أدب العامية بأوامر ملكية.. كيف كشفت مخطوطة مفقودة أول شعراء الأدب الإيطالي؟

الشاعران الإيطاليان دانتي أليغييري (يمين) وجيدو كافالكانتي (غيتي)
الشاعران الإيطاليان دانتي أليغييري (يمين) وجيدو كافالكانتي (غيتي)

تخيل عالما عرفنا فيه اسم الشاعر الملحمي الإغريقي هوميروس، في حين ضاع شعره "الأوديسة"، هكذا كان عالم النهضة الإيطالية المبكرة خلال النصف الثاني من القرن الخامس عشر قبل أن تغيّر مخطوطة فاخرة كُتبت بأوامر ملكية هذه الصورة.

قالت ماريا كلوتيلد الأكاديمية بجامعة أوكسفورد، في مقالها الذي نشره موقع "ذا كونفرسيشن" (The Conversation) الأسترالي، إن الكثير من الناس عرفوا أسماء بعض شعراء الأدب الإيطالي الأوائل -خاصة أولئك الذين كانوا معروفين بإنتاجهم الأدبي خلال القرن الثالث عشر- لكنهم لم يتمكنوا من قراءة قصائدهم لأنها لم تنسخ ولم تكن متداولة في المخطوطات.

في حوالي 1477 أمر لورينزو دي ميديشي الحاكم الفعلي لفلورنسا بتجميع مختارات من الشعر الإيطالي النادر المبكر ليتم إرسالها إلى فيديريكو دراجونا نجل ملك نابولي. باتت المخطوطة الفاخرة واحدة من أغلى ممتلكات فيديريكو. وتم عرضها وحظيت باهتمام مجموعة من الأرستقراطيين والمثقفين لمدة نصف قرن حتى اختفائها في أوائل القرن السادس عشر.

وفي الواقع، لم تختف المخطوطة تمامًا، إذ نتج عن الاهتمام الذي أثارته هذه المخطوطة أثر ورقي من الرسائل والنسخ الجزئية والمواد الأخرى التي تمكنت الكاتبة وباحثون آخرون من تجميعها معًا.

من هم شعراء العامية؟

ولعب الأدب العامي، أي الأدب المكتوب باللغة التي يتحدث بها الناس عادة، دورًا هامشيا خلال العصور الوسطى وعصر النهضة المبكر. كانت الثقافة "الحقيقية" لاتينية. وهذا يعني أن الاهتمام بالشعراء الأوائل الذين كتبوا باللغة الإيطالية كان محدودًا حتى ازدهار اللغة الإيطالية في عصر لورينزو دي ميديشي.

ومن بين شعراء القرن الثالث عشر سينو دا بيستويا الذي احتفى به دانتي أليغييري في أطروحته عن فن الشعر "دي فولغاري إيلوكينشيا"، وجيدو كافالكانتي الذي كان هو ودانتي صديقين حميمين. وقد ورد ذكر كافالكانتي في مجموعة الشعر المبكرة لدانتي "فيتا نوفا"، وعلى الرغم من شعبية دانتي، فإنه كان من الصعب الحصول على مجموعة "فيتا نوفا" قبل سنة 1576 عندما تمت طباعتها لأول مرة.

صورة للورينزو دي ميديشي حاكم فلورنسا المعروف بلورنزو العظيم (1449-1492) (غيتي)

راكولتا أراغون

قالت الكاتبة إن مجموعة شعر توسكان التي أرسلها لورنزو دي ميديشي إلى فيديريكو دي أراغونا في 1477 تضمنت مقتطفات من "فيتا نوفا" لدانتي، بالإضافة إلى القصائد النادرة المسترجعة من المخطوطات القديمة لسينو وجيتوني داريزو وكافالكانتي وغيرهم. وقد استُهلت المجموعة برسالة موقعة من لورينزو نفسه.

سُميت المخطوطة فيما بعد باسم مالكها وأصبحت "راكولتا أراغون" (مجموعة أراغون). وأصبحت واحدة من أغلى ممتلكات فيديريكو وموضوع اهتمام وفضول واسع النطاق.

وأشارت الكاتبة إلى أن فيديريكو أخذ المجموعة معه عندما سافر إلى روما في نهاية سنة 1492 ليُقسم بالولاء لبابا بورجيا إلكسندر السادس. خلال هذه الرحلة، عرضه على العالم باولو كورتيزي، الذي كتب على الفور إلى بييرو دي ميديشي، ابن لورينزو، وفي هذه الرسالة يروي كورتيزي أنه قد عرض عليه مخطوطة بها قصائد لشعراء عاميين مبكرين، وعلى رأسهم سينو وجيتوني.

الملكة الأرملة والدوقة

ذكرت الكاتبة أن فيديريكو كان آخر ملوك سلالته، وفقد عرشه عندما غزا ملك فرنسا لويس الثاني عشر إيطاليا. عندما غادر نابولي في صيف 1501، أخذ فيديريكو كتب المكتبة الملكية معه. اضطر لاحقًا إلى بيع جزء منها لإعالة نفسه وأتباعه أثناء منفاه في فرنسا. ولكن لم يتم بيع "راكولتا أراغون"، وبعد وفاته سنة 1504 تم نقلها إلى أرملته إيزابيلا ديل بالزو.

في 1512، قدمت الملكة الأرملة المجموعة بعد ذلك إلى إيزابيلا ديستي، دوقة مانتوا، في شمال إيطاليا. احتفظت بها لمدة شهرين، وعلى الرغم من أنها وعدت في رسائلها بعدم تركها في أيدي الآخرين، فإنه من المحتمل أنها طلبت نسخة كاملة منها مما أدى إلى توفر نسخ جزئية أخرى.

نُقلت هذه النسخ في شكل مخطوطة ولم تكن واسعة الانتشار، ومع ذلك تمكّن العديد من مثقفي عصر النهضة من قراءة هذه الأعمال "المفقودة" وتأثروا بها في محاولاتهم لإعادة بناء تاريخ الأدب الإيطالي استنادا لهذه المتفرقات المجزئة.

في 1527 جاء التغيير الحقيقي عندما نُقلت مجموعة مطبوعة من الشعر العامي لأساتذة مثل سينو وغيتوني وكافالكانتي إلى جمهور أوسع بكثير، وبذلك لم يعودوا مجرد كتاب مجهولين، وتبوؤوا مكانهم أخيرًا في الأدب الإيطالي.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة