الطفل الذي نسي أن يكبر.. الجزيرة نت تحاور "الرجل المكتبة" ألبرتو مانغويل

الأديب الأرجنتيني المولد الكندي الجنسية ألبرتو مانغويل، اعتبر أن هناك مدنا بعينها طرقت أبواب قلبه مثل بوينس آيرس وتورنتو وباريس وميلانو وبيروت (الجزيرة)
الأديب الأرجنتيني المولد الكندي الجنسية ألبرتو مانغويل، اعتبر أن هناك مدنا بعينها طرقت أبواب قلبه مثل بوينس آيرس وتورنتو وباريس وميلانو وبيروت (الجزيرة)

حينما تقرأ كتب وروايات الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل، وتكتشف عالمه الإبداعي العجائبي عن قرب، وسيرة حياته التي تشبه قصص السندباد، ستخمن أن هذا الكائن الطائر، الحالم، الشبح، الذي يعشش بين الحروف والصفحات والكتب والمكتبات والذي وهب حياته للقراءة والكتابة والترحال، هو كائن خيالي، أسطوري، عجائبي، لغوي، حبري، من ورق، لا ينتمي إلى عالمنا الواقعي المشوه.

في هذا الحوار تحدث مانغويل للجزيرة نت عن دور العرب في تعريف العالم بكتابات أرسطو، وتناول تجربة شعراء وأدباء عرب معاصرين مثل محمود درويش وأدونيس ونجيب محفوظ الذي قال إنه ليس أهم الكتاب العرب، وتناول حديث السياسة وأمل التغيير المرتبط بالربيع العربي وحق الفلسطينيين في أرضهم.

في هذا الحوار معه، يبدو مانغويل بالفعل شخصية روائية، لغوية عجائبية، متلونة، منفلتة من عقال الكلمات والقصص، شخصية متنكرة قفزت من إحدى الروايات والمخطوطات والمجلدات الكثيرة التي تسكن مكتبته وذاكرته.

قدرة كبيرة على تحنيط الزمن، ونسيان العمر، والتشبث بالبراءة، والتوحد بالطفولة، وقدرة سحرية أكبر على اختلاق الأحلام، والسخرية من الواقع، والتكهن بالمستقبل، وتشمم عبير الحروف، وعطر الكلمات، وسر الكتب الخفي، أهلت الكاتب ألبرتو مانغويل لأن يلقب بـ"الرجل المكتبة" و"دون جوان المكتبات"، كما وصفه الناقد الأميركي جورج ستاينر.

وهذا ليس كثيرا على كاتب ولد من غيم اللغة ورضع غيث المعاني وفطم على مزن الأقاصيص وهطل من مطر الحروف. كاتب استوطن المكتبات وامتهن القراءة ووهب حياته للترحال والاكتشاف والمعرفة. وقد كان لفترة العامين المتتاليين التي قضاها في بوينس آيرس بالأرجنتين في بداية حياته، يقرأ الكتب لأستاذه الضرير خورخي لويس بورخيس، تأثير عميق وكبير على توجهات بقية حياته الأدبية والفكرية.

وكانت أولى نتائج هذا التأثير تبنيه وترجمته وتحقيقه لحلم بورخيس الذي طالما تخيل الفردوس على شكل مكتبة، حيث خلق مانغويل فردوسا أرضيا، وجنته الخاصة التي تحتوي على أكثر من ٤٠ ألف كتاب.

هو العاشق المولع بتفاصيل القراءة، القراءة التي وهبته حيوات كثيرة، وجوائز ومكانة مرموقة في عالم الأدب والثقافة، وهو المسكون بروح كل الأزمنة والعصور التليدة والأساطير العجيبة التي انتقلت إليه من عدوى الكتب الجميلة. وقد أهلته هذه الأرواح الكثيرة التي سكنته لأن يتمتع بثقافة موسوعية نادرة، ويحلق بأكثر من جناح في سماء الأدب والكتابة والمعرفة، مثل جناح الترجمة والرواية والفكر والصحافة والترحال.

شاءت الأقدار لهذا اللقاء الصحفي الذي أجرته الجزيرة نت مع الكاتب ألبرتو مانغويل، أن يكون في حي "سان جيرمان" بباريس، على بعد خطوات من جامعة السوربون إحدى الرموز العلمية والمعرفية، وعلى بعد مكتبات من الحي اللاتيني معقل الفن والإبداع والحرية، وموطن الحركة الثقافية التي بلغت ذروتها إبان ثورة 1968 الطلابية الفرنسية، التي قادها جون بول سارتر ورفاقه.

كما كان هذا اللقاء في النزل نفسه المحبب لصديق مانغويل الأثير محمود درويش، والذي طالما أقام فيه وجلس في بهوه يرتشف قهوته الصباحية على إيقاع التانغو الأخير في باريس، وقال مانغويل عن درويش أنه "وضع السقف عالياً لمن سيأتي بعده".

وطوال هذا اللقاء كان درويش وفلسطين حاضرين بقوة في أكثر من سؤال وجواب ومن تعقيب، كما حضرت قضايا عدة أخرى وإشكاليات حارقة، مثل علاقة الهوية بالعولمة والتحديات التي تطرح اليوم على المثقف العضوي في علاقته بمحيطه وبالسلطة.

كما تطرق اللقاء إلى تطور مفهوم القراءة في عصرنا الراهن، ودور هذه الأخيرة في رفع درجة الوعي وتخليص الإنسان المعاصر من التدجين والتهميش. ودون أن ننسى طبعا الحديث عن عوالم مانغويل العجائبية الإبداعية كتابة وقراءة وترحالا، وتشبثه بروح الطفولة وأحلامه الأولى، فإلى الحوار.

– تتحدث في أغلب كتبك مثل "تاريخ القراءة" و"فن القراءة" و"المكتبة في الليل" و"يوميات القراءة" و"مع بورخيس"، عن القراءة بمعناها ومعادلتها التقليدية الكلاسيكية، ألا تعتبر أن مفهوم القراءة اليوم تطور وتغير كثيرا؟ ألا يمكن اعتبار لحظات التأمل القصوى في السفر، والاندهاش أمام معرض رائع للفن التشكيلي، والاستمتاع بأمسية شعرية متميزة أو قطعة موسيقية فريدة أو أغنية أصيلة، أو حالة الانعتاق اللذيذة التي يحدثها فينا فيلم سينيمائي أو مسرحية، ألا يعتبر كل هذا حالة عميقة حديثة من القراءة؟

–  فعل القراءة له العديد من الدلالات، والأكثر شيوعًا في الوقت الراهن هو قراءة النصوص إما مطبوعة أو على الشاشة. لكن فعل القراءة يشتمل أيضا على الكثير من المعاني الأخرى منذ قديم الزمان.

نحن كبشر نستطيع أن نقرأ المناظر الطبيعية ونقرأ العيون، ونقرأ ونتفرس وجوه الآخرين لفهم ردود فعلهم. كل هذه العوالم هي طريقة للقراءة، مثلها مثل تأمل لوحة فنية تشكيلية أو الاستمتاع بالسينما أو المسرح أو الموسيقى أيضًا.

ولكن هناك فرق واضح واختلاف مهم بين قراءة النص وبين قراءة الأشكال الأخرى من الإبداعات التي يقدمها لنا العالم. أهم فرق هو أن قراءة النصوص تنطوي على حوار عميق مع اللغة التي نتحدثها. هذه اللغة التي نشأت لتسمية الأشياء المرئية وغير المرئية، حيث تصبح في النصوص نوعًا من ذخيرة التجربة الحية. وأفضل طريقة لنقل التجربة من شخص إلى آخر، هي من خلال فعل القراءة عبر الزمان والمكان، حيث يمكنني أن أكون في حوار مع أبي نواس من خلال حضارتي وزمني، لكن هذا الحوار سيكون ويبقى معاصرا وآنيا.

– هناك شاعر عربي مهم، اسمه بشار بن برد يقول "والأذن تعشق قبل العين أحيانا"، ألا يمكن لحاسة السمع أن تكون وسيلة جيدة لعشق القراءة، كما حاسة البصر؟     

– تعلمون أن العرب هم الذين أعادوا للعالم كتابات أرسطو، التي نشرت فيما بعد، وفي فكر أرسطو أهم أداة للإنسان هي العين والبصر. وهذه الحاسة هي التي تنفتح بنا على العالم، بخلاف الحواس الأخرى التي تعطينا فقط معلومات، لكنها كلها حسب أرسطو محكومة بالعين، لذلك يبقى فعل قراءة العين مميزا وعميقا.

وهذا هو الجانب الآخر المهم من الفكر الإنساني الذي يتدخل في فعل القراءة. يقول بورخيس "إن الكتاب هو الأكثر دهشة بين كل الأدوات التي اخترعها الإنسان طوال تاريخه، فبقية الأدوات هي امتداد للجسد، فالميكروسكوب والتلسكوب هي امتداد لرؤية الإنسان، والهاتف امتداد لسمعه، المحراث والسيف امتداد لذراعه، غير أن الكتاب هو امتداد لشيء آخر، امتداد للذاكرة والمخيلة".

مانغويل: أتمنى قبل موتي أن أجد المكان الحميمي الذي تحلم به روحي لأستقر به رفقة مكتبتي إلى الأبد (الجزيرة)

كل الفنون تمر عبر الكلمات

– بمناسبة سياق الحديث عن الموسيقى والمسرح والرقص والفن التشكيلي والسينما، أي هذه الفنون أقربها إلى قلبك وأثرث تجربتك الإبداعية فنيا وفكريا؟

– كلها، أحب الموسيقى والرقص والسينما والرسم والمسرح، ولكنني كقارئ أعتقد أن كل هذه الفنون تمر عبر لغة الكلمات. يعني للتفكر في مسرحية أو في فيلم سينمائي أو لوحة فنية تشكيلية أو قطعة موسيقية، يجب أن أترجم كل هذه التجارب الإبداعية إلى سرد وقصة، ولكل ذلك فأنا أحتاج إلى الكلمات. وبالتالي ولادة أي عمل إبداعي فني لابد أن تمر وتترجم عبر الكلمات، وبالتالي عبر القراءة.

– الكثير من الأعمال الروائية العالمية الناجحة حولت إلى أفلام سينمائية ومسلسلات وقطع مسرحية، فهل وصلتك عروض لتحويل بعض أعمالك الروائية والإبداعية إلى أفلام سينمائية؟

– في الحقيقية، لقد قدمت لي عدة مقترحات لاقتباس أعمالي، ولكنها لم تكن جدية بالشكل الكافي لتنتهي للتجسيد على أرض الواقع. كتابي "قصة القراءة" هو الوحيد الذي تم تحويله وإنتاجه من قبل التلفزيون الكندي والأميركي، وتم بثه في ٦ أو ٧ حلقات تحت عنوان "إمبراطورية الكلمات".

وفيما يتعلق بالروايات كان لدي اقتراح جدي ومهم لاقتباس روايتي "أخبار من بلاد أجنبية" وتحويلها إلى فيلم سينمائي من قبل الممثل والمخرج الإيطالي العظيم مارسيلو ماستروياني، ولكن بعد وفاته تبخر المشروع.

كذلك كان لدي اقتراح آخر من شركة إسكتلندية لاقتباس روايتي "ستيفنسون تحت أشجار النخيل" لكن المشروع لم ينته للأسف. لذلك ما زلت في انتظار الاقتراح الجيد والجدي، لأنني أرغب بشدة في رؤية قصصي ورواياتي في السينما.

القراءة في مواجهة العولمة والتدجين

– هل للكتب أرواح كما الإنسان؟

– طبعا، بالتأكيد للكتب أرواح كما البشر فقط نحن كقراء نهب هذه الأرواح للكتب حين نقرؤها ونحبها ونبثها لواعجنا وندخل معها في حوار أفكار.

 – في زمن الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات، وزمن العولمة التي تحاول تدجين الإنسان وتحويله لمجرد رقم تجاري، وروبوت صامت، وآلة في مصنع، هل يمكن للكتاب والقراءة والأدب والإبداع والثقافة أن تكون هي المتراس الأخير، والحصن الأخير الذي يتحصن به الإنسان للدفاع عن إنسانيته وثقافته المتفردة وهويته الأصيلة؟

– صراحة لا أعلم. لا أعلم حتى إن كنا نأمل في ذلك، أنا بالفعل متشائم في هذه الفترة، أعتقد أننا نعيش في عصر كارثي وسيئ جدا. ومع هذا كله، نستطيع التعايش بحذر مع العنف المسيطر من حولنا، كما نستطيع التعايش بحذر مع كل الكوارث الطبيعية التي نراها اليوم، لكننا لا نستطيع التعايش مع هذا التدمير الممنهج لذواتنا وحياتنا الحميمية.

نحن نرى اليوم هؤلاء السياسيين الذين يحكموننا، وهم يدمرون العالم ويدمرون المبادئ والقيم الجميلة. بداية من دونالد ترامب، ومرورا بهذا الدكتاتور في البرازيل، ووصولا إلى الرئيس الكارثة في الهند، وهذا المعتوه نتنياهو، وختاما بهذا الوحش السوري بشار. كل هؤلاء الأشخاص يدفعون العالم للانتحار، ويؤججون الصراعات والحروب والعنف، ويهدمون حياتنا وتفاصيلنا الصغيرة الجميلة.

– أي تعريف يعطيه ألبرتو مانغويل للهوية؟ وهل أصبح مفهوم الهوية والدفاع عنها ملحا اليوم، في زمن اضمحلال الهويات وانشطارها وتعددها وتداخلها نتيجة إغراءات العولمة ومنغصاتها وإكراهاتها؟

– أعتقد أن هناك تعريفين للهوية. واحدة تفرض علينا من الخارج ويفرضها علينا المجتمع. وهي على سبيل المثال، كأن نقول أنا شيخ أرجنتيني كندي أبيض..إلى آخره، وهناك هوية ثانية وهي التي نختارها وننشئها بأنفسنا. وهذه هي الهوية الحقيقية التي يجب أن نحتفظ بها ونحرص على صونها وتطويرها.

ولكن القوى المحيطة بنا والمجتمع لا يتركنا نتصرف بحرية، ولا يرتضي لنا تطوير هذه الهوية كما نحب، لأنه غالبا يحرص على حصرنا في قوالب معينة يلصقها بنا منذ النشأة. وهذه الصورة غالبا ليس هي ما نحمله نحن عن أنفسنا. وهذا ما يشكل خطرا كبيرا خاصة عند الشباب، الذين يجب عليهم عدم الرضوخ لهذا الواقع ولهذا المجتمع ولهذا العالم، الذي يحاول تحنيطهم ونزع روح الحياة والإبداع والحرية منهم. يجب على الشباب أن يعي هويته الحقيقية ويسعى لنحتها وتطويرها يوما بعد يوم.

– يعتبر أدب أميركا اللاتينية خير معبر، وخير مقاوم لمرحلة الدكتاتورية التي عاشتها هذه المنطقة، حيث برز كتاب كبار. وهذا ينطبق على الأرجنتين وما عاشته إبان حكم العسكر، فكيف عشت هذه التمظهرات الأدبية الإبداعية العميقة، وكيف تصف هذه المرحلة الحساسة؟ وكيف تقارنها بما يعيشه اليوم العالم العربي من تحرر وثورات على الظلم والدكتاتورية؟

– في البداية لا بد من توضيح أنني عدت للأرجنتين وأنا في سن السابعة وكان ذلك سنة 1955، حيث بقيت هناك إلى سنة 1969. وقد غادرتها عندما بدأت مرحلة الدكتاتورية. ولم أغادر بلد المنشأ لأسباب سياسية، وإنما لأنني أردت السفر.

أقول هذا لتمييزي عن أصدقائي الذين عانوا من الدكتاتورية ودفعوا ثمنا باهظا وتم سجنهم وتعذيبهم ونفيهم وتشريدهم. أردت هذا التوضيح كي لا أبدو في هيأة المناضل، وكي لا آخذ مكان الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل الحرية.

ومن الأشياء المتناقضة في تلك الفترة، أن الوضع يبدو أكثر وضوحا من خارج الأرجنتين. ومن أوروبا وفرنسا تحديدا، يمكن أن نعرف ماذا يقع في الأرجنتين أكثر من الذين يعيشون في الأرجنتين في تلك الفترة، والسبب بسيط لأن الدكتاتورية العسكرية تحاول التعتيم على كل الجرائم، وتحاول إخفاء كل الأسرار والممارسات البشعة.

وقد حركت في هذه الدكتاتورية العسكرية أشياء عميقة وأحاسيس متنافرة ودفعتني لكتابة روايتي الأولى "أخبار من بلاد أجنبية".

ومن بين هذه الأشياء المتناقضة هو أنني علمت وقتها أن الجنود الفرنسيين الذين شاركوا في حرب الجزائر ومارسوا التعذيب هناك، هم أنفسهم الذين ذهبوا إلى الأرجنتين لتعليم أصول التعذيب والدكتاتورية للجنود الأرجنتينيين.

والسبب الثاني الذي كان قادحا لكتابة الرواية، هو هذه القصة الخاصة جدا التي سأرويها. فكما أخبرتك سابقا تعرض الكثير من أصدقائي للتعذيب والسجن والتشريد والقتل والمنفى.

ومن بين هؤلاء صديق عزيز ومقرب كان منفيا في البرازيل ولم ألتق به منذ سنوات الطفولة الأولى وسنوات الدراسة. وحين التقيته في فترة الثمانينيات، وبعد اضمحلال الدكتاتورية. ونحن نسترجع الذكريات ونتحدث عن أساتذتنا، أخبرني أن أستاذنا المميز الحساس الذي طالما شجعنا على القراءة وحب الشعر والأدب، هو نفسه الذي تحول في فترة الدكتاتورية إلى مخبر يحرض الجنود والعسكر على القبض على طلابه وتعنيفهم وتعذيبهم.

ومن هول دهشتي وصدمتي بما سمعت، رحت أتساءل كيف يمكن لمعلم كان يشجعني على القراءة والمطالعة وعلى حب الشعر والرواية ويؤصل في القيم النبيلة، كيف يمكن لإنسان بهذه الحساسية العالية، أن يحرض الجنود على طلابه الصغار الضحايا؟

ومن رحم هذه الصدمة والدهشة وهذه التساؤلات، ومحاولة مني لتفسير كل هذه الأحاسيس المتناقضة التي سكنتني، وللإجابة عن هذه الأسئلة المحيرة، من رحم كل هذا ولدت روايتي "أخبار من بلاد أجنبية".

وقد كانت الشخصية الرئيسية في الرواية، جندي فرنسي أرسل للأرجنتين من أجل مهمة معينة لا تكشف عنها الرواية إلا في الأخير. وقد أردت أن يكون هذا الجندي حساسا ومرهفا ومحبا للقراءة والأدب وعاشقا لزوجته وطفله. إنه إنسان مميز في كل شيء ويحمل أغلب صفات معلمي الذي علمني الأدب. ولكننا في النهاية نكتشف أنه جاء للأرجنتين من أجل تعليم التعذيب والدكتاتورية.

فلسطين والعرب

– كيف ينظر الكاتب ألبرتو مانغويل إلى ما يعانيه الشعب الفلسطيني من ظلم وتهجير، وإلى ما وصلت إليه القضية الفلسطينية من نفق مظلم في ظل خطة السلام الأميركية؟ مناصرة ودعم قضايا التحرر العادلة في العالم، هل هي غاية كل كاتب ومبدع حر برأيك؟

– لا أعرف إذا كنت تعرف الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي الذي لخص القضية الفلسطينية في خطاب من جملة مختصرة ومكثفة حيث قال "لا توجد حلول دون إعادة الأرض للفلسطينيين". بالنتيجة الشيء الوحيد الذي يتعين علينا فعله هو البدء بإعادة الأراضي المحتلة للفلسطينيين، ثم بعد ذلك يمكننا أن ندخل في نقاش وحوار ومفاوضات لساعات وأيام وأشهر. ولكن قبل إعادة الأراضي المحتلة، لا يمكننا بناء حوار ولا نقاش ولا مفاوضات ولا توجد حلول.

في كتابه "شخصيات مذهلة في عالم الأدب" يستعرض مانغويل قدرة شخصياته المتخيلة على الخروج من الكتب الأدبية لترشدنا في حيواتنا (الجزيرة)

ولكن ماذا عن خطة السلام الأميركية؟

– كل الناس صارت تعرف اليوم أن دونالد ترامب أحمق. والأخطر أن هذا الرجل أحمق شرير. أنت تعلم أن هناك فئة من الأطفال يستمتعون بتعذيب الكلاب والحيوانات البريئة. ترامب ينتمي تحديدا لهذه الفئة من الأطفال السيئين. أعتقد أن الأشخاص الأشرار السيئين المولودين في مجتمع صالح ومتقدم، يتم التخلص منهم واجتثاثهم كما يجتث أي مرض خطير. لدي صديق يشبه دونالد ترامب بمرض الإيدز الخطير الذي أصاب مجتمعنا الكوني. وبالنهاية هذه الخطة لن تنجح أبدا.

 – كيف ترى كمثقف ثورات الربيع العربي وهذا الحراك والمظاهرات ضد الدكتاتورية؟

أعتقد أن ثورات الربيع العربي قد أثبتت أن هناك أملا في التغيير العميق من الداخل، وربما هناك بعض النتائج الأولية والثمار لهذه التجارب، ففي الجزائر مثلا استطاعت المرأة أن تساهم في هذا الحراك وتتقدم أكثر نحو الحياة السياسية. وفي تونس هناك حركة ثقافية ومحاولة للتغيير بشكل أو بآخر، ولكن للأسف هناك بعض التجارب التي أفرزت دكتاتورية جديدة سواء عبر العسكر أو عبر الإسلام السياسي، وهذان الخياران سيؤديان بالضرورة إما إلى التطرف الديني وإما إلى التطرف في العنف. وسيستحيل بذلك الحكم عبر منظومة سياسية متوازنة وعادلة.

ورغم كل هذا، لابد من التأكيد أن الربيع العربي أثبت أن هناك فئة كبيرة من الشعب، وخاصة الشباب، قادرة على التغيير، وهي التي تحمل بذور الأمل وجذوة الطموح. وهؤلاء الشباب هم الذين يحاولون فتح نوافذ الأمل والتغيير. هناك إرادة ما تعبر، وشيء ما يتغير، وبذرة ما تنمو، فلنحاول ترك نوافذ الأمل مفتوحة، ولنحاول ألا نغلق هذه النوافذ أبدا.

الأدب والمنفى

– هل تعتبر المنفى والسجن تجربتين ضروريتين لكل كاتب ومبدع حتى يعمق أفكاره ويبدع أكثر؟

-لا، هذه فكرة خطيرة للغاية أتت مع أرسطو الذي يعتقد أن المعاناة الروحية ضرورية للفعل الإبداعي. وأن الحكمة تولد من عمق المعاناة. وأعتقد أن المجتمعات البرجوازية قد استغلت هذا التفكير، لتترك الفنان والمبدع يتألم ولا تدفع له حقوقه. ولذلك يجب أن نتخلى عن مثل هذا التفكير حتى نستطيع أن ننتج أدبا وإبداعا مميزا وأكثر جدية.

–  تتداخل السيرة الذاتية باليوميات بالرحلات بالرواية بالدراسة النقدية في كتاباتك، فما رمزية ذلك؟ وهل تؤمن بتداخل الأجناس الأدبية في الكتابة الحديثة؟ 

– نعم أؤمن بذلك، وهذه حقيقية بديهية، لأن الأدب ولد من دون هذه التصنيفات الحديثة. والدليل على ذلك هي ملحمة قلقامش التي هي مزيج بين الشعر والرواية والمقال والوثيقة التاريخية، هي كل هذا المزيج وأكثر. وأعتقد أن كاتب هذا النص الإنساني العظيم لم يقرر ولم يصرح حين كتب كتابه أول مرة، أنه سيكتب قصيدة أو رواية أو مقالا، وإنما جاء النص هكذا تلقائيا. وبعد ذلك وبتطور الأدب حاول الأكاديميون والمكتبيون أن يميزوا ويفصلوا بين الأجناس الأدبية، مع أن هذا الفصل ليس صالحا دائما.

ورغم ذلك هناك الكثير من الكتاب الذين بقوا طوال حياتهم يحاولون المزج بين الشعر والنثر والرواية والمقال والبحث والقصص، من أجل كسر كل هذه الحواجز والوصول إلى خلطة إبداعية واحدة راقية. وأعتقد أننا اليوم بصدد العودة إلى هذه الحرية العميقة في الأدب، التي تحاول التنصل من كل التصنيفات.

– بماذا تريد أن تنهي هذا الحوار، أترك لك كلمة الختام؟

– أنهي بقولة غوستاف فلوبير "اقرأ لتحيا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لم يتوقف مشروع الكاتب الأرجنتيني الكندي ألبرتو مانغويل في استنطاق الكتب عند إنتاج المؤلفات التي تمتدح القراءة وتؤرخ للمكتبات، وإنما ذهب لمقاربة جديدة لما يسمى الشخصيات المفاهيمية.

يخص الكاتب التونسي حسونة المصباحي الروائي الأكثر شهرة في العالم جيمس جويس بكتاب خاص تحت عنوان "جيمس جويس في منافيه" يروي فيه علاقته الخاصة بصاحب رواية "عوليس".

عرف ألبرتو مانغويل بعلاقته الوطيدة مع بورخيس الذي يعد لسنوات القارئ الرسمي له، وسجل ذلك في سيرته "مع بورخيس"، لكن أعماله الإبداعية ظلت مجهولة عربيا قبل ترجمة روايته الصغيرة "عودة".

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة