أنطونيو التلحمي رفيق تشي جيفارا.. رحلة مناضل فلسطيني في أميركا اللاتينية

كتاب "أنطونيو التلحمي.. رفيق تشي جيفارا" يقدم صورة مناضل وثائر أممي شارك في ثورات أميركا اللاتينية وانضم للحركة الوطنية الفلسطينية (الجزيرة)
كتاب "أنطونيو التلحمي.. رفيق تشي جيفارا" يقدم صورة مناضل وثائر أممي شارك في ثورات أميركا اللاتينية وانضم للحركة الوطنية الفلسطينية (الجزيرة)

يقول الدكتور سميح مسعود مؤلف كتاب "أنطونيو التلحمي.. رفيق تشي جيفارا" التقيت به صدفة عندما جاء لزيارة قريب له في الكويت عام 1969، وسجلت مجموعة من الأشرطة حول حياته ونضاله، كان يتحدث اللغة العربية باللهجة العامية الفلسطينية بصوت جهوري يظهر قدرته في الخطابة، لكنه لم يخف حزنه حينما قال عن هزيمة العرب عام 1967 "إنها نكسة نزعت منا بهجة الحياة".

اسم "التلحمي" اختاره لنفسه كرمزية للمكان الذي ولد فيه أجداده ببيت لحم، واسمه الحقيقي أنطون داود، يصف المؤلف سميح مسعود ملامحه بأنها تشبه الكوبي فيدل كاسترو، قامته طويلة، له لحية كثيفة بلون فاحم، ملامح صارمة وتزيده وجاهة، عيناه واسعتان سوداوان تعبران عن سمات عربية.

التلحمي -الذي عرف في كولومبيا بعدد من الأسماء، ومنها أنطونيو الكولومبي- كان جده من طليعة المهاجرين إلى أميركا اللاتينية نهاية القرن الـ19 بسبب "شظف العيش"، وكان يحدثه عن فلسطين، وهو الذي فتح عينيه على حب الوطن والثورة،  ويقول التلحمي إن "الفقر غرّب جدي عن بلادي، أما أنا فالحب أعادني إليها".

وصية الجد لحفيده

يمثل الكتاب الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" في عمّان (2020) رحلة للبحث في المنسي والغائب لسيرة بعض الفلسطينيين العرب الذين سجلوا جزءا من التاريخ البطولي وحفرت أسماؤهم على جدران متاحف البلدان التي ناضلوا فيها، ولكنهم كانوا مجهولين في بلدانهم، ليعاد اكتشافهم بعد عقود، ويقول الدكتور باسم الزعبي على الغلاف الأخير للكتاب إن المؤلف سميح مسعود يقدم "أنموذجا فريدا لمناضل فلسطيني أسطوري جمع بين النضال الوطني والنضال الأممي".

الكتاب ليس رواية بالمعنى الحرفي، بل سيرة غيرية تسجيلية شفاهية، ويؤكد المؤلف سميح مسعود -وهو خبير اقتصادي- بأنها "رواية التلحمي وحده كما رواها، لا شيء فيها من نسيج الخيال"، سجلت حواراتها في 15 شريطا نهاية الستينيات من القرن الماضي.

ويستعيد المؤلف ذاكرة التلحمي وعلاقته بجده الذي عمل في المناجم، ووصيته له بأن "يكون دوما مع المظلومين، وأن يضع فلسطين في شغاف قلبه".

ويسرد المؤلف مرحلة التلحمي الجامعية، وانخراطه مع الحركة الطلابية وعضويته في الاتحاد، وانتسابه للحزب الاشتراكي، وتعرضه للسجن في كولومبيا، وعمله في الصحافة منافحا عن فلسطين وقضايا الحرية، حيث رأى الخريطة التي تمتد من كولومبيا التي يعيش فيها إلى فلسطين التي يحلم بها.

صورة تعود لعام 1959 تظهر راؤول كاسترو (أقصى اليسار) وتشي جيفارا (في الوسط) في هافانا خلال العام الأول للثورة الكوبية (الفرنسية)

استهداف قيادات العصابات

يسافر التلحمي إلى فلسطين للمرة الأولى عام 1936 بحسب وصية جده، معرجا على الهجرات اليهودية التي كانت تقلها البواخر من بولندا وأوروبا إلى فلسطين في الباخرة التي كان يستقلها إلى حيفا، وما تركت تلك الرحلة من أثر في نفسه.

ويحكي عن زيارته لحيفا وجنين وبيت لحم ولقائه بعدد من الثوار الفلسطينيين وتشخيصه للثورة الفلسطينية وقتذاك، حيث "تبدى له أن ممثلي الأحزاب يعتمدون في تكوينها على أصول عائلية وعشائرية، وأن أساليبهم كانت مرتجلة".

ويلقي المؤلف الضوء على رحلة عودة التلحمي إلى كولومبيا ثم العودة لفلسطين عام 1947 للمرة الثانية، وانضمامه لحركة "الجهاد المقدس"، وتنفيذه عملية نوعية في القدس كان يمكن أن تغير موازين القوى وتحبط المشروع الصهيوني في فلسطين، فمن خلال عمله سائقا للقنصل الأميركي في القدس نال ثقة حراس الوكالة اليهودية، وحمّل سيارة القنصل بكمية كبيرة من المتفجرات وضعها أمام الوكالة مستهدفا اجتماع قيادة العصابات الصهيونية بقيادة بن غوريون، لكن تأخر الاجتماع أفشل العملية.

لقاء تشي جيفارا

بعد اكتشاف مسؤوليته عن التفجير أصبح رأسه مطلوبا من العصابات الصهيونية والإنجليز، فجهز له رفاقه أوراقا ثبوتية، ليرحل إلى غزة ثم العريش ثم للإسكندرية بمصر، ليصل إلى كولومبيا.

ويسرد التلحمي لقاءه في العاصمة الكولومبية بوغوتا مصادفة بتشي جيفارا ليرتبطا معا بعلاقة صداقة، جمعتهما حوارات كثيرة حول قضية فلسطين وقضايا التحرر في أميركا اللاتينية، ويعرف وقتها أن جيفارا سبق أن زار غزة.

وبعد عام التقيا في غواتيمالا، ثم اتجها معا إلى المكسيك وتعرفا على فيدل كاسترو وانضما إليه، وكانا ضمن 80 شخصا على متن القارب "غرانما"، ليخوضا معا المعارك المفصلية التي انتهت بدخول العاصمة هافانا وانتصار الثورة الكوبية، مستعيدا الكثير من الذكريات مع كاسترو وجيفارا، وآخر لقاء مع جيفارا والهواجس التي كان يشعر بها التلحمي عند قرار جيفارا التوجه إلى بوليفيا، والتحذيرات التي قدمها له.

على خطى التلحمي

يقول المؤلف سميح مسعود إنه تتبع خطى أنطونيو التلحمي، فزار كولومبيا والمتحف الوطني لقادة الثورة في كوبا الذي يحتفظ بذاكرة الثوار، ومنهم "أنطونيو التلحمي".

ويدون مسعود ما خطه التلحمي "كنت أبحث عن ذاتي في أعماق تلك الأحداث، ووجدتني موزعا بين كولومبيا وكوبا وفلسطين، مزجت صورا كثيرة عن حياتي في تلك الدول، وأحالتني إلى معين لا ينضب من لحظات لا تنسى في أرض أجدادي".

مسعود يحكي عن موقف طريف جرى داخل المتحف الذي لم يسمح له التصوير فيه حينما قال الدليل لزوجته التي رافقته بالرحلة: زوجك يكلم نفسه، فقالت الزوجة "لا، هو يحكي مع صديقه التلحمي"، ويستدرك مسعود: أحسست وقتها بأن "روحه تطوف المكان".

ويقول مسعود حاولت أن أدون سيرة بطل فلسطيني حينما عاد بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967 إلى الأردن ولم يكن معروفا "كان يتوقع أن يساهم في الثورة بخبرته، ولكنه كان حزينا، ولولا ما نشر عنه لمات دون أن يعرفه أحد وراح نسيا منسيا، والكتاب إحقاق لحق مناضل إنساني".

توفي التلحمي في العام الذي دخل فيه الكويت 1969عن عمر ناهز الـ60 عاما، ودفن فيها ملفوفا بالعلم الفلسطيني، وحظي بجنازة تليق بمناضل مثله.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

غالبا ما قدم الفيلسوفان الوجوديان سارتر ودي دي بوفوار رؤية موحدة تجاه القضايا المختلفة من الناحيتين السياسية والفكرية، لكن فيما يتعلق بقضية فلسطين وإسرائيل كانت لديهما استنتاجات مختلفة ومتباينة للغاية.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة