جماليات الفانتازيا العجائبية وافتضاح شعرية النص الروائي.. رائد وحش في "عام الجليد"

رواية "عامُ الجليد" الصادرة عن منشورات المتوسّط، للشاعر السوري رائد وحش (مواقع التواصل الإجتماعي)
رواية "عامُ الجليد" الصادرة عن منشورات المتوسّط، للشاعر السوري رائد وحش (مواقع التواصل الإجتماعي)

"عندما نخسر حبيبنا نكتب قصيدة، وعندما نخسر وطنا نكتب رواية، فأية خسارات فادحة قذفت بهذا الشاعر إلى الرواية، وألهمته هذا النص الشاعري المجنون؟ ألأن الفلسطيني ابن الخسارات، تنتهي به الفجائع إلى طلب اللجوء إلى الرواية".

بهذه الكلمات المُضمّخة بالمنفى والجُرح، حاولت الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي وصف رواية "عامُ الجليد" الصادرة عن منشورات المتوسّط، للشاعر السوري رائد وحش (1981)، الذي يُعد أحد الأسماء العربيّة الجديدة، التي حاولت توسيع أفق رؤية الكتابة الأدبيّة واشتغالها من الشعر صوب العمل الروائي.

الرواية شعراً

رغم فتنة الشكل والأساليب البلاغية الطويلة والركون إلى مفاهيم وقضايا ذات علاقة بالمجتمعات البشرية، والتي تُميّز شكل الكتابة الروائية عن باقي الأجناس الأخرى، فإن رائد وحش، يبدو في"عامُ الجليد"، وكأنّه يكتب الرواية شعراً؛ فعذوبة المعجم ومفرداته الأثيرة المُؤثّرة في وجدان القارئ، وهي ترسم صُوَراً وأشكالاً وملامح مُتشرذمة وشخصيات فانتازية (عجائبية) وأجسادا هشّة داخل بيئات مختلفة، يجعل شكل الكتابة مُغايراً بالنسبة إلى خصوصية العمل الروائي ومُنفلتاً من قبضة النموذج وسُلطته القاهرة في ابتداع أشكال أدبية جديدة.

خاصة أن مفهوم الفكرة أو الدفقة الشعورية لها علاقة أساساً بالذات الكاتبة المُتخيّلة وليس بالكاتب نفسه.

إنها من تختار الوعاء (الشكل) الذي تتنزّل فيه، شعراً أم قصة أو رواية، وذلك لأسباب جمالية وفنية بامتياز، تحتكم إلى طرق الكتابة وزاوية الرؤية ومنسوب جماليات اللغة المُستعملة داخل العمل. بهذا المفهوم يكون رائد وحش أسير اللاوعي ومُتخيّله.

فهو المُتحكّم في عملية الكتابة وليس الواقع المادي الذي يعيش فيه، مع العلم أن هذا الواقع يحضر داخل "عامُ الجليد" كاستعارات فنية ومجازات فانتاستيكية، وأحياناً أخرى يتموضع كتمثلات اجتماعية وترسّبات طفولية داخل مُتخيّله الفردي.

إنه من يقود الكتابة بشكل خفيّ ويجعل منها علامة جرح غائر وتساؤلات أنطولوجية دائمة ومحيّرة على لسان شخصية "سبارتكوس" الفانتاستيكية.

ورغم أنّ رائد يحسم في عمله هذا ويُجنّسه داخل صنف الرواية، فإنّ ذلك، لم يمنع الكاتب بوعي أو دون وعي من أن تخترق اللغّة لديه حميمية العمل الروائي وتستقر أكثر بين منزلتين، قد لا يكون رائد وحش مُتحكّماً في"الانفلات اللّغوي" نظراً لكونه شاعراً.

وهو أمرٌ يتبدّى جيداً في صفحات كثيرة، تتعطّل فيها اللّغة التقريرية والوصفية لصالح كتابة شعرية تتأمّل مورفولوجية (التركيب الداخلي للكلمات، وقواعد تكوينها) الوقائع ومصائر الشخصيات وتعمل على تخييلها داخل النسق الروائيّ وبنية مُتخيّله.

الشاعر والروائي الفلسطيني-السوري المقيم بألمانيا رائد وحش (مواقع التواصل الاجتماعي)

مشقة الكتابة

على هذا الأساس، تغدو الكتابة في هذه المرحلة عملا شاقا، فهي لا تكتفي بالإشارات والأحداث المُترسّبة والطافحة على مسرح الواقع، بقدر ما تستكنه هذا المكبوت السياسي والاجتماعي والثقافي لمجتمع ما ومحاولة إبرازه وتفكيكه قبل تخييله من جديد.

من ثمّ، فإنّ القارئ للرواية لا يلبث يكتشف أنّها تتحرّر من سطوة الأسلوب الروائيّ، رغم أنّها تتلبس شكله وأدواته وتقنياته، لكن سرعان ما يخفت وهجه لصالح أسلوب كتابة تُقيم في شرودها وتتطلّع أن تغدو نصّاً مفتوحاً متأرجحاً بين الشعر والنثر.

ألسنا هنا مع رائد وحش وغيره من الكُتّاب "الجدد" نشهد انهيار الأشكال والمُعتقدات الأدبيّة والأنماط الكتابية المُتوارثة؟ مقابل كتابة تنفلت من سُلطة الأشكال والسياجات، التي تُحاول خندقتها وتجنيسها، دون أن تُتيح لها حرية الاختيار والتموقع كما تُريد هي وليس الكاتب؟

إنّ الأسلوب كما يعرّفه رولان بارت هو "لغة الأحشاء الدفقة الغريزية المُنسابة عبر اللاوعي" هو ما يفضح شعريّة رائد وحش داخل هذا النصّ الروائي، إذ من خلاله تنطبع الرؤية وعبره يُحاول الكاتب على مستوى الأسلوب ومعجمه اللّغوي استثمار موروثه الشعري (4 أعمال شعرية) لحظة الكتابة، لكن بقبعة الروائيّ العَارف بمُخاتلات السرد وبعجين اللّغة الروائية، عاملاً على ترحيل لغة الشعر صوب الرواية.

فهو يشتغل هنا كشاعر وليس كروائيّ، حيث إنّ خصائص اللّغة الشعرية حاضرة بقوّة ويعمد دوماً إلى ترميزها وجعل عملية إدراك وبناء المعنى في ذهن القارئ، تستدعي تأويلاً مُضاداً لمُختلف الأفكار والتصوّرات داخل الرواية، بما يجعلها خاضعة إلى نسقٍ فكري يُقوْلبُ الخطاب ويُغلّفه ويُقوقعه داخل سياج اللّغة.

تُصبح الكتابة لدى رائد وحش ليس ما يرغب في نقله لنا من أحلام ووقائع وأفكار، وإنّما ما تستطيع عين القارئ التقاطه من تفاصيل صغيرة مُتشابكة في حمأة وقائع فاجعة وأيضاً من قدرة الذاكرة على ترميم الأحداث وتفسير فانتازيتها وتفكيك حجاب اللّغة، بما يتضمّنه من سياقات وعلامات ورموز مشرعة في وجه بحر من التفسيرات والتأويلات المُمكنة.

نص مفتوح

بما أن رائد وحش، ينتمي إلى فئة الكُتّاب العرب الذين يشتغلون وفق تصوّرات مُتنوّعة، فإن القارئ لا يكاد يعثر على ما يجعل من الرواية على مستوى الشكل نصاً مفتوحاً، بسبب قدرته على تغليب لغة النثر وجعل التعابير الشعرية الحسية مُضمرة في عمق العمل الروائي وتحتاج إلى حساسية جمالية، تلتقط أنفاسها من داخل النثر.

من ثمّ، فهو يوجّه عمله إلى أن يكون رواية، لا تعتني بالأحداث اليومية وتفاصيلها المُملة، كما نعثر على ذلك في قلب الرواية العربيّة المعاصرة، أو ارتكان مباشر وعيني إلى واقع أو قضية أو تاريخ، يركب عليهما في بناء أحداث "عامُ الجليد"، بقدر ما يجعل روايته تتخذ مسار نسج حكاية فانتاستيكية، لا تتوقّف عن طرح أسئلة أنطولوجية حول مصير الكائن وجرحه.

إنها تنسج بطريقة غير مباشرة علاقة قوية بالوجود، انطلاقاً من هذه الأسئلة الطفولية، التي تجتاح مُخيّلة بطلها "سبارتكوس"، فهو لا يكاد يطرح سؤالاً حتى ينتقل إلى آخر أعمق منه.

لكن ما الذي جعل من اللاجئ مثل رائد وحش يركن إلى هذا النوع من الرواية الفانتاستيكية صناعة وتخييلاً، في الوقت الذي يحبل به الواقع السوري بالكثير من الحكايات والقصّص.

داخل الرواية نعثر على الكثير من المقاطع النثرية، التي تبرز بقوّة أنّ الحكاية الفانتاستيكية مجرد وعاء فني، يختفي وراءه الواقع العربي وشرطه الإنساني بكل أحزانه ونتوءاته.

لكن فانتاستيكية رائد وحش تكاد تكتسح شخصيات الرواية ومسار حكايتها. فهي لا تستبدل الواقع بالفانتاستيك، وإنما تجعل من هذا الأخير، ذريعة لتخييل الواقع بشكل مفرط والإقامة في حدود تجريد اللّغة.

يطلق رائد وحش العنان لذائقته النثرية على مستوى التخييل على لسان شخصياته الروائية الكرتونية، إذ رغم ما تتّسم به الرواية من أبعاد طفولية عن عالم الصبا والأحلام المُشرعة، فهي في العمق تختزن أبعادا أنطولوجية عن حقيقة وجودنا وشرطنا الإنساني داخل الزمن المعاصر.

وأحياناً تأخذ بُعداً جدلياً على لسان"سبارتكوس"من خلال موضوعات سياسية واجتماعية ووجودية وجنسية، على هذه الشخصية البدوية الفريدة في استيهاماتها، والتي تبدو قريبة من الواقع المعيش لما تختزنه من صفات وعلامات، عن العبث واللامعنى والفراغ واللجوء، حيث إنّ الراوي، يُصبغ في أحيان كثيرة جملة من الصفات الواقعية على هذه الشخصية الخيالية، التي تسبح في خيال لا تحده سماء.

لكن رغم فانتازية أسئلة سبارتكوس، فهي أكثر واقعية ولها علاقة وطيدة بما يعيشه الإنسان وجودياً، ليس فقط داخل البلاد العربية، وإنما أيضا داخل جغرافيات أخرى من العالم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يحفر الأديب والروائي يحيى يخلف عميقا في الجرح الفلسطيني بكل آلامه وتقلباته، ويعد آخر جيل الرواد المنسجمين مع ضمائرهم، الذين يتشبثون بالحلم ويؤمنون بقيمة الكتابة والإبداع والثقافة في تغيير الواقع.

صدرت مجلة “دمشق” في عدد مزدوج لشهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز، وجاء الملف الرئيسي للعدد بعنوان “الفلسطينيون والثورة السورية” حول أحوال الفلسطينيين السوريين في ظل الثورة السورية، كما حفل العدد بمواضيع أخرى متنوعة تقارب الثورة السورية والأوضاع الحالية في مصر، وضم ملفا أدبيا ثريا.

تستضيف مؤسسة هاينرش بول الألمانية حاليا عددا من المبدعين السوريين والفلسطينيين المقيمين في سوريا، الذين أجبروا على المنفى فكانت بعض المدن الألمانية الوطن البديل الذي نجوا فيه بكتاباتهم بعيدا عن الحرب التي تأكل الروح قبل الجسد.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة