صوت قرى دارفور الذي سكت.. رحيل الروائي والقاص السوداني إبراهيم إسحاق

الروائي والأديب السوداني الراحل إبراهيم إسحق
الروائي والأديب السوداني الراحل إبراهيم إسحاق (مواقع التواصل)

في بلاد العم سام بعيدًا عن أهله الذين نذر حياته للكتابة عنهم، وعن القرى التي حمل على عاتقه قص حكاياتها، وعن أصدقائه الذين ينسون أحزانهم حين تلقاهم ابتسامته المهيبة وصوته الحاني الوقور، رحل إبراهيم إسحاق تاركًا بطلة حكايته "البنت مياكيا" لدموعها.

من وداعة القرية لصخب الحواضر

في قرية ودعة الوادعة شمالي دارفور غرب السودان وعام 1946 ولد أديبنا الراحل، لكن رياح التنقل نفخت في شراع الصبي طلبًا للعلم الذي تلقاه في مدينتي الفاشر (حاضرة دارفور) وأمدرمان، إلى أن تخرج من معهد المعلمين العالي (كلية التربية جامعة الخرطوم حاليًا) عام 1969.

ولئن رحل إسحاق من ودعة إلا أنه استطاع أن يحتقبها معه طيلة حياته، والقرى والفرقان الدارفورية، لتتجلى في سردياته التي كان أولها "حَدَثٌ في القرية" 1969 الرواية التي قدمت إسحاق لقرائه، وتحول الأمر إلى حدث في الخرطوم، ذلك أن الرواية كشفت عن روائي بخصوصية جميلة هي الكتابة بلغة لا تخلو من اللهجات المحلية الدارفورية.

وفي هذا يقول الأديب فضيلي جماع (شاعر ومسرحي وروائي) في مقاله بصحيفة "سودانايل‎" السودانية "فاجأ إسحاق القارئ منذ صدور باكورة إنتاجه (حدث في القرية) بعالم سردي مختلف. فالمكان في المتخيل السردي قرى وحلالات أخذت كثيراً من ملامح قريته (ودعة) وما جاورها من القرى والحلالات شرق دارفور. وأكثر ما فاجأ به إسحاق القارئ لغة الحوار التي لا تخلو من وعورة لمن اعتاد على حوار أشخاص الرواية بالعربية الفصحى أو بعامية أمدرمان واسعة الانتشار".

لغة حوارية تنال الانتقاد والإعجاب

شكلت رواية "حدث في القرية" دفقة جديدة في الأدب السوداني، فالحوار فيها يتخذ من اللهجة الدارفورية لغة للحوار، والتي رأى فيها البعض عقبة في وجه القارئ من غير إقليم دارفور، في حين رأى البعض ذلك ميزة ووظيفة روائية.

ولم يتوقف الحديث عن لغة الحوار في روايات إسحاق حتى رحل عن الدنيا، ويرى الناقد والأديب حاتم الكناني في إفادته للجزيرة نت أن "أهم ما يميز روايات إسحاق قدرتها على التعبير عن مجتمعها الذي هو مجتمع دارفور، ويتجلى ذلك في قدرته على تدجين لغته الدارجة المحلية داخل روايته ذات السياق الفصيح".

وفي مقاله الناعي للروائي الراحل يؤكد فضيلي جماع عدم التفات إسحاق للأصوات المنتقدة قائلاً "لم يعبأ هذا الروائي كثيراً باللغط الذي أثاره بعض أدعياء الثقافة وأنصاف النقدة عن وعورة لغة الحوار في قصصه، وبأنها ممعنة في المحلية".

وواصل إسحاق مسيرته الإبداعية بذات النهج الذي اختطه لنفسه ولرواياته، ويواصل الكناني في إفادته مستدعيا ذاكرته "كنت حاضرًا في إحدى الندوات، وأذكر أن الراحل سئل عن لغة شخوصه، وأن ما فيها من محلية قد يحول دون انتشار أعماله، فأجاب: أنا عرضحالجي". (الكاتب الذي يجلس أمام المحكمة أو الدوائر الحكومية ليكتب للناس صيغ طلباتهم أو شكواهم).

عالم من الكتابة والحكاية

يحار الكثيرون في تصنيف الراحل وترتيب صفاته بين كونه روائيًّا وقاصًّا وباحثًا جادًّا، فالرجل الذي قدم لمكتبة الرواية السودانية "حدث في القرية، أعمال الليلِ والبلدة، مهرجان المدرسَةِ القديمة، أخبار البنت مياكايا، وبال في كليمندو، فضيحة آل نورين) قدم مجموعات قصصية لا تقل روعة عن رواياته إن لم تكن تضاهيها، فالمجموعات القصصية "ناس من كافا، عرض حالات كباشية، حكايات من الحلالات" حازت إعجاب النقاد وقراء القصة.

وعن ذلك يقول البروفيسور محمد المهدي بشرى "إسحاق سارد عظيم في رواياته ومجموعاته القصصية، وتميز مع الطيب صالح في الكتابة، وتجاوز هذا الثنائي من سبق" ويشير الناقد إلى إفادة الطيب وإسحاق من الأدب الإنجليزي، ويضيف "عندي أن إسحاق في القصة القصيرة مقدم على صالح كمًّا ونوعًا".

ولم يكتفِ إسحاق بالكتابة السردية فقط، إذ كان عطاؤه متجاوزًا لذلك، فراسل العديد من المجلات والصحف داخل السودان وخارجه، وله عطاء بحثي مرموق، ومن أهم ما كتب في الدراسات "الحكاية الشعبية في أفريقيا، هجرات الهلاليين من جزيرة العرب إلى شمال أفريقيا وبلاد السودان" ذلك الكتاب المهم الذي في أصله هو بحثه الذي حاز به درجة الماجستير من معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية بجامعة الخرطوم، وزامل فيه بشرى الذي قال عن ذلك "تزاملت مع الراحل في المعهد، وعندما تقدم لدرجة الماجستير كان حينها قد رفد المكتبة السودانية بـ 3 كتب، وحين اتجهنا لموضوعات كثيرة المصادر اختار هذا الموضوع الذي أجهده بحثًا وتنقيبًا، فكان من أهم ما كتب إسحاق".

إقرار بالتقصير

الوجع الممتد الذي خلفه رحيل إسحاق في المشهد الأدبي في السودان جزء منه يتعلق بالفقد الجلل لأديب مقدم، وعند آخرين لإحساسهم أنه كان يستحق اهتمامًا أكبر ودراسات متعمقة قبل رحيله.

ويرى الناقد مصطفى الصاوي أن إسحاق يحتاج لقراءات جديدة وكثيفة رغم إحصائه لعدد من الدراسات عن أدب الراحل، منها رسائل جامعية. وأضاف أن مركز عبد الكريم ميرغني كان قد خص الراحل بمؤتمر نقدي ضمن سلسلة مؤتمراته العلمية عن الرواية السودانية.

ويعود جماع فيختم مقاله بالقول "أمام النقدة والباحثين في مجال الرواية والسرد في السودان جبل شاهق عليهم أن يتسلقوه بحذر وهم داخلون إلى مؤلفات إسحاق المترعة بعوالم وحيوات من صميم البيئة السودانية، غرب السودان بالتحديد".

وكان إسحاق قد ترأس اتحاد الكتاب السودانيين، ونال عضوية المجلس القومي للتراث الثقافي وترقية اللغات القومية، وعمل لعقود أستاذا للغة الإنجليزية في السودان والسعودية.

كما نال جائزة الآداب والفنون التشجيعية في مهرجان الثقافة والآداب والفنون الخرطوم 1979، ومُنِح شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة الفاشر بالسودان عام 2004، وكذلك جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي التي ينظمها سنويا مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، وجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي التي تقيمها شركة زين للاتصالات.

حكايا لم تروَ

الحزن الذي اكتنف أهل الأدب والثقافة حال بين الكثيرين منهم وبين التعليق على الحدث أو تقديم إفادة، خاصة الذين كانوا على علاقة قريبة بالراحل، ولكن بعضهم تعالوا على ما يعتمل داخلهم ليقينهم أن هذا حق الأدب وحق إسحاق عليهم، ولا تكاد مؤسسة سودانية تنشط في الثقافة إلا ونعته، وقبلهم كانت الحكومة على اختلاف مستوياتها.

كان إسحاق أدبيًا بارعًا ورجلًا نبيلًا، فقده الجمهور الذي اعتاد قراءة قصصه في الصحف السودانية، وبرحيله فقدت الرواية العربية اسمًا كبيرًا، وفقدت قرى دارفور رجلًا حملها معه أنى ارتحل وحل.

"كيفَ إذاً بكَ القُرى تحتفي

وكلُّ كوخٍ  يا حبيبي يتيمْ

حين يبثّونكَ أحزانهم

ويكسرون اللَّحْنَ كي يستقيمْ"

من رثائية بحر الدين عبد الله للأديب الراحل

المصدر : الجزيرة