تجار مستكشفون أم قراصنة إرهابيون؟.. أساطير الفايكنغ وملاحم غزو أوروبا واكتشاف أميركا

مهرجان الفايكنغ السنوي بأسكتلندا حيث يرتدي المشاركون ملابس الفايكنغ ويحملون المشاعل (غيتي)
مهرجان الفايكنغ السنوي بأسكتلندا حيث يرتدي المشاركون ملابس الفايكنغ ويحملون المشاعل (غيتي)

منذ نهاية القرن الثامن وطوال القرن التاسع الميلادي كانت إنجلترا والقارة الأوروبية تحت تهديد الفايكنغ الذين كانت غاراتهم العنيفة مصدر خوف للسكان في ذلك الوقت، ورغم مرور أكثر من ألف عام على نهاية عصرهم، فإن أسرار هؤلاء الشماليين لم تزل تتكشف على يد علماء الآثار.

والفايكنغ شعوب جرمانية نوردية عملوا -إلى جانب الحروب والغارات- في الملاحة البحرية والتجارة، ورغم أنهم هاجموا السواحل البريطانية والفرنسية وأجزاء واسعة من أوروبا خلال "حقبة الفايكنغ" في القرون 8-11، فقد احتك بهم العرب في الشرق.

واشتمل أدب الرحلات العربي على وصف للفايكنغ الشرقيين الذين كانوا أكثر خضوعاً واندماجاً في مجتمعاتهم المحلية وتكيفوا وشاركوا في أنظمة سياسية واجتماعية مختلفة، وتركوا آثاراً في أوروبا الشرقية أكثر بكثير من التي تركوها في الغرب.

وفي مقال مطول عن إحدى ملاحم التاريخ الأوروبي الوسيط بصحيفة لوفيغارو، قال الباحث والمؤلف الفرنسي جان سيفيليا إن آخر الكشوف الأثرية كانت في مارس/آذار الماضي، عندما أعلن علماء الآثار النرويجيون اكتشاف حطام سفينة للفايكنغ في حديقة جنوب شرق أوسلو.

وقال الكاتب إن استحضار هؤلاء المحاربين يرتبط بتقاليد مروية عن متوحشين عظماء يخرجون من بحر ضبابي ويشعلون السواحل الأوروبية بالنار والدم قبل أن يعودوا إلى سفنهم، وهي تصورات خيالية تشكلت في القرن 19، وأعيد تناولها مرة أخرى في القرنين 20 و21 من قبل كتاب الرواية والسينما والمسلسلات التلفزيونية والقصص المصورة.

تأثير صاعق

كان لفيلم الفايكنغ الأميركي الذي صدر عام 1958 أثر كبير في تثبيت هذا الخيال، يدعمه المسلسل التلفزيوني الكندي الأيرلندي الفايكنغ، مع أن ما صوراه -إن كان لهذا الخيال نصيب من الحقيقة- مجرد ظل لما أصبح معروفا الآن عن الفايكنغ بفضل تقدم علم الآثار وعمل المؤرخين في الدول الإسكندنافية وغيرها.

وكانت أول مواجهة -حسب السجل الأنجلو ساكسوني- بين الإنجليز والفايكنغ عام 789 للميلاد، حين جاء مستشار لملك وسكس من أجل أخذ الضريبة المعتادة من ثلاث سفن للمحاربين والبحارة القادمين من الدول الإسكندنافية، إلا أنهم قتلوه دون سابق إنذار.

لكن المشاكل الحقيقية لم تبدأ إلا بعد أربع سنوات من ذلك التاريخ، حين هاجمت مجموعة من القراصنة الإسكندنافيين ديرا مسيحيا بجزيرة على الساحل الشمالي الشرقي لإنجلترا في 8 يونيو/حزيران 793، ومنذ ذلك الوقت توالت الغارات في مناطق مختلفة من أوروبا.

وفي الغرب، كان لغارة الفايكنغ الأولى هذه وقع الصاعقة، حسب السجلات والمصادر المكتوبة، حتى إن الشاعر ديكون ألكوين، أحد المستشارين الرئيسيين لملك الفرنجة شارلمان، تحدث عن الفوضى الناجمة عن تدمير هذا الدير الذي كان يؤوي رفات الأسقف كوثبرت، القديس الأكثر شعبية من شمال إنجلترا.

ومع أن أصل مصطلح "الفايكنغ" مثير للجدل، فإنه قد ظهر، في وقت مبكر من القرن العاشر، كرديف لما أطلق عليه في فرنسا "نورمان" وهو مصطلح مشتق من اللغة الإسكندنافية الشمالية، ويشير بالدول الاسكندنافية ثم في إنجلترا إلى القراصنة الذين تم إطلاقهم في بحار أوروبا الغربية من دول الشمال.

خطر دائم

استهدف الفايكنغ الأديرة والكنائس التي ليست لها دفاعات عسكرية، ويشكل أثاثها وأغراضها المزينة بالذهب والأحجار الكريمة غنائم جذابة، وقد عدد المقال أمثلة كثيرة من ذلك، خاصة في المدن النهرية الكبيرة المفتوحة على البحر.

ويقول الكاتب إن الشعوب الإسكندنافية الثلاثة الكبرى بالدانمارك والنرويج والسويد كانت تشارك بهذه الرحلة المثيرة، حتى إن النرويجيين وصلوا أيرلندا، بعد زيارتهم أقصى شمال بريطانيا والأرخبيل الأسكتلندي، حيث أسسوا إمارة عام 841، في مكان سيصبح لاحقاً العاصمة الأيرلندية دبلن.

وكانت وسكس آنذاك هي المملكة الأنجلو ساكسونية الوحيدة التي لديها ملك، وقد استطاع ملكها الشاب ألفريد سحق الفايكنغ في معركة أشداون عام 871، ثم انتصر عليهم مرة أخرى عام 878 في معركة إيثاندون.

وبعد مهاجمة لشبونة وقادش، تم طرد الفايكنغ أخيرا من إسبانيا، لكنهم هاجموا السواحل الجنوبية لفرنسا الحالية قبل أن يعودوا إلى إيطاليا، حيث أقالوا بيزا وفيسولي، وعادوا إلى قاعدتهم.

ويفسر المؤرخون توسع الفايكنغ في القرن التاسع بصعود أرستقراطية وسلالات جديدة تريد فرض سلطتها على الإمارات التقليدية، وليس بكون الغرب تجاهل شعوب الشمال قبل غارات الفايكنغ، وكان تجار أوروبا يجلبون المال والنبيذ والأسلحة إلى الدول الإسكندنافية.

وبعد أن هزم الملك ألفريد الكبير قائد الفايكنغ جوثروم عام 878، وافق هذا الأخير على التعميد وحكم نهاية المطاف على إيست أنجليا، كما وقع شيء مشابه في نورماندي، عندما أجبر الملك تشارلز، عام 911، زعيم الفايكنغ رولو على رفع حصار باريس.

عمل المبشرين

كانت تلك الأحداث -كما أورد المقال- مقدمة لتشكيل دوقية نورماندي التي سيقود نسلها رولو، وبعد ذلك عام 960، تحول هارالد ذو السن الأزرق، ملك الدانمارك، إلى المسيحية، ثم قام الملك النرويجي أولاف تريغفاسون بنفس الشيء حوالي عام 994.

وقد اخترقت الثقافة المسيحية جزئيا إسكندنافيا، كما يشهد بذلك علم الآثار، سواء من خلال عمل المبشرين أو التجارة، وبالتالي قاد تنصير بلدان الشمال لمسارات معقدة كان بداية نهاية مغامرة الفايكنغ.

قارب الفايكنغ الطويل كان يبحر قديماً للتجارة وللإغارة على السواحل الأوروبية (غيتي)

هل هم تجار؟

يتساءل الكاتب: هل كان الفايكنغ قراصنة بالفعل كما هو معتاد، أم أنهم كانوا تجارا فرضت عليهم الظروف في بعض الأحيان استخدام أساليب قاسية؟ وإلى هذه الفرضية الأخيرة تميل اليوم بعض الأعمال العلمية التي تسعى لتخليص الفايكنغ من تهم الهمجية التي تلاحقهم تقليديا.

ومع ذلك، فإن سجلات ذلك التاريخ تؤكد ما كان يثيره رجال الشمال من فزع على سواحل بريطانيا والقارة الأوروبية كلها، خاصة أنها سجلت عددا من الهجمات على الكنائس ونهب الممتلكات والاستيلاء على الماشية والاختطاف والاغتصاب وإشعال الحرائق.

وتتوافق القرائن التي كشفت عنها الحفريات في ضواحي كاتدرائية روان مع حريق شب عام 841 خلال غارة الفايكنغ الموصوفة في سجلات ذلك الوقت، كما اكتشف علماء الآثار بقايا لا تعد ولا تحصى من "الأوعية المقدسة" والذخائر من الغنائم التي نهبها المحاربون بالشمال في مقابر إسكندنافية.

ومع ذلك -كما يوضح الكاتب- فإن هؤلاء يتحولون، حسب المكان والزمان، إلى تجار عندما تتطلب مصالحهم ذلك، يقول المؤرخ جان رينو "غالبا ما يكونون، هم نفسهم، يحاربون من جهة ويتاجرون من جهة أخرى، وأحيانا يفعلون الاثنين في نفس الرحلة الاستكشافية".

أبحروا إلى أميركا

حسب عدد من نصوص القرون الوسطى، فإن الملاحين الشماليين وصلوا بعد رحلة طويلة إلى أرض جديدة، سموها فينلاند "أرض النبيذ" فهل اكتشف الفايكنغ أميركا في القرن 11 قبل 500 عام تقريبا من كريستوفر كولومبوس؟

تؤكد العديد من الاكتشافات الأثرية في غرينلاند إطلاق بعثات من هذه المنطقة نحو قارة أميركا الشمالية، كما اكتشف علماء الآثار على طول سواحل أميركا الشمالية أشياء من أصل إسكندنافي، من ضمنها ذراع توازن برونزيةوقطعة من الحديد المصهور وكوب برونزي.

أما الدليل الوحيد المثبت علميا على وجود الفايكنغ في أميركا فهو موقع "آنس أو ميدوز" شمال نيوفاوندلاند بكندا، حيث بدأ عالم آثار نرويجي بالكشف، عام 1960 عن بقايا قرية إسكندنافية تأسست هناك حوالي عام 1000، ومن المحتمل أن تكون هي المستعمرة التي أسسها بحار إسكندنافي من عائلة أيسلندية عاش بين القرنين 10 و11 ويدعى ليف إريكسون.

عام 2016، تم اكتشاف شيء مشابه في بوانت روزي، في الطرف الجنوبي من نيوفاوندلاند، مما قدم أدلة جديدة على رحلة الفايكنغ عبر أميركا الشمالية.

وللفايكنغ ذكر دائم، عندما يتعلق الأمر بتاريخ إنجلترا أواخر القرن التاسع وأوائل العاشر، كما بقي لهم ذكر بداية القرن العاشر غرب فرنسا، وإن كانت آثار هناك أقل منها في إنجلترا.

المصدر : الجزيرة + الصحافة الفرنسية + لوفيغارو

حول هذه القصة

افتتح في السويد متحف جديد مخصص لشعوب الفايكنغ يضم تمثالا بالحجم الطبيعي لأحد رجال الفايكنغ، إلى جانب توفير رحلة بصرية في الماضي ضمن عوامل جذب أخرى لاستقطاب السياح.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة