تاريخ الاستقلال وما بعد الإمبراطوريات.. الاستعمار صنع العالم الحديث وهكذا يمكن إعادة تشكيله

كوامي نكروما (حامل العكاز) أول رئيس لغانا المستقلة، خلال اجتماع رؤساء وزراء دول الكومنولث سنة 1965 (غيتي إيميجز)
كوامي نكروما (حامل العكاز) أول رئيس لغانا المستقلة، خلال اجتماع رؤساء وزراء دول الكومنولث سنة 1965 (غيتي إيميجز)

خلال السنوات القليلة الماضية، اكتسبت فكرة القضاء على مظاهر الاستعمار زخما سياسيا جديدا داخل حدود البلاد الاستعمارية القديمة.

وكما استعادت حركات تمثل السكان الأصليين عباءة محاربة الاستعمار، برزت احتجاجات في الولايات المتحدة وأخرى في بريطانيا، حيث خرج طلاب من جنوب أفريقيا يدرسون بالمملكة المتحدة في مسيرة حملت شعار إنهاء الاستعمار في المناهج الدراسية الأوروبية.

وترى الكاتبة والمؤلفة آدوم غيتاشيو -في مقال لها بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية– أن متاحف مثل متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك والمتحف الملكي لأفريقيا الوسطى في بروكسل، أجبِرت على إعادة التفكير في الطريقة التي تقدم بها الشعوب الأفريقية المستعمرة والسكان الأصليين.

ولكن ما الذي يعنيه القضاء على الاستعمار؟ تتساءل الكاتبة موضحة أن معنى هذه العبارة وما تتطلبه ظل محل خلاف على مدى قرن من الزمن، إذ لم يكن النضال ضد الاستعمار في القرن العشرين يتعلق فقط بالحصول على الاستقلال السياسي، بل كان يتعلق بتحطيم التسلسلات الهرمية العالمية التي أخضعت الجنوب العالمي سعيا لعالم تسوده المساواة للجميع.

تاريخ الاستقلال

بعد الحرب العالمية الأولى، كانت نظرة المسؤولين عن المستعمرات الأوروبية لإنهاء الاستعمار أنه عملية يسمحون من خلالها لمستعمراتهم بالاستقلال بعد أن تسير على نموذج الدول الأوروبية.

ولكن في منتصف القرن العشرين، طالب النشطاء والمثقفون المناهضون للاستعمار بالاستقلال الفوري، ورفضوا تشكيل مجتمعاتهم وفقا للشروط التي وضعها المستعمرون الإمبرياليون.

وبين عامي 1945 و1975، وفي ظل النصر الذي حققته حركات النضال من أجل الاستقلال في أفريقيا وآسيا، نمت عضوية الأمم المتحدة من 51 دولة إلى 144، وكان إنهاء الاستعمار في تلك الفترة ذا أبعاد سياسية واقتصادية في المقام الأول.

ومع حصول مزيد من المستعمرات على الاستقلال، اكتسى القضاء على الاستعمار الثقافي أهمية أكبر، فقد رافقت الهيمنة السياسية والاقتصادية، المركزية الأوروبية التي تثمن الحضارة الأوروبية باعتبارها ذروة الإنجازات البشرية.

وقد أساء الاستعمار للتقاليد الثقافية وأنظمة السكان الأصليين المعرفية، واعتبر ثقافتهم متخلفة وغير متحضرة، وتم التعامل مع الشعوب المستعمَرة بوصفها شعوبا لا تاريخ لها. وكان النضال ضد هذا الاستلاب الحضاري محوريا بشكل خاص في المستعمرات التي تتعرض للاستيطان، حيث يتم تهجير السكان الأصليين ومؤسساتهم بعنف.

نضال يتجدد

وأشارت الكاتبة إلى أن ملامح تلك الحقبة من النضال ضد الاستعمار تعود الآن مع الاحتجاجات التي تجتاح العالم بقيادة حركة "حياة السود مهمة" (black lives matter)، حيث تعالت الدعوات للقضاء على مظاهر الاستعمار في عواصم الإمبريالية السابقة بأوروبا.

ففي بريستول بإنجلترا، حطم المتظاهرون الشهر الماضي تمثال إدوارد كولستون، مدير شركة رويال أفريكان التي هيمنت على تجارة الرقيق في أفريقيا خلال القرنين 17 و18.

وفي بلجيكا، ركز المتظاهرون على استهداف تماثيل الملك ليوبولد الثاني الذي حكم دولة الكونغو الحرة (المعروفة الآن بجمهورية الكونغو الديمقراطية)، وأدار الأمور فيها كما لو كانت بعض أملاكه الشخصية من 1885 إلى 1908.

وقد أعرب فيليب الثاني ملك بلجيكا مؤخرا عن أسفه للنظام الوحشي الذي اتبعه أسلافه، وتسبب في مقتل 10 ملايين شخص.

الاستعمار والعالم الحديث

ويرى المحتجون أن الاستعمار لم يشكل الجزء الجنوبي من العالم فحسب، بل شكل أوروبا والعالم الحديث على النحو الذي هو عليه الآن، فقد غذت عائدات تجارة الرقيق صعود المدن الواقعة على البحر مثل بريستول وليفربول ولندن، بينما ساعد الاقتصاد عبر الأطلسي -الذي خلقته العبودية- في تغذية الثورة الصناعية.

وبهدم أو تشويه التماثيل المخلدة لرموز تلك الحقبة، تمكّن المحتجون من فتح النقاش حول إعادة النظر في الرواية الوطنية بشأنهم، وفرضوا مواجهة مع تاريخ الإمبريالية، وهو ما تعتبره الكاتبة ضربا من القضاء على الاستعمار في العالم الحسي، وتحطيما للوهم القائل إن الإمبريالية كانت في مكان آخر.

وأشار المقال إلى أن تلك المراجعة التاريخية لم تكن سوى المرحلة الأولى في مسار القضاء على الاستعمار، أما المرحلة الثانية فيمهد لها الاعتراف بمسؤولية التاريخ الاستعماري عن تشكيل التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والطبقية التي تطبع العالم اليوم، ومن ثم جبر الضرر ورد الحقوق.

وخلصت الكاتبة إلى أن النضال من أجل المساواة العرقية في أوروبا يعد صراعا من أجل الوصول إلى ما بعد الاستعمار حقا، وأن فرص نجاح ذلك تتعزز في كل مرة يتم فيها خلع تمثال من قاعدته. وإذا كان الاستعمار قد ساهم في تشكيل العالم الحديث، فإن القضاء عليه لن يكتمل ما لم تتم إعادة تشكيل العالم، بما في ذلك أوروبا.

ما بعد الإمبراطورية

وفي كتابها "صناعة العالم بعد الإمبراطورية: صعود وسقوط تقرير المصير"، اعتبرت غيتاشيو أن تجربة إنهاء الاستعمار أحدثت ثورة في النظام الدولي خلال القرن العشرين. ومع ذلك، فإن التواريخ القياسية التي تقدم نهاية الاستعمار على أنها انتقال حتمي من عالم من الإمبراطوريات إلى عالم من الأمم، عالم كان فيه تقرير المصير مرادفا لبناء الأمة، تحجب مدى جذرية هذا التغيير.

وتستند المؤلفة على تجارب الفكر السياسي للمثقفين ورجال الدولة المناهضين للاستعمار، مثل النيجيري ننامدي أزيكيوي، وعالم الاجتماع الأميركي ويب دو بويز، والناشط في حركة عموم أفريقيا جورج بادمور، والمناضل وأول رئيس لغانا المستقلة كوامي نكروما، والمناضل الجامايكي مايكل مانلي، والتنزاني جوليوس نيريري، وغيرهم.

وتجادل المؤلفة بأن هؤلاء القادة سعوا إلى بناء إطار قانوني دولي لعدم الهيمنة، من خلال عمل جماعي يهدف لتشكيل قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية. وبالنسبة لهؤلاء القادة، يتطلب تقرير المصير تجاوز المساواة السياسية الرسمية في المجال الدولي.

ومع ذلك، وبسبب التناقضات المتأصلة في مشاريع مثل الاتحادات السياسية الإقليمية والنظام الاقتصادي الدولي الجديد، وبسبب معارضة الدول الرأسمالية الغربية؛ فشلت جهودهم في النهاية.

ويعتبر الكتاب أن القوميين الأفارقة ونشطاء ما تسميه المؤلفة "الأطلنطي الأسود" (غرب أفريقيا ومنطقة الكاريبي) المناهضين للاستعمار، صاغوا رؤى بديلة لصناعة العالم سعيا، وراء خلق عالم ما بعد إمبراطوري قائم على المساواة، وحاولوا تجاوز التسلسلات الهرمية العرقية والقانونية والسياسية والاقتصادية من خلال تأمين الحق في تقرير المصير داخل الأمم المتحدة المؤسسة حديثا، وتشكيل اتحادات إقليمية في أفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي، وإنشاء نظام اقتصادي دولي جديد.

المصدر : الجزيرة + نيويورك تايمز

حول هذه القصة

على خلفية حركة "حياة السود مهمة" التي نشأت في أميركا؛ تعرضت تماثيل رموز الاستعمار في العديد من المدن الأوروبية الكبرى إلى أعمال تخريب، ولكن دولا أخرى لم تنظر لماضيها الاستعماري بالطريقة السلبية نفسها.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة