الكتب المترجمة بمصر.. نافذة على العالم تضيقها ضوابط رسمية ومحاذير غير معلنة

يعرف الناشرون الشروط المتفق عليها ضمنا بينهم وبين النظام لنشر أعمال مترجمة (الجزيرة)
يعرف الناشرون الشروط المتفق عليها ضمنا بينهم وبين النظام لنشر أعمال مترجمة (الجزيرة)

نكأت ضوابط جديدة أعلنتها المديرة السابقة للمركز القومي للترجمة بشأن الكتب المترجمة، جراحا غائرة في جسد الثقافة المصرية، ولفتت الأنظار مجددا إلى أزمة انحسار الكتب المترجمة للعربية في مصر، سواء عبر وزارة الثقافة أو دور النشر الخاصة.

وأشارت أبرز الضوابط الجديدة التي أعلنتها مديرة مركز الترجمة علا عادل -التي رحلت عقب ضجة هذه الضوابط- إلى ضرورة "ألا يتعارض الكتاب المترجم مع الأديان والقيم الاجتماعية والأخلاق والأعراف".

ورغم قيام إدارة المركز بإزالة بيان الضوابط وآخر توضيحي لاحق له، فإن هذين البيانين كشفا المسكوت عنه في هذه القضية، وما هو معلوم من النشر والترجمة بالضرورة، إذ تعد هذه الضوابط خطوطا حمرا لا يتم تجاوزها إلا فيما ندر، حتى بين أصحاب دور النشر الخاصة، حرصا منهم على استمرار أنشطة دورهم، ويضاف إلى الشروط المعلنة شرط عدم التطرق للسياسة.

وكشف مصدر داخل المركز القومي للترجمة لصحف محلية، عن انتقاد مديرة المركز السابقة عناوين بعض الكتب المدرجة على قوائم النشر، وأنها لجأت لجمهور صفحة المركز على فيسبوك للمشاركة في تحديد العناوين المطلوبة للترجمة ونوعية وحجم الكتب المطلوبة، وبناء على ذلك أصدرت قائمة الضوابط الجديدة المعلنة.

وفي البيان المثير للجدل المزال من صفحة المركز على فيسبوك، أعلنت علا عادل عن ضرورة مراعاة عدد من الشروط، منها ألا يكون قد سبق صدور ترجمة للكتاب، وأن يكون العمل المعروض للترجمة من اللغة الأصلية وليس عبر لغة وسيطة، وأن تتراوح صفحات الكتاب بين 60 و500 صفحة، مع إمكانية استثناء هذا الشرط إن كان الكتاب جزءا من الكتب التراثية أو في حالة ترجمة الموسوعات والمعاجم.

وانتقد مترجمون تلك الضوابط المعلنة وغيرها مما هو غير معلن مما يقيد حركة الترجمة والنشر، مؤكدين أن لهذه الشروط والمحاذير أثرا كبيرا في تراجع حركة الترجمة والنشر، رغم إقبال القراء في مصر على الكتب المترجمة وخاصة الأدبية.

وجاء في بيان توضيحي للبيان الأول على لسان مديرة المركز السابقة (أزيل من صفحة المركز أيضا)، أنه ورد إلى المركز مقترحات بكتب تتضمن التطاول على رموز ومؤسسات دينية دون أن يكون هناك فكر حقيقي مطروح، بل هناك من الأعمال ما يروّج للمثلية والشذوذ والإلحاد، وهو ما "لا نقبل وضع اسم المركز عليه".

يخشى الناشرون مصيرا غامضا عقب سجن أحدهم بعد نشره كتابا مترجما (الجزيرة)

وتابع البيان التوضيحي أن "الأفكار التي لا تتماشى مع قناعاتنا ولكنها لا تتضمن إساءة أو تطاولا، لا نفرض عليها حجرا بل نطرحها في إصداراتنا التي تهدف إلى التنوير والتعريف بثقافة الآخر وفكره، بل نأمل كذلك أن يقرأها المفكرون وتحثهم على الرد على الأفكار المغلوطة في كتاباتهم".

وأكد مترجمون رفضوا ذكر أسمائهم للجزيرة نت، أن هذه المديرة -التي عملت مترجمة في رئاسة الجمهورية قبل رئاستها للمركز- لم تفصح إلا عن أمر واقع مستمر ومعروف في الواقع الثقافي المصري.

وترجمت وزارة الثقافة عبر المركز القومي للترجمة -وهو أكبر جهة ناشرة للكتب المترجمة في البلاد- 301 كتابا منذ منتصف 2014 حتى منتصف العام الحالي، وهو ما وصفته الوزارة في بيان عن "إنجازات" تلك الفترة بـ"الطفرة"، رغم أن الرقم "متواضع جدا" مقارنة بترجمات الكتب في دول أصغر من مصر بالمنطقة، بحسب بيانات دولية.

ومن بين المحظورات التي يتجنبها المترجمون، وفق حديث أحدهم للجزيرة نت رافضا ذكر اسمه، الترجمة من التركية للعربية. ورغم أنه "لا تعليمات مكتوبة بهذا الشأن، إلا أن الناشرين والمترجمين يخشون التبعات، خوفا من اتهامهم بتحسين صورة تركيا بمصر، في ظل خلافات بين نظامي البلدين".

وبعض من هذه الشروط المعلنة يخالف جوهر عملية الترجمة الرامية لاكتشاف الآخر من خلال كلماته، وما جرى منذ 6 سنوات من وضع المزيد من الشروط والمحاذير، يضيق إطار النافذة التي ننظر منها كمصريين للعالم، بحسب مترجمين.

وقالت شريفة -وهو اسم مستعار لمترجمة تحدثت للجزيرة نت- إن بعض هذه المعايير "حق يراد به باطل"، فالنظام يريد بالإعلان عنها أن يبدو "محافظا" بعد اتهامه من قبل خصومه السياسيين بأنه "تخطى معاداته للحركات الإسلامية إلى معاداة الإسلام نفسه".

ويبدو أن الناشرين يتحسسون رقابهم في كل مرة يقدمون فيها على ترجمة كتاب إلى العربية في مصر، عقب تأييد محكمة النقض العسكرية في البلاد أواخر العام الماضي حكما بحبس مؤسس دار نشر "تنمية" خالد لطفي 5 سنوات، بتهمة إفشاء أسرار عسكرية، وذلك لقيامه بتوزيع النسخة العربية من الكتاب الإسرائيلي "الملاك: أشرف مروان"، الصادر عام 2016.

والكتاب يقدّم الرواية الإسرائيلية عن شخصية أشرف مروان السكرتير العام للرئيس الأسبق أنور السادات، وهو كذلك صهر الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر.

ورغم هذا التضييق، تشهد الكتب المترجمة في مصر إقبالا نسبيا من القراء، يشجع الناشرين على ترجمة المزيد رغم هذه المحاذير والضوابط.

ويقول الحلواني -وهو اسم مستعار لناشر رفض ذكر اسمه- إن القارئ المصري يُقبِل على الروايات العالمية المترجمة عن لغات لشعوب ذوي ثقافات مختلفة عن ثقافته، مشيرا إلى حرصه كناشر على تجنب المحاذير الدينية والسياسية كافة، بل إنه يحدد لنفسه محاذير إضافية، وهو يضع خطته السنوية للنشر، لافتا إلى أن خطة كل عام تركز على موضوع معين يشغل الرأي العام، كقضايا تحسين أحوال المرأة.

ورأى المتحدث أن مديرة مركز الترجمة المنقولة لوظيفة أفضل (ملحقة تجارية بالنمسا)، تدرك توجهات الدولة، وسعت لمغازلتها عبر هذا البيان الذي كشف ما هو معروف ضمنيا ولم يكن بحاجة للإعلان عنه، ولم يتم التراجع عنه كما أشيع.

وانتقدت الكاتبة فاطمة المعدول بيان مديرة مركز الترجمة السابقة، مؤكدة أن الضوابط مطاطة، فضلا عن تعاملها مع المترجمين كموظفين، مطالبة بتأهيل مديري هيئات وزارة الثقافة لطبيعة مناصبهم قبل توليها.

وأكدت الكاتبة -في منشور عبر صفحتها على فيسبوك- أن مركز الترجمة هو مركز "تنويري"، يسعى لتعريف القارئ المصري بالآخر، ولا بد أن هذا الآخر مختلف بالضرورة، متسائلة "من الذي سيحدد الأعراف والقيم؟ ومن سيحدد ما إذا كانت تصلح أو لا تصلح؟".

وعبّر مثقفون عن دهشتهم من ازدواجية خطاب النظام الذي يعلن "الحرب" على أصحاب التوجهات الدينية ويطالب بـ"تجديد الخطاب الديني"، وفي نفس الوقت يتبنى "منهجهم في التفكير والسعي لأسلمة الثقافة وإخضاعها لضوابط أخلاقية".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عقد الفريق الإعلامي لجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم ندوته الثالثة للموسم السادس بعنوان “واقع وآفاق الترجمة في بنغلاديش من وإلى العربية”، وشارك بها باحثون ومترجمون بنغاليون شرحوا تجربتهم مع العربية.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة