ماض منقسم وتنمية مثيرة للجدل.. مرفأ بيروت بين دروب التاريخ والاحتجاج وإعادة الإعمار

صورة لميناء بيروت تعود إلى منتصف القرن الماضي (الموقع الرسمي لمرفأ بيروت)
صورة لميناء بيروت تعود إلى منتصف القرن الماضي (الموقع الرسمي لمرفأ بيروت)

هزّ انفجار ضخم مركزه مرفأ بيروت وسط العاصمة اللبنانية، ملحقا أضرارا جسيمة بالأرواح والممتلكات وتراث المدينة ومعماره الذي يمتزج فيه العراقة بالحداثة، وتاريخ الحروب المريرة بالفن والثقافة الحديثة.

وكان وسط بيروت من أكثر المناطق اللبنانية التي عانت خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، إذ كان ساحة قتال استخدمتها المليشيات المختلفة على جانبي الخط الأخضر الذي قسم المدينة وسكانها.

ولعب الميناء دورا رئيسيا في تاريخ العاصمة اللبنانية، بموقعه الذي يتوسط المدينة وأحيائها المحيطة به.

الماضي المنقسم

في مقالها بمنصة كونفيرذيشن (The conversation)، قالت سارة فريجونيز المحاضرة في الجغرافيا السياسية بجامعة برمنغهام البريطانية، إن تاريخ ميناء بيروت يعود إلى القرن 15 قبل الميلاد، وفي القرن 20، أصبحت بيروت ميناء بحريا رئيسيا يخدم تجارة النفط وحركات الركاب والبضائع ذات الصلة ببلاد الشام والخليج.

وبين عامي 1975 و1990، عانى لبنان من حرب أهلية شرسة وطويلة الأمد، وأصبحت التوترات الطائفية والجغرافيا السياسية الإقليمية في بيروت جزءا من الفضاء الحضري للمدينة، ونتج عن ذلك انقسامات عميقة وتغيرات في جغرافية المدينة.

وفي سبتمبر/أيلول 1975، بعد بضعة أشهر من الحرب الأهلية، أصبح وسط بيروت ساحة قتال المليشيات المتحاربة.

وخلال الحرب تم تقسيم المدينة بـ"الخط الأخضر" الذي قسمها إلى قسمين شرقي وغربي، وتمت إعادة التوزيع الديمغرافي: انتقل الناس من جانب من المدينة إلى جانب آخر على أسس طائفية وسياسية، حيث استقر المسيحيون بشكل رئيسي في الشرق، والمسلمون بشكل رئيسي إلى الغرب من الخط.

وامتد الخط الأخضر من الضواحي الجنوبية لبيروت إلى البوابة الغربية للمرفأ. وفي عام 1981 ذكر تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أن الميناء كان أحد الأماكن الوحيدة في المدينة التي يمكن عبور الخط الأخضر فيها.

في فترة ما بعد الحرب، توسّع ميناء بيروت إلى ميناء بحري رئيسي في المنطقة، وتمت الدعوة إلى تقديم عروض لمناقصة دولية لإدارة محطة حاويات (إلى الشرق من مكان الانفجار)، وشهد المرفأ زيادة كبيرة في سعة السفن.

وفي تقرير نيويورك تايمز، قالت الصحيفة إنه في زمن الحرب الأهلية كان من الصعب أحيانا أن نتذكر أنه قبل بضع سنوات فقط كانت بيروت "باريس الشرق" وعاصمة بلد عرف باسم جوهرة البحر الأبيض المتوسط.

وكان لبنان ينعم بالشواطئ الرملية والموانئ العميقة والجبال الوعرة والمياه الوفيرة وبعض من أكثر الأراضي خصوبة في الشرق الأوسط، كما أنه كان البلد الأكثر جرأة في المنطقة.

التنمية والاحتجاج

وفي الزمن الحالي، يقع ميناء بيروت مواجها لمنطقة تضم أغلى العقارات في المدينة، منطقة وسط بيروت. وفي أوائل الثمانينيات، كانت هذه المنطقة محددة لإعادة التطوير، وفي نهاية الحرب الأهلية كانت هدفا لواحدة من أكبر عمليات الاستثمار في تاريخ لبنان.

تم اعتبار إعادة التطوير قضية جدلية بسبب المخاوف بشأن الافتقار إلى الاستدامة، وعدم المساواة مع بقية أحياء المدينة، وارتفاع أسعار العقارات، ونقص الأماكن العامة والخدمات المكلفة.

وفي عامي 2015 و2019، أصبحت هذه المنطقة نقطة ارتكاز للاحتجاجات العامة المناهضة للحكومة، حتى تفشي وباء كورونا، وسيطر المتظاهرون على العديد من المباني والساحات في وسط المدينة.

وقاد المتظاهرون حملات ضد الفساد الحكومي، ورفعوا شعارات تدعو للحق في الوصول إلى الخدمات والموارد العامة، كما دعوا إلى مساءلة الحكومة عن انهيار البنية التحتية والخدمات، وفقدان الأماكن العامة والتدهور البيئي، إلى جانب مطالب سياسية أخرى.

صورة للمدينة

ويقع مرفأ بيروت بالقرب من المناطق السكنية الكثيفة في الجميزة والجعيتاوي ومناطق حضرية راقية لا يفصلها عنه سوى طريق سريع. وإلى الشرق من الميناء، وعلى مقربة منه مباشرة، توجد أحياء مار ميخائيل والكرنتينا (محطة الحجر العثماني) التي كانت بمثابة نقطة وصول واستقرار لموجات متعاقبة من اللاجئين، بما في ذلك الأرمن في عشرينيات القرن الماضي والفلسطينيون منذ الأربعينيات من القرن الماضي.

وتستضيف هذه المجموعة من الأحياء العديد من الخدمات الحكومية والخاصة في لبنان، بما في ذلك مزود الكهرباء ومحطة الحافلات و3 مستشفيات.

خضعت منطقتا الجميزة ومار ميخائيل على وجه الخصوص لعملية تطوير في العقد الماضي، مما أثار احتجاجات من السكان ضد هدم المباني التراثية والتلوث الضوضائي وارتفاع أسعار العقارات.

ومثلت الأحياء الشعبية حول المرفأ ووسط المدينة المعاد بناؤه تحديين كبيرين لإعادة إعمار بيروت بعد الحرب، مما أدى إلى جدل واسع قد يتكرر بعد انفجار المرفأ الأخير.

سوليدير وإعادة الإعمار

وتم تصميم المنطقة الحديثة في وسط بيروت لتكون محايدة وتعبر عن الحنين إلى ماضي بيروت في الستينيات، وهي الحقبة التي وصفت فيها المدينة بأنها "باريس الشرق الأوسط"، وجرى ترميم مبان قديمة بكفاءة وعناية بأدق التفاصيل، وهو ما جلب التأييد لهذا المشروع الذي يمزج الأصالة التراثية بالحداثة الفنية.

ومع ذلك فإن الأسواق الجديدة وعلاماتها التجارية الشهيرة باتت "تشبه المراكز التجارية الأميركية بدلا من الأسواق العربية الشعبية"، بحسب وصف الأكاديمية في جامعة روسكيلد الدانماركية سون هاوغبول.

وفي دراسة له بعنوان "إعادة إحياء الذاكرة والحنين في لبنان ما بعد الحرب.. لماذا فشلت عملية إعادة إعمار سوليدير في وسط بيروت في بناء التوافق وإعادة دمج المجتمع اللبناني"، اعتبر الأكاديمي هادي مكارم أن السياسات النيوليبرالية التي جسدتها منطقة "سوليدير" أدت إلى تفويض المهام والمسؤوليات العامة للجهات الخاصة، في حين تراجعت الدولة والمؤسسات العامة إلى دور تيسير عمل الجهات الخاصة، وهو ما سبب عواقب سلبية اقتصادية واجتماعية وسياسية على حد سواء.

ويرى مكارم أن السياسات النيوليبرالية نجحت في إعادة الإعمار والبناء المادي، لكنها أخفقت في جوانب اجتماعية واقتصادية، بينما يعتبر أن أي جهود لإعادة الإعمار يجب أن تنطوي على ترميم وإعادة تأهيل دولة تمثل وتحمي المصالح العامة، وتحمي السكان من الظلم الاجتماعي والاقتصادي المحتمل الذي تسببه الشركات والجهات الخاصة التي تضع مصالحها الخاصة فوق بقية السكان؛ ويصبح الأمر أكثر أولوية في بلد عانى سنوات طويلة من الحرب.

إضافة إلى ذلك، ينبغي أن تكون مساهمة الفنانين والمهنيين والكتاب والمثقفين وأصحاب الممتلكات والشخصيات الدينية وغيرهم ضرورية لتحقيق التوازن في مخطط إعادة الإعمار في أهم قطعة أرض في البلاد، إذ لا يعد البناء في بيئة ما بعد الحرب مجرد إنشاء مبان وبنى تحتية بديلة عن تلك المدمرة، ولكنه يتضمن إعادة بناء الدولة التي مزقتها الحرب، والمجتمع المنقسم، والاقتصاد المدمر أيضا، وتعزيز مبادئ التعايش والتعددية والتسامح، بحسب دراسة مكارم.

المصدر : الجزيرة + الصحافة اللبنانية + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

تقدم الروائية اللبنانية نجوى بركات سيرة عذابات "مستر نون". وكلما تقدمنا في قراءة هذه الرواية، التي تجري في ما يقارب 250 صفحة، سنتوغل في عذابات بطل القصة والمدينة نفسها وبشرِها.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة