الكتابة نضالا في مواجهة السلطة.. نبوءات عبد الرحمن منيف لشبه الجزيرة العربية

الأديب -الذي سُحبت منه الجنسية السعودية- عبد الرحمن منيف اختار النضال السياسي عن طريق الأدب (مواقع التواصل)
الأديب -الذي سُحبت منه الجنسية السعودية- عبد الرحمن منيف اختار النضال السياسي عن طريق الأدب (مواقع التواصل)

لا تزال مقولة الروائي والأديب عبد الرحمن منيف بشأن حاجة الأجيال القادمة لقراءة التاريخ عبر الروايات الأدبية أكثر من التاريخ الرسمي، يتردد صداها في الزمن المعاصر، رغم مرور أكثر من 16 عاما على وفاة الروائي الذي سُحبت منه الجنسية السعودية عام 1963، ويعد من أهم الكتاب والروائيين العرب في القرن العشرين.

لُقب منيف براوي سيرة الجزيرة العربية المعاصرة رغم أنه لم ينشغل بكتابة التاريخ، فهو لم يكن مؤرخا، إنما كان مهجوسا بتقصي الحقيقة، وعمل على مواجهة مقولات السلطة بالنص الأدبي.

عمل منيف صحفيا واقتصاديا وخاض غمار النشاط السياسي في العراق، قبل أن يُبعد عنه في أعقاب توقيع "حلف بغداد" عام 1955، وكان مناوئا للأنظمة العربية الملكية والجمهورية على حد سواء بعد هزيمة 1967، وهي الفترة التي تحول بعدها إلى ممارسة السياسة بطريقة أخرى، عبر الكتابة الأدبية.

اشتهر منيف بخماسيته "مدن الملح" التي تتناول صور الحياة في الجزيرة العربية مع بداية اكتشاف النفط والتحولات المتسارعة التي غيّرت مدن الجزيرة وقراها، بما في ذلك رفض السكان التنقيب عن النفط واستعمال السلطة للعنف وتحول الصحراء إلى حقل نفط، وصراعات العائلة الحاكمة في الجزيرة العربية، ورصد أحوال الناس وتغير العادات والأمكنة وأشكال الانتماء والهوية.

وقال منيف إنه قصد بـ"مدن الملح" المدنَ التي نشأت في برهة من الزمن بشكل استثنائي غير طبيعي، بمعنى "أنها لم تظهر نتيجة تراكم تاريخي طويل أدى إلى قيامها ونموها واتساعها، وإنما هي عبارة عن نوع من الانفجارات نتيجة الثروة الطارئة؛ هذه الثروة (النفط) أدت إلى قيام مدن متضخمة أصبحت مثل بالونات يمكن أن تنفجر، أن تنتهي، بمجرد أن يلمسها شيء حاد".

مؤرخ الجزيرة

وفي كتابها الصادر حديثا بعنوان "أوتار الحرب والتجارة: الشحن والرأسمالية في شبه الجزيرة العربية"، تقول المؤلفة الأميركية (ذات الأصول الإيرانية) لالة خليلي إن النفط الذي يغذي الصناعات الصينية يأتي بشكل أساسي من شبه الجزيرة العربية، إذ يتم نقل الكثير من المواد المشحونة من الصين عبر موانئ شبه الجزيرة العربية، ويحيط "طريق الحرير" الصيني بشبه الجزيرة العربية من جميع الجوانب بحرا وبرا.

وتنقل المؤلفة عن الروائي الشهير عبد الرحمن منيف وصفه سفن الشحن التي حملت أدوات الحفر ومعدات التنقيب عن النفط إلى السعودية، وكيف تم بناء منطقة ساحلية نائية لميناء خلف أسلاك شائكة ترسو فيه سفينة تلو الأخرى على ساحل الخليج، بينما يصل الأجانب للعمل المتواصل بلا كلل.

وتنقل لالة عن منيف وصفه لارتياب السكان المحليين من حركة الأجانب والسفن المستمرة على شاطئ القطيف في شرق شبه الجزيرة العربية، وكيف جاءت مع هذه السفن أشياء جديدة وغير مألوفة لم يكن يتخيلها أحد من السكان، وتجادل المؤلفة بأن شبه الجزيرة العربية هي قلب حركة نقل البضائع والسلع التي تشكل وتمكّن الرأسمالية المعاصرة، مما يجعلها حتما منطقة ذات أهمية إستراتيجية ملحّة ونزاع عسكري ودبلوماسي.

وفي حديثه السابق للجزيرة نت، وصف الناقد الأدبي الروائي السوري هيثم حسين، منيفَ بأنه "مؤرّخ شبه الجزيرة العربية الاجتماعي"، الذي كتب تفاصيل تغيراتها ومنعطفاتها التاريخية الحادة التي بلورت شخصية أبناء المنطقة ولعبت دورا في رسم مصائرهم.

وأضاف أن منيف انتصر لروح المكان وأصالته ضدّ اجتياح قيم غريبة تحت أقنعة التغيير، وتابع "لم يكن منيف ماضويا في مدن الملح، ولم تكن موران (دولة مُتخيلة شهدت انقلاب فِنَر على أخيه في رواية الأخدود) بالنسبة إليه الحلم المبدّد، بل كانت الروح التي كان يرنو إليها، والتي كان يدرك فداحة الحاصل فيها من كوارث بحقّ الأرض والبشر".

وذكر حسين أن المدن التي صاغها منيف روائيا، سواء كانت موران أو عمورية أو "أرض السواد" (عنوان ثلاثية منيف التي تتناول العراق) أو غيرها من الأمكنة في شرق المتوسط أو جنوبه، كانت -رغم أنّها طاردة لأبنائها وضاغطة عليهم- تحتفظ بذاك الأمل المخبوء بين طيّات اليأس الذي حرص منيف على تفكيك شفراته، على أمل أن يتمكّن أبناء هذه الأماكن -راهنا أو مستقبلا- من التمتّع بجماليتها وعظمتها في يوم منشود قريب.

واعتبر حسين أن لكل مدينة عربية نصيبا من منيف، وله فيها حضور وتاريخ، إذ كان منتميا لكل العواصم العربية، حاضرا فيها. فكتب عن عمّان وبغداد ودمشق وبيروت وغيرها. وبالإضافة إلى أمكنته الأثيرة في شبه الجزيرة العربية، كتب عن المنفى والغربة والضياع، وكان وفيّا لعظمة الكتابة كقضية وسلاح لتحدي الطغيان، فكان مجسّدا للانتماءات الساحرة في شخصيته وكتابته.

السياسة والأدب

كتب منيف 11 رواية، منها: خماسية "مدن الملح"، وثلاثية "أرض السواد"، وترجمت رواياته -التي تمزج التوثيق التاريخي بالخيال الأدبي- إلى العديد من اللغات الأجنبية.

وتنقّل منيف -الذي ولد في العاصمة الأردنية عمّان عام 1933 لأب سعودي من نجد وأم عراقية- بين العديد من العواصم، ودرس الحقوق في بغداد التي طرد منها ليواصل دراسته ويتخرج من جامعة القاهرة، قبل أن ينتقل إلى يوغسلافيا السابقة في منحة دراسية مدعومة من حزب البعث، فنال الدكتوراه في اقتصاديات النفط من جامعة بلغراد عام 1961.

قدم منيف تاريخا للمجهولين الذين لم يكتب عنهم أحد، وكشف عن مظالم السلطات العربية، وبدأ تناول آثار النفط على المجتمع في روايته "سباق المسافات الطويلة" التي تروي صعود حكومة مصدق في إيران وسقوطها والصراع بين القوتين الاستعماريتين البريطانية والأميركية على نفط إيران.

وفي ندوة سابقة نظمتها وزارة الثقافة والتراث والفنون القطرية، قالت المستعربة الإيطالية إيزابيلا كاميرا دافليتو "إذا كان غسان كنفاني وإميل حبيبي نجحا في الماضي في شرح القضية الفلسطينية للعالم الغربي، فإن عبد الرحمن منيف أوضح للعالم الغربي أن عدد السجون يزيد في البلدان العربية، وأن اكتشاف النفط في بلدان أخرى نتجت عنه تغيرات اجتماعية وسياسية وسكانية هائلة". وبحسب المترجمة، فإن "النتاج العربي بحر لا يهدأ ولا يمكن الحد من تدفقه ولا من تدفق الثورات العربية، وكل ما يمكن فعله هو التعريف بهذا الأدب ونشره في الغرب".

النضال بالأدب

وتأخر إبداع صاحب "مدن الملح" حتى دخوله سن الأربعين، مقدما رواية أولى هي "الأشجار واغتيال مرزوق". وينقل الروائي اللبناني حليم بركات عن منيف قوله "جئت للرواية في وقت متأخر نسبيا، وما كنت أتصور في يوم من الأيام أنني سأصير روائيا، قبل هذه الفترة كنت مشغولا بأمور سياسية وكنت أفترض أن عملي السياسي هو خياري الأساسي".

بعدها قدم منيف فضحا روائيا للأنظمة القمعية في روايته "شرق المتوسط" التي تناولت موضوع التعذيب في السجون الذي تمارسه الأنظمة الشمولية العربية التي تقع في المنطقة العربية وشرق المتوسط.

وإذا لم يكن منيف الروائي العربي الأول الذي تناول موضوع السجون في روايتيه "شرق المتوسط" و"الآن هنا"، فقد سبقه إلى ذلك صنع الله إبراهيم في "تلك الرائحة"، فإنه -بحسب الروائي اللبناني إلياس خوري- يوغل في التسجيل ويبني واقعيته الرومانسية من خلال علاقة حب بأمه في الرواية الأولى.

أما في الرواية الثانية فنذهب إلى واقعية عارية يجسدها انتقال السجن بأسره إلى مستشفى كارلوف في براغ، حيث يمتزج مرض المجتمع بمرض شخصيات الرواية، وتصير الكتابة وسيلة للحوار مع الذات والتاريخ.

ويعرف عن منيف تبنيه للاتجاه اليساري العروبي، ويقول هيثم حسين إن كتاباته انطلقت من هموم ظلت محور اهتمام حياته، فكانت الكتابة "أداة نضاله الإنسانية".

ومارس منيف النشاط الحزبي خلال فترة انضمامه لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان عضوا في قيادته القومية، قبل أن ينهي علاقته السياسية والتنظيمية به مطلع الستينيات.

عاد منيف مرة أخرى إلى العراق عام 1975، وغادر بعدها لفرنسا في بداية الثمانينيات ليتفرغ للكتابة ويتجنب الحرب العراقية الإيرانية التي كان يراها "حربا مجانية بلا مبرر"، وكان معارضا لنظام الرئيس السابق صدام حسين وللاحتلال الأميركي للعراق على حد سواء.

عبّر منيف عن "خيبة العربي بعد النكسات التي تعرّض لها في مواقف تاريخية معيّنة" بحسب حسين، فمثلا تعبّر رواياته "الأشجار واغتيال مرزوق" و"حين تركنا الجسر" و"سباق المسافات الطويلة" عن مرارة الخيبة بمعانٍ مختلفة في لقطات وتفاصيل منها، وتبدو جلية فيها تلك الخيبة التي تستوطن الإنسان وتشعره بأنه نزيل الهزائم طوال تاريخه وحياته وأن عليه البحث عن سبل للخلاص.

ويرى الناقد الأدبي هيثم حسين -مؤسس موقع الرواية العربية- أن الكتابة كانت سلاح منيف لتعرية الاستبداد وبثّ نوع من الأمل في نفوس الذين أصبحوا نزلاء اليأس القاتل.

لذلك بحث منيف عن بناء الإنسان لأنه أهمّ من القصور، وهو الذي يمكن أن يبني المدن، وتمرّد على مفهوم بناء الجدران قبل بناء الإنسان، لذلك فإن رواياته توثيق لتلك الأصالة التي من شأنها أن تساهم في بناء الإنسان روحيا، لا أن تبقيه هيكلا أجوف في مدن مصطنعة أشبه ما تكون بمعسكرات مرفّهة.

وختم حسين حديثه قائلا إن عبد الرحمن منيف وطّد بنيان الرواية العربية، وامتلك كل عمل من أعماله وثيقة، سواء تاريخية أو اجتماعية، وجرأة المواجهة والمغامرة، ولا يمكن الحديث عن رواية عربية مكتملة الأركان من دون أن يكون لمنيف الحصة الكبرى من التقدير والاعتراف والتبجيل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

اعتبرت الأديان المسيحية واليهودية في الجزيرة العربية القاسم المشترك لما يمكن اعتباره "تدخلا دوليا واسع النطاق في الشؤون العربية" قديما، إذ عاشت الجزيرة عصرا من الحروب الدينية والصراع الإمبراطوري.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة