1687، شجب الوزير إينكريز ماذر احتفالات عيد الميلاد وكان يعتقد أنها مستلهمة من عيد أسطوري روماني قديم يدعى ساتورن كان يقام لإله الحصاد في روما القديمة، لكن في عام 1673، أطلق ماذر على الكحول تعبير "مخلوق صالح من الله"، وهو ما يعطي لمحة عن الآراء المتناقضة له.

ويقول الكاتب إن ما أراده المتشددون هو مجتمع تهيمن عليه آراؤهم، وهذا ما جعلهم يتوقون إلى تحويل السكان الأصليين إلى المسيحية، وهو ما تمكنوا من القيام به في بعض الأماكن، فقد حاولوا القضاء على ما اعتبروه "ممارسات تجارية ربوية" داخل مجتمعهم. وفي بليموث قاموا بإعدام مراهق بتهمة ممارسة الجنس مع الحيوانات، وهي العقوبة المنصوص عليها في العهد القديم سفر اللاويين.

وعندما اعتقد البيوريتانيون أن السكان الأصليين قد يهاجمونهم أو يقوضون اقتصادهم، قاموا بالهجوم الأكثر شهرة في عام 1637، عندما أشعلوا النار في قرية بيكوت، وقتلوا أولئك الذين حاولوا الفرار، ثم باعوا الأسرى كعبيد بالمخالفة لمعتقداتهم الدينية!

المصدر : الجزيرة + الصحافة الأميركية + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

تميل روايات التاريخ الإنجليزية لتسليط الضوء على استيطان الإنجليز المبكر للعالم الجديد، لكن إنجلترا في الواقع تأخرت في استكشاف الأميركيتين واستيطانهما مقارنة ببلدان مثل إسبانيا والبرتغال وفرنسا.

منذ نهاية القرن الثامن وطوال التاسع الميلادي كانت إنجلترا والقارة الأوروبية تحت تهديد الفايكنغ الذين كانت غاراتهم مصدر خوف للسكان في ذلك الوقت، ورغم مرور أكثر من ألف عام لا تزال أسرارهم تتكشف.

يتحدث الأديب التونسي عبد الجليل العربي في هذا الحوار عن الأدب المكتوب باللغة البرتغالية وموقعه من الآداب العالمية، ويتوقف عند أمادو وجوزيه ساراماغو ودعمه القضية الفلسطينية ومواجهته الغطرسة الإسرائيلية.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة