انفجار بيروت يغيّب راعية التراث الثقافي اللبناني.. وفاة الابنة الوحيدة لمؤسس متحف سرسق

إيفون سرسق المعروفة بـ"السيدة سرسق كوكرن" ومتحف سرسق بالعاصمة اللبنانية بيروت (وكالة الأنباء الألمانية)
إيفون سرسق المعروفة بـ"السيدة سرسق كوكرن" ومتحف سرسق بالعاصمة اللبنانية بيروت (وكالة الأنباء الألمانية)

توفيت إيفون سرسق كوكرن راعية الفنون والتراث الثقافي والمعماري اللبناني عن 98 عاما بعد إصابتها في انفجار مرفأ بيروت الشهر الماضي.

وببالغ الحزن، نعاها بيان صادر عن متحف سرسق الذي ساهمت في إنشائه، مشيرا إلى جهدها الكبير في حماية التراث المعماري للبلاد على مدى حياتها.

وتوفيت السيدة كوكرن (وهو لقب ملكي ورثته بعد زواجها من السير ديزموند كوكرن عام 1946) يوم الاثنين عشية ذكرى مرور 100 عام على تأسيس دولة لبنان، وكانت رائدة في مجال التوعية بالتراث المعماري والثقافي اللبناني.

وهي الابنة الوحيدة لألفريد بيه سرسق أحد أعيان لبنان وزوجته الإيطالية دونا ماريا تريزا، وأسست جمعية حماية المواقع الطبيعية والمباني القديمة في لبنان وتولت رئاستها من 1960 حتى 2002.

وسقط 190 قتيلا في انفجار مرفأ بيروت وأصيب نحو 6 آلاف بجروح، ودمرت أحياء كاملة شملت العديد من منازل أسرتها.

وتولت إيفون رئاسة لجنة متحف سرسق من 1960 إلى 1966، وكان لها دور حيوي في تطويره خلال سنواته الأولى.

وألحق الانفجار أضرارا جسيمة بقصرها، وهو إحدى العلامات المعمارية في المدينة.

وتشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى وقوع أضرار بالغة في 640 مبنى تاريخيا نتيجة الانفجار، منها 60 مبنى مهددا بالانهيار.

أضرار من داخل متحف سرسق على إثر انفجار بيروت (الجزيرة)

أضرار المتحف العريق

عند درج مار نقولا صعودا ينجلي مشهد أبنية بيروت التراثية وكأنها صارت بأسقف مشوهة أو من دونها، في حين أن القراميد (الطوابق) الحمراء لبعض هذه الأبنية تحولت إلى حجارة متطايرة، ولدى الوصول إلى حي سرسق التراثي يظهر حجم الدمار الذي طال بيوتا قديمة وبوابات خشبية عملاقة.

داخل متحف سرسق -الذي بنته عائلته الأرستقراطية في عام 1912، قبل أن يتحول إلى متحف عام 1961، ثم يعود ليفتح أبوابه عام 2015 بعد 8 سنوات من ترميمه- دُوّنت على أحد جدرانه التي تروي قصص أعماله الفنية وقطعه ومنحوتاته عبارة "الباستيل" أو "بريق الحياة".

لكن "بريق" هذا المكان قد خفت بعد أن أخلي من جميع محتوياته الفنية، وتحولت زواياه إلى مساحة للردم والزجاج المحطم.

في باحة سرسق "البيضاء" الخارجية جلست مديرة المتحف زينة عريضة منهكة من معاينة الدمار، وقالت للجزيرة نت -بعد أيام من الانفجار- "قبل لحظات من دوي الانفجار الرهيب كنت مع 3 زملاء داخل المكتبة تحت الأرض في المتحف، شعرنا أن أمرا غريبا يحدث، لم يكترثوا بادئ الأمر، ثم احتمينا في مكان بلا شبابيك كي لا تسقط علينا، فنجونا".

وبعد أن أزالت إدارة المتحف نحو 150 قطعة فنية -تضرر منها ما لا يقل عن 25 قطعة، ووضعتها في المخابئ- كانت قوة الانفجار قد حطمت بوابات حديدية تحت الأرض يصل عمقها إلى 16 مترا، كما لم يبق باب خشبي على حاله.

تأسف زينة قائلة "لم نستطع تقدير حجم خسارتنا المالية في المتحف، فقد عدنا إلى نقطة الصفر ويحتاج لملايين الدولارات بعد أن كلف ترميمه أكثر من 16 مليون دولار أميركي، وهناك أضرار لا يمكن إصلاحها، فيما الأولوية هي تدعيمه وتصليح شبابيكه قبل فصل الشتاء".

محاولات الترميم

دمر انفجار بيروت مئات الأبنية التراثية في بيروت، والتي بلغت نحو 640 مبنى تاريخيا، و60 منها معرضة لخطر الانهيار الكامل، وهي من بين ما لا يقل عن 8 آلاف مبنى تضررت من الانفجار، بحسب أرقام مديرية الآثار في وزارة الثقافة اللبنانية.

هذه الأبنية التراثية -وهي عبارة عن مساكن ومتاحف وقاعات فنون ومواقع دينية- تقع معظمها في الأحياء التاريخية كالجميزة والأشرفية والتباريز ومار مخايل والكارنتينا، وفي زقاق البلاط وميناء الحصن، ويعود بناؤها للعهد العثماني والانتداب الفرنسي وهي ذات تراث معماري حديث.

وقدرت مديرية الآثار اللبنانية التكلفة الإجمالية الأولية لأعمال الإصلاح والترميم لهذه الأبنية بما لا يقل عن 300 مليون دولار، لكن نقيب المهندسين في بيروت جاد ثابت قدّر في حديث سابق للجزيرة نت القيمة المالية الحقيقية لتكلفتها بـ3 أضعاف المبلغ المعلن "أي ما لا يقل عن 900 مليون دولار.

المصدر : الجزيرة + رويترز

حول هذه القصة

ماذا خسرت بيروت التي جسدت لعقودٍ طويلة "الحصن الثقافي" للعالم العربي وكانت قبلة الثقافة والتراث للكُتاب والفنانين العرب؟ ربما "خسرت كلّ شيء بعد هذا الانفجار، الذي كان أشبه باستهداف لتاريخها".

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة