رواية "جامايكا" لمحمد الأصفر.. السياسة والتاريخ والدكتاتورية في ليبيا على إيقاع الطبول

يروي الكاتب الليبي محمد الأصفر سيرة ليبيا المعاصرة التي تتقاطع مع رحلة حياته الخاصة (الجزيرة)
يروي الكاتب الليبي محمد الأصفر سيرة ليبيا المعاصرة التي تتقاطع مع رحلة حياته الخاصة (الجزيرة)

غادر الروائي الليبي محمد الأصفر وأسرته ليبيا نحو ألمانيا لاجئا في غضون الصراع الليبي المحتدم بعد الثورة، رغم أنه لم يتوقع في بدايات الثورة أن يغادر بنغازي، المدينة التي وهب حياته الأدبية لها منذ البدايات الأولى.

حتى أنه في يومياته التي صدرت سنة 2012، كان يكتب ساخرا غير مصدق لحالة الأمن التي سادت البلاد بعد التخلص من الرئيس السابق معمر القذافي، فكان يطالب بشيء من الخوف الذي تعوّد عليه، لكي يواصل الحياة ويتحمل هذا الفائض من الحرية والسلام الذي قدمته ثورة الليبيين، فالارتماءة الكاملة في عالم الحرية جعلته يفقد توازنه.

لم تنتظر ليبيا كثيرا لتستدعي رعب العالم كله إلى أرضها، فهاجر محمد الأصفر إلى ألمانيا بعد معاناة طويلة بمكاتب الهجرة في تونس ومصر، ليصمت ذلك الكاتب الغزير.

مرت سنوات دون أن نقرأ له شيئا، قبل أن يظهر من جديد علينا بروايات كثيرة في دور نشر متعددة، مشرّقا ومغرّبا، لنكتشف أن ذلك الاختفاء كان انهماكا في التأليف، فقد وفرت له العزلة في ألمانيا ما جعله يتفرغ للكتابة.

عن دار الجيدة بالأردن، صدرت له هذه الأيام رواية جديدة بعنوان "جامايكا".

تقاطع السيرتين الفردية والجماعية

يفتح محمد الأصفر نافذة جديدة على التاريخ، وعبره يفكك خطاب اللحظة الفارقة التي أسقطت الملكية وأسقطت معها أشياء كثيرة منها الحرية. يتناول كل ذلك انطلاقا من كوى ثقافية متعلقة بالفنون: موسيقى وغناء ونحت.

تنطلق الرواية بالنحت وقصة البطل مع تمثال عبد الناصر الذي صار ملجأ له ومهربا مثل حضن الأم والأب، ذلك التمثال الذي وضع في قلب بني غازي وأطلق ظله المختلف ليكون الملاذ، يصفه الراوي قائلا:

"في البلاد ظلال كثيرة، ظلال لفنادق وعمارات وأشجار وأعمدة وسيارات وحتّى أوهام، فكلّ وهمٍ يعترض الشمس في هذا الزمن يصنع له ظلا خاصّا به، لكنّها ظلال لا ترتاح لها نفسك، فلا يمكنك أن تتكئ وتغفو باطمئنان عندما تجلس فيها. أنت لا تثق إلّا في ظل بابا جمال الذي يبقيه طوال بقائك، أمّا الظلال الأخرى فلا تبقى من أجلك، بل لا تشعر بوجودك وبحبّك أصلا، وسرعان ما ترفسك وتسحب نفسها بعيدا عنك فور مغادرة الشمس. ذاك دأبك في كلّ يوم عشته ببني غازي، المرور على تمثال عبد الناصر وتحيته والجلوس عنده. تأتي ولا شيء في يدك سوى كتاب تتوسّده أحيانًا".

وسنكتشف بعد ذلك أن الطفل واكب كل تفاصيل تشييد التمثال مع أبيه، وربط علاقة بالنحات المصري الذي جاء خصيصا لتشييده.

ويجعل الراوي تلك العادة (زيارة التمثال) ذريعة ليتذكّر قصة زيارة عبد الناصر لبنغازي، وكيف استطاع ووالده أن يصافحاه رغم كل الحشود التي تهاطلت لاستقباله. يروي الراوي تلك الحادثة في أسلوب ملحمي يذكّر بصورة مقلوبة كتبها السوري الكردي سليم بركات في سيرته الذاتية، عن استقبال الأطفال الأكراد في القامشلي لعبد الناصر.

الفرق أن سليم يروي ذلك كما يروى الاغتصاب، فكان عليهم أن يصفقوا بلا توقف حتى يمر الزعيم، بينما يرويها الراوي في جامايكا بنوستالجيا كبيرة.

يقول الراوي: "الزحام يشتعل أكثر والجميع يهتفون بناصر ويمدّون أيديهم لمصافحة الزعيم ومرافقيه حتّى مرق أبوك بنصف جسده من بين عسكريين نحيفين ونجح في مصافحة الزعيم، وبعدها أمسكك من تحت إبطيك وقربك من الموكب وهو يصرخ فيك: مدْ يدك صافح البطل. ومددت يدك صوب الزعيم ولم تصل إليه، ولمحك الزعيم تسعى إليه فقرّب يده منك أكثر حتّى لامس أطراف أصابعك، فسرت في روحك قشعريرة عظيمة، عانقك أبوك بعدها وقال لك: المقصود حصل، فلنغادر من الزحمة الآن".

وعبر استعمال ضمير المخاطب "أنت"، يواصل الراوي استحضار سيرته وسيرة وطنه والتحولات التي عرفها إلى يوم نهاية الملكية وبداية عصر الجمهورية، وكيف أفاق الطفل على فاجعة من خلال تغير العلم والنشيد الرسمي، فيقول:

"أنت في المدرسة، حالتك مربكة جدا، بين يوم وليلة تغيّر كل شيء، لم تجد على الناصية العلم الأحمر والأسود والأخضر الذي به نجمة وهلال، ووجدت علما جديدا ألوانه الأحمر والأبيض والأسود ولا نجمة ولا هلال في وسطه، أين هما يا ربي؟ هل استعادتهما السماء؟ في الليل سأصعد فوق البيت لأبحث عنهما وأطلب منهما العودة…".

يرسم محمد الأصفر عبر هذا التقاطع بين السيرة الشخصية والسيرة الجماعية، سردية خاصة لرواية التاريخ الليبي الذي ينتقل من مرحلة إلى مرحلة بشكل راديكالي وعنيف، مرة بانقلاب ومرة بثورة، ومهما اختلفت التسميات فلا شيء مشترك بينها إلا عنف الصورة التي ترج الطفل وترعبه، وقد أشار إلى ذلك الكاتب بطريقة رمزية عبر استبطانه لمخيال الطفل وكيف ترجم ذلك التغيير في ألوان العلم وفي نص النشيد الرسمي وإيقاعه، وفي مشهد مدير المدرسة وهو ينشده ويعلمه إياه أول مرة.

يقول الراوي "وقال لكم مدير المدرسة في طابور الصباح: والآن بعد ما أعلمناكم بسقوط المملكة الليبية وقيام الثورة وإعلان الجمهورية، ردّدوا خلفي النشيد الوطني الجديد، ولا بدّ من حفظه هذا الأسبوع قبل أن يأتي المفتش. وبدأ يقرأ النشيد الجديد من ورقة، يقرؤه بحماسة جعلت عروق رقبته تبرز وعرق جبهته وصدغيه ينزّ، وصرتم -تنفيذا لأمره- ترددون خلفه ما ينشدكم إيّاه من تكبيرات تصبّ بقوة على كيد المعتدي، بعضكم يردد بحماس وبعضكم بفتور والبعض الآخر الذي أنت منهم يكتفي بتحريك الشفتين".

الاغتصاب الموسيقي والعلاج الصوفي

وعبر ما سماه الراوي بالاغتصاب الموسيقي، تغيير النشيد وكلماته ونغمه بالإكراه، تبدأ قصة البطل في علاقته بالموسيقى. وهو يرد على أبيه: "ثمّة من اعتدى عليّ، ثمّة من سبّب لي الأذى، ثمّة من اغتصبني موسيقيّا، لقد تغير اللحن الذي أسمعه صباح كل يوم، لحن الملك الذي أحب، بلحن غريب صاخب لم يعجبني البتة ولن أحفظه ولن أنشده".

وعبر أسلوب ساخر، يعكس الذهنية العربية عندما تسلط عليها الأنظمة الدكتاتورية، إذ يُتعامَل مع الطفل الرافض للنشيد الوطني الجديد كمريض، فيأخذ من ولي صالح إلى آخر لكي يقبل بالنشيد ويحفظه.

وصنف كمرض موسيقي وعلاجه الزوايا الصوفية، وأصبح الطفل يجَرّ يوميا إلى الزاوية للعلاج، لكن تلك التجربة على تخلفها جعلته يتحرر من دغمائية النغم الواحد وبدأ يتقبل أنغاما جديدة، وهناك علّمه معلم الموسيقى العزف ليتعلق بالطبل .

يقيم محمد الأصفر علاقة بين الطبول (الدرامز) والرواية اليوم، وهو ما يكتشفه القارئ من تطور أحداث روايته وأسلوبها، فهي صاخبة ويعجن فيها الروائي كل الممكنات السردية لتقول نغما خاصا يصّاعد بها نحو الذروة.

يقول الراوي معرّفا الطبول: "الدرامز رائع، به صخب وهدوء، ومكانه في الفرقة بارز ومميز، ويمنحك حرية كبيرة في التعبير عن نفسك بيديك ورجليك وردفيك ورأسك وبملامحك التي تعيش اللحن وتتفاعل معه بشكل جيد. السيد الدرامز هو القائد الحقيقي في الفرقة الموسيقية، هو المارشال في جيش الموسيقى البهي، هو من يبدأ اللحن وهومن ينهيه بنقرة أخيرة يليها صمت نقي، هو مثل الرواية الحديثة جدا، يتقبل أن تنضم إليه كل الطبول والدفوف والسيمبلات والجمبات والتنمبورينات والدرابيك، كل آلات الإيقاع يمكنه توظيفها في اللحن بنجاح، كلها تجد متنفّسا لها ودورا عنده، لا إقصاء لأي سطح يستلذ بالدقّ أو النقر أو الصفع أو الاهتزاز".

وعندما طلب الطفل أن يعيره المعلم الطبل ليعزف عليه في المنزل، قوبل بالرفض، مما دفع بأبيه إلى إهدائه لعبة القرد الذي يعزف على الطبول، وهكذا يتحرر الطفل من الآلة النظامية ليبدأ حياته مع الموسيقي عبر لعبة القرد العازف.

يقول الراوي: "حينما شعرتَ بالحزن وعرف والدك السبب تأثر بذلك وأسرّ حزنك في نفسه، وبعد مدة أرضاك بطريقته الخاصة فاشترى لك من سوق الجريد هدية مميزة، عندما فتحت صندوقها وجدت فيه درامز يعمل بالبطاريات الجافة، يعزف عليه قرد يرتدي قبعة جامايكية مزركشة بالأخضر والأصفر والأسود، ويومها ضحكت كثيرا، وقلت لأبيك مازحا، ماذا تقصد؟ هذا عقابها (نهايتها)، يعني أنا القرد؟!".

ويتابع "ما زلت تحتفظ بتلك اللعبة إلى الآن، وما زال القرد يدق الطبول بالعصوين ويدوس بقدمه اليمنى لدق الطبل الكبير وباليسرى لرفع السيمبلتين وخفضهما. كنت ترى القرد وهو يعزف على الدرامز ككائن حي، فلم تبخل عليه بطاقة تمكّنه من أخذ وضعه المناسب ومن عيش حياته في حيوية".

غير أن القرد لم يكن يعزف إلا لحنا واحدا، هو لحن أغنية الحرب على أنغام موسيقى الريغي، لحن أغنية الحرب لبوب مارلي.

يدحرج محمد الأصفر بذكاء كرة السرد باتجاه التاريخ الليبي عبر سيرة بوب مارلي وجامايكا، ودور جارتها هايتي في استقلال ليبيا وعلاقتها بالملك إدريس.

الدكتاتورية وتشكل الوعي

إن مؤسسة الأب الراعي إذا لم تحدَّد سلطتها، فإنها تتوسع من الأسرة لتستولي على الدولة ويصبح الشعب كله دون مستوى الرشد، لتتمكن منه السلطة بشرعية الرشد والمعرفة.

هكذا يبدأ محمد الأصفر نقده للدكتاتورية من نقده لمفهوم الأب المتسلط والعارف بكل شيء، والذي له إجابة عن كل سؤال، فيتناول الدكتاتورية من علاقة الأب بأسئلة ابنه، فيقول الراوي: "ستعرف يوما مّا أنّ الآباء لا يمكنهم الإجابة عن كل شيء، فمن الأفضل ألّا يجيب الأب عن أسئلة طفله إن كان لا يعرف، إظهار العجز أمام الطفل فعل موجب سيقدره طفلك لك وهو صغير وحينما يكبر أيضا، لن يقول أبدا إنّ أباه أمّيٌّ أو جاهل، سيقول إنه صادق مع نفسه وغير مدّعٍ".

تأخذ الذاكرة الراوي وهو يستحضر سيرته وسيرة طفولته تدريجيا إلى وصف نشأة العنف عند النظام الانقلابي الجديد، حيث يتذكّر كيف ترك ملعب كرة السلة رغم تفوقه في اللعبة، لأن الملعب نفذت فيه عمليات إعدام كثيرة للشباب المتمرّد على الدكتاتور الجديد.

يقول "لم تستمر في اللعبة طويلا رغم نجاحك واختيارك في المنتخب الوطني، فمجمع سليمان الضراط الرياضي الذي به ملعب كرة السلة الرسمي، نفّذت فيه اللجان الثورية المجرمة عمليات إعدام شنقا لشباب كثيرين من بني غازي، ومثلت بجثثهم على الهواء مباشرة، منهم من تعرفه شخصيّا ولك معه ذكريات دراسة ورياضة وكشّافة، وتألمت أنت لذلك كثيرا، فقررت بينك وبين نفسك أن تتوقف عن اللعب. لقد بدا لك ملعب كرة السلة كساحة إعدام، وحلقات مرمى كرة السلة كحلقات حبال مشانق تنتظر أن تخنق عنقا عوضا عن انتظار كرة برتقالية جميلة تمرق منها، تعقبها صيحة احتفالية لجمهور عاشق للرياضة".

يمضي الراوي في سرد تاريخه الشخصي مع حبيبته وأسفارهما من الصين إلى التبت إلى أميركا إلى جامايكا (بلد كاريبي) إلى مراكش إلى بنغازي، وبناء أسرة وإنجاب طفلة تتعلق بالطبول والطيران الحربي، دون أن يتخلى عن لعبة القرد العازف الذي يكون كل مرة محفزا للأحداث والذكريات، وشاهدا على الحاضر، ومعمقا النظر في الماضي، ومستشرفا بنغمه المستقبل حول الحرب والسلام .

رواية جامايكا لمحمد الأصفر رحلة في السياسة عبر تفكيك التاريخ الليبي ونظام القذافي والصراع الليبي الأميركي وأفكار الكتاب الأخضر وعمل اللجان الشعبية وحادثة لوكربي وعلاقة نظام القذافي بجبهة البوليساريو، وهي رحلة في الجغرافيا عبر رحلات البطل وعائلته من الشرق الأدنى إلى أميركا الجنوبية، ورحلة في الفنون عبر النحت والأدب والموسيقى تحديدا.

ولكنها تبقى رحلة في بنغازي التي يرسمها عبر ساحاتها وأسواقها وموانيها وتماثيلها وعاداتها وتقاليدها وشخصياتها الحية، ليثبت محمد الأصفر في تجربته الألمانية أن نصه لا ينتصر إلا لمدينته، وأن خياله مشدود إلى حي المحيشي ببنغازي المدينة التي احتضنته واحتضنها في نغم واحد على الطبل: أغنية الحرب التي تبحث عن السلام، والتي صارت تعزفها طفلة الحب التي غدت بدورها قائدة طائرة ثم استقالت من سلاح الجو الليبي بعد خيبتها في النظام، لكي تلوذ بالموسيقى وعوالم بوب مارلي.


حول هذه القصة

على خلفية حركة “حياة السود مهمة” التي نشأت في أميركا؛ تعرضت تماثيل رموز الاستعمار في العديد من المدن الأوروبية الكبرى إلى أعمال تخريب، ولكن دولا أخرى لم تنظر لماضيها الاستعماري بالطريقة السلبية نفسها.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة