تجربة روائي وفيلسوف إيطالي.. ماذا يحدث لعشاق الكتب في العصر الرقمي؟

الكتب الورقية تأثرت كثيرا بسبب وباء كورونا الذي أدى إلى تغير نمط تعامل البشر مع المكتبات (وكالات)
الكتب الورقية تأثرت كثيرا بسبب وباء كورونا الذي أدى إلى تغير نمط تعامل البشر مع المكتبات (وكالات)

كانت تربط الروائي والكاتب السينمائي جان كلود كاريير علاقة صداقة متينة بالروائي والفيلسوف الإيطالي أومبرتو إيكو (توفي 2016م)، حيث جمعهما حبهما للكتب والكلمات.

وإيكو هو روائي وناقد أدبي وفيلسوف وأكاديمي إيطالي، تخصص في تاريخ وآداب القرون الوسطى، ويوصف بأنه رائد علم السيميائية. اشتهر بروايته ذائعة الصيت "اسم الوردة"، ويُعتبر من ألمع المفكرين الإيطاليين وأحد عظماء الأدب العالمي المعاصر، لما حظي به من نجاح أدبي في أنحاء العالم.

في مقاله الذي نشرته صحيفة "لوبوان" الفرنسية، أجرت الكاتبة فيكتوريا غيرين مقابلة مع الكاتب الفرنسي جون كلود كاريير الذي أوضح أنه تعرّف على الفيلسوف الإيطالي من خلال فضاء (ملتقى) إيراسموس، حيث كان صاحب فكرة إنشائه في جامعة بولونيا.

وكان إيكو قد دعا المثقفين من مختلف التخصصات، لتبادل أفكار أساليب عملهم. وفي محادثاتهما الأولى، أدركا أنهما كانا على حد سواء من هواة الكتب، ويتشاركان في حب الكثير من الكتب المماثلة.

وأشار الكاتب الفرنسي إلى أن إيكو كان مولعا بالكلمات ويريد اكتشاف تاريخها وأصلها، حيث كان يريد أن يعرف معنى كل كلمة، ولماذا يُسند إليها هذا المعنى دون سواه. في هذا السياق، قال إيكو: "لا يقتصر دور المكتبة على تخزين الكتب التي قرأتها، وإنما الحفاظ على الكتب التي ينبغي عليك قراءتها".

كما كان إيكو يملك آلاف الكتب، التي يصل عددها حوالي 50 ألف كتاب، مقسمة بين مكتبته في ميلانو والمكتبة التي كان يملكها في منزله في مونتي سيرينوني الإيطالية. وكانت تضم كتبا حول علم السيميولوجيا وتاريخ الأديان والموسوعات من جميع الأنواع والروايات وأكوام كاملة من القصص المصورة الأرجنتينية تعود إلى حقبة ما قبل الحرب، فضلا عن مجموعة من الكتب القديمة التي جمعها بعناية.

اكتشاف التاريخ

كان إيكو يريد أن يكتشف كيف كان المؤرخون يكتبون التاريخ استنادا إلى الأكاذيب ومعطيات تقريبية وغير موضوعية. بالإضافة إلى ذلك، وقع كلاهما في حب كتابات العالم الألماني أثانيسيوس كيرتشر، الذي اشتهر في القرن الـ17، والذي تطرّق إلى الكثير من المواضيع والعلوم.

وفقا لكاريير، نزل كيرتشر إلى فوهة جبل فيزوف البركاني ليتحقق بنفسه من شكله من الداخل. كما كتب عن مواضيع متنوعة مثل الرياضيات وعلم الفلك والموسيقى والصوتيات وعلم الآثار والكيمياء والبصريات والطب، وحتى عن الصين، في حين أن قدمه لم تطأ ذلك المكان قط.

وأوضح الكاتب الفرنسي أنه عندما كان في باريس، كان إيكو يقبع في مكتبته لبضع ساعات من أجل قراءة كتب أثانيسيوس. وأشار كاريير إلى أن حبهما للكتب كان يمثل مصدر إزعاج بالنسبة للكثيرين، ولا سيما عند الالتقاء معا خلال مناسبات اجتماعية.

يتذكر كاريير أنه أثناء مأدبة عشاء، استضافه الممثل الإيطالي مارسيلو ماستروياني، واحتدم النقاش بينهما حول كتاب اقتناه من أوغسبورغ يعود للقرن الـ17، بما في ذلك جودة طباعة الكتاب ونوعية الورق المستخدمة عبر العصور، مما دفع بزوجة ماستروياني إلى طردهما خارج المنزل. في المقابل، لم يمنعهما ذلك من مواصلة حديثهما على رصيف الشارع.

بيع الكتب للهواة

في ما يتعلق ببيع كتبه القديمة في فندق درووت خلال عام 2013، أجاب كاريير أنه من الأفضل أن يبيع كتبه خلال حياته، ليمنع ورثته من أن يسقطوا في فخ باعة الكتب بعد أن يموت. كما أكد كاريير أنه سعيد بأن تكون أعماله بين هواة الكتب المتحمسين الذين ربما يئسوا من العثور على طبعة أصلية.

وأوضح الكاتب الفرنسي أنه كان يملك مكتبة على الطراز الباروكي، تتألف من كتب مصورة بالنقوش المنشورة في أوروبا في القرنين الـ16 والـ17، مثل تلك التي تعود للروائي أندريه ألسيات، ناهيك عن كتب شعر البرلسك.

من ناحية أخرى، يملك الكثير من الكتب المترجمة التي تتحدث عن الفلسفة الشرقية. وعلى وجه الخصوص، احتفظ الكاتب الفرنسي بأكثر من 100 رسالة مكتوبة بخط يد لويس بونويل.

أكّد كاريير أن هذه المجموعة كانت من بين الكتب التي فضّل الاحتفاظ بها لنفسه من ضمن حوالي 20 عملا قيما. على سبيل المثال، كانت لديه الطبعة الأولى من كتاب "كابريس" للنقّاش والرسام الإسباني فرانثيسكو دي غويا، التي يعود تاريخها إلى عام 1799. وتعد هذه المجموعة، التي تضم حوالي 80 نقشا ساخرا من المجتمع الإسباني في أواخر القرن الـ18، بمثابة كنز حقيقي.

أضاف كاريير أنه يملك "العصر الذهبي" للويس بونويل، مع نقوش ماكس إرنست، فضلا عن كتاب رسمه المخرج ولاعب السيرك بيير إيتيه بالكامل. وبالنسبة له، تعد هذه الكتب القليلة قيمة ولا يمكنه التخلص منها.

وخلص كاريير بالقول إنه ليس متأكدا من الشكل الذي ستكون عليه مكتبته المثالية. في المقابل، يهم كل من كاريير وإيكو أن يعرفا ماذا سيحدث لعشاق الكتاب في هذا العصر الرقمي.

وعلى الرغم من أنه متأكد من أن الشبكات الاجتماعية يمكن أن تكون مفيدة للغاية، إلا أنه يعتقد أنه سيكون هناك غياب واضح للمسة البشرية الحميمة. كنتيجة لذلك، شدد كاريير أن المستقبل كفيل بأن يخبرنا بالنماذج الجديدة للعلاقة التي ستربطنا بالكتاب.

المصدر : الصحافة الفرنسية

حول هذه القصة

راكبا سيارته المكتبة، يجوب علي الموسوي شوارع بغداد حاملا معه مئات الكتب، على آمل ترويج تجربته. مكتبة فيها كتب متنوعة تعلو ظهر سيارة نقل صغيرة، وترص الكتب على جانبيها بإتقان.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة