الغزل والزجل والمدائح التراثية.. الشعر المغربي في زمن الموحدين

تعرف المدينة الحمراء (مراكش) بجوامعها العريقة وكانت عاصمة دولة الموحدين (بيكساباي)
تعرف المدينة الحمراء (مراكش) بجوامعها العريقة وكانت عاصمة دولة الموحدين (بيكساباي)

الشعر من الأنماط الأدبية التي كان لها دور مهم في التاريخ العربي منذ العصر الجاهلي، والمغرب بدوره كان منارة للأدب، غير أن كثيرا من الدواوين لم تصلنا، فقد عرف الشعر فيه تأثيرا وتأثرا، من خلال تعاقب العديد من الدول، مثل عهد دولة الموحدين، حيث بلغت الحركة الثقافية والفكرية بصفة عامة أوجها، نظرا لتوفر عدة عوامل؛ كالحرية الفكرية، بالإضافة إلى هجرة العديد من العلماء والمفكرين إلى المغرب، سواء من الأندلس أو القيروان أو من البلاد العربية الأخرى.

اهتمام السلطة بالأدب

اهتم ملوك دولة الموحدين في المغرب بالأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص، إذ شعرت الدولة بأهمية الشعر كونه أداة بالغة التأثير، فحتى الملوك وأمراء الدولة قرضوا الشعر، وكان لهم دور في تشجيع الأدب.

ولم تختلف موضوعات الشعر في عهد الموحدين عن العهود السابقة، ولكن السمة العامة التي اتسم بها الشعر هي تأثره بالمنهج العام الذي انتهجته الدولة، فكانت موضوعاته جادة ومتأثرة بالتعاليم الإسلامية، وزاد عدد شعراء المديح النبوي في هذا العصر.

بداية دولة الموحدين بالمغرب كانت سنة 515هـ على يد مؤسسها محمد بن تورمت، الملقب بالمهدي، حيث تزعم دعوة تقوم على الإصلاح الديني والاجتماعي، فكان المدح والفخر والحماسة من أهم الأغراض الشعرية، وأصبح الشعراء في عهد الموحدين بمثابة وسائل الإعلام.

الغزل في العصر الموحدي

لم ينفرد بالغزل الأنثوي شاعر ما في هذا العصر الموحدي، فكان الشعراء ينظمونه منفردا أو مزدوجا مثل بقية الموضوعات الشعرية الأخرى.

ومن المشاهير الذين نظموا فيه ابن طفيل الفيلسوف والعالم ورجل الدولة، الذي ولد في مراكش، وهو من أشهر المفكرين العرب الذين خلفوا آثارا خالدة في عدة ميادين، منها: الفلسفة والأدب والرياضيات والفلك والطب، وكان من وزراء دولة الموحدين في وقت عظمتها. وفي قصيدة يتحدث فيها عن لقاء بمحبوبته يقول:
ولما التقينا بعد طول تهاجر
وقد كاد حبل الود أن يتصرما
حلت عن ثنياها وأومض بارق
فلم أدر من شق الدجنة منهما
وساعدني جفن الغمام على البكا
فلم أدر دمع أينا كان أسجما
فقالت وقد رق الحديث وأبصرت
قرائن أحوال أذعن المكتما

يعد شعر الغزل نوعا من أنواع الشعر، وقد اعتبره الدكتور علي كردي في كتابه، "الشعر العربي بالمغرب في عهد الموحدين موضوعاته ومعانيه"، بأنه من أقدم الفنون الشعرية، وأكثرها شيوعا لاتصاله الوثيق بالطبيعة الإنسانية، واعتبر بأن الجاهليين في معلقاتهم وقصائدهم تغزلوا، وكان الرأي السائد لدى جماعة من النقاد القدامى في هذا الغزل أنه كان يأتي من مقدمات القصائد فقط لاستمالة قلوب السامعين، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن هذه النظرة للغزل الجاهلي باعتباره تقليدا فنيا في القصيدة جعلت بعض الدارسين يحددون بداية تطور هذا الفن في العصر الأموي.

واعتبر المؤلف في كتابه هذا أنه لو تمت العودة إلى المدونة الشعرية التي تم جمعها، والتي تعدت ألفي عدد من القصائد والمقطوعات التي قيلت في الغزل، ومع هذا، لا يمكن القول إن ما تم جمعه من شعر الغزل، هو كل ما قاله الشعراء المغاربة في هذا العصر، لأن قسما من أشعارهم أتت عليه غوائل الدهر، وهناك قسم آخر حبيس الرفوف في المخطوطات، وصنف المؤلف الغزل لـ4 محاور، هي: الغزل التقليدي والغزل العذري والغزل الحسي والغزل بالمذكر.

الغزل التقليدي

الغزل التقليدي هو الغزل الذي كان الشعراء يفتتحون به قصائدهم المدحية، والشعراء الموحدون تخلصوا من البكاء على الأطلال، وقلل الشعراء ترديد الأوصاف التقليدية، لأنهم انصرفوا إلى تصوير حياتهم التي اتصفت بالتحضر والاستقرار، فاختفت الأطلال من حياتهم؛ وبالتالي اختفت من أشعارهم أو كادت، فارتبط بالتراث حيث جاء تعبيرا عن عواطفهم في إطار مواقف التحمل والارتحال التي لا علاقة لها بحياة شعراء المغرب في عهد الموحدين. أما الصنعة البلاغية فكانت بادية في أشعارهم، فأكثروا من الجناس ولم يغفلوا الطباق والمقابلة.

ولطالما اقترن الشعر عند العرب وعلى مر العصور بالغزل، والغزل من أقدم الفنون الشعرية القديمة لكونه كان متصلا بطبيعة الإنسان وتجربته الذاتية، وتطور في العصر الأموي، بسبب الرخاء والعيش الرغيد وما يسود من قيم التعاطف والتسامح بين الناس، حسب الشاعرة الفلسطينية شادية حامد في حديثها للجزيرة.

وأتي العصر الأندلسي حيث الطبيعة الخلابة والجمال والماء والخضرة والتقاء العرب بالأندلسيين وظهور الموشحات، فتعددت أغراض الشعر بين غزل عذري وفاحش وعفيف وجريء، ومع ظهور الغزل الغلماني بدأ الشعر والغزل الانحطاط على مستوى الألفاظ والمعاني.

الغزل العفيف

يشير كتاب "الشعر العربي بالمغرب في عهد الموحدين.. شعراؤه وموضوعاته ومعانيه" إلى أن امتداد شعر الحب العذري بالمغرب والأندلس، وانتشار صداه؛ جاء بعد أن ألف المؤرخ والأديب الأندلسي ابن فرج الجياني كتابا مثل كتاب "الزهرة" لأبي بكر محمد بن داود الأصبهاني، ليقوم بعد ذلك ابن حزم بتقنين الحب العذري وتعريف ماهيته في كتاب "طوق الحمامة".

وتردد صدى هذه الدعوة عند كثير من شعراء الموحدين الذين التزموا جانب العفة، فابتعدوا فيه عن التعابير المكشوفة والألفاظ الفاضحة والصراحة المخجلة، فجاءت أشعارهم مصورة لما اعترى نفوسهم من مشاعر الحب العفيف الذي عاشوا له وأخلصوا فيه، وهو الذي يكون مداره شعور الحب نفسه، وتأثيره في نفس المحب ومدى ارتباطه واندماجه معه وموقف الحبيبة من صاحبها.

ونظم الشعراء المغاربة في عصر الموحدين قصائد ومقطوعات تطرقوا فيها إلى نعت محاسن المحبوبة، غير أن غزلهم كان في مجمله من النوع غير الفاحش، إذ اقتصر هؤلاء الشعراء على ذكر محاسن المرأة من دون أن يفحشوا في القول ويلمسوا مواطن العفة فيه، في حين كثرت مثل هذه الأحاديث عن المغامرات الليلية مع النساء عند الشعراء الأندلسيين في هذا العصر.

وهناك الغزل المذكر، وهو عند الشعراء المغاربة في هذا العهد، حيث نقلت كتب الأدب بعض الأبيات التي قيلت في هذا الموضوع، رغم تشدد السلطة الموحدية في موقفها من الذين يقولون مثل هذا الشعر. فقد نقل عن السلطان عبد المومن بن علي أنه صرف عبد الله بن ميمون القرطبي عن تعليم أولاده لأنه قال 3 أبيات تغزل فيها بشاب من أهل أغمات.

الغزل والزجل

يقول الشاعر والأديب محمد الزاهر للجزيرة إن المغاربة عرفوا أن نبوغهم تجلى في الفقه المالكي خاصة والحديث والعلوم الشرعية، أكثر من كونهم شعراء، بل حتى من قال الشعر منهم كان أقرب إلى النظم، ويفتقد إلى ما رواء الشعر وخيالاته المحلقة وصوره البديعة؛ ولهذا خلت كتب تاريخ الشعر من أسماء شعرية كبيرة، لا سيما في غرض الغزل.

لكن الباحث المدقق ينبغي أن يغير الوجهة لكي يجد ما يبحث عنه، كما يضيف الشاعر الزاهر، وفي سجل آخر، ألا وهو سجل الزجل خاصة الشعر الملحون، وهو نمط من القول الشعري باللسان الدارج في المغرب، حيث يجد الباحث في مدونة قصائد الملحون روائع غزلية تضاهي أو تفوق عيون الشعر الغزلي المكتوب باللغة العربية الفصحى، بل إن من هذه القصائد ما يختلط فيه النفس الصوفي الرقيق ويستلزم من المتلقي معرفة بالمتن الصوفي الفصيح، لكي يغوص في أغوار هذه القصائد المعروفة بقصائد الملحون. ويضيف الشاعر أن المغاربة ورثوا من غزل الأندلس سلاسته ورقته وعبروا عن ذلك في زجلهم وشعرهم الملحون، ومن ميزات هذا الشعر هو ارتباطه بنوع من الغناء سمي أيضا غناء الملحون.

الأستاذ والباحث محمد عبد الوهاب العلالي، في حديثه للجزيرة، قال إن التراث المغربي في الزجل والغناء والموسيقى متنوع وغني على نحو كبير، وللأسف بسبب قلة الدراسات والأبحاث وطابعها الظرفي والجزئي، فإن المغاربة لا يتمتعون بما تختزله الذاكرة الثقافية والفنية المغربية من أشكال راقية ومبدعة، من أشكال الغزل للرجال والنساء على حد سواء.

ويضيف العلالي أنه يكفي أن نبحث قليلا في شعر"التبراع"، وهو النوع الخاص لتغزل النساء بالرجال في المكون الثقافي الصحراوي، وفي فن الملحون، وباقي الأشكال في الدارجات المغربية المراكشية والفاسية والتطوانية والوجدية وغيرها، وفي فن العيطة وفي الشعر والثقافة الأمازيغية، التي لو ترجمت بعض صيغها إلى اللغات العالمية لاكتسبت شهرة خاصة في أصقاع مختلفة من العالم، فهي تعبير عن الغنى المعنوي للثقافة والحضارة المغربية، المستمد من تاريخ عريق، والذي يعكس المكانة الخاصة للمغرب في شمال أفريقيا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يستعرض هذا المقال ثقافة الطعام وفنون الطهي عند المسلمين، ويقدم للقارئ مائدة معرفية تضم ألوانا من الأخبار والأفكار المتعلقة بالمطبخ العربي وتطوره عبر القرون، وكيف اقتبس من الحضارات الأخرى وأضاف إليها.

26/4/2021
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة