تقود الحبكة وتصنع الحوار.. كيف يترك العديد من الكُتاب شخصياتهم تتصرف بمحض إرادتها؟

في الرواية لا بد من لغة أدبية بالضرورة، خالية من الخطابية والمباشرة، ورسم مقنع لشخوص لا يرون بالعين (شترستوك)

يدعي العديد من الكُتّاب المشهورين أن الشخصيات هي التي تقود حبكة رواياتهم، وتنشئ الحوار، وبشكل أساسي "تفعل ما يحلو لها" في الروايات التي يكتبونها.

في مقاله الذي نشره موقع "ذي كونفرزيشن" (The Conversation) الأسترالي، قال الكاتب جون فوكسويل إنه أجرى استطلاعا للرأي في مهرجان إدنبرة الدولي للكِتاب في عامي 2014 و2018، وسأل الكُتّاب عن تجربتهم مع شخصياتهم.

وصرح أكثر من 60% من بين 181 مشاركًا بأنهم سمعوا أصوات شخصياتهم، وأوضح 60% كذلك أن شخصياتهم تتصرف أحيانا بمحض إرادتها حتى قال بعض المؤلفين إنهم يستطيعون الدخول في حوار مع شخصياتهم وإنها أحيانًا "ترد عليهم" ويتجادلون معها.

وقد أقر هؤلاء الكُتّاب بأن هذه التجارب كانت خيالية، لكنهم تحدثوا أيضا عن "اندهاشهم" بما قالته وفعلته شخصيات رواياتهم، حتى أنهم يضحكون أحيانا على نكاتها.

ولعل هذا ما يثير تساؤلات بشأن التحكم وما يعرف في علم الاجتماع بـ "الوكالة" (قدرة الفرد المستقلة لتنفيذ إرادته)، بما أن الكُتّاب لا يشعرون دائما بأنهم يتحكمون في عملية السرد.

من الذي يتحدث؟

غالبًا ما تُفسَّر هذه التجربة بالادعاءات القائلة إن الكُتّاب مميزون أو مختلفون بطريقة ما، وإن تخيلاتهم أكثر "حيوية" أو "قوة". لكن أقلية ملحوظة من الكُتاب لم يقولوا بتمتع شخصيات رواياتهم بـ "الوكالة".

لكن الدراسات الحديثة حول "الحديث الداخلي" قد تساعد في شرح تجارب الكُتاب مع شخصيات رواياتهم بطريقة مختلفة.

ويعد الحديث الداخلي هو المونولوغ أو الحوار، والذي يخوضه معظمنا خلال التفكير اللفظي، الذي يمكن أن يختلف من شخص لآخر. فعلى سبيل المثال، يدرك بعض الناس سماع حديثهم الداخلي في معظم الأوقات، بينما البعض الآخر بالكاد يتفطن لذلك.

وأوضح الكاتب أنه يمكن للأشخاص أن يدركوا وجود أصوات "أشخاص آخرين" في حديثهم الداخلي مثل سماع صوت أحد الوالدين وهو يقدم لهم نصيحة أو نقدًا.

بالطريقة ذاتها، إلى حد كبير، من المحتمل أن يتهيأ لنا سماع أصوات أشخاص آخرين عندما نقوم بأشياء مثل التفكير في كيفية سير الحديث مع شخص ما، أو كيف من المحتمل أن يستجيب شخص ما نعرفه للأخبار التي نحن على وشك إعلامهم بها.

لذلك من المعقول أن نتساءل عن مدى إدراكنا لتحكمنا الفعلي في هذه النسخ الخيالية من أشخاص حقيقيين، فالشعور بأن صديقا أو أحد أفراد العائلة من المرجح أن يقول عبارات معينة ليس عادةً شيئًا يتم تحديده بوعي أو نتاج عملية تفكير مكثفة، وإنما يكون فوريا وبديهيا، على الأقل عندما نكون على معرفة جيدة بهذا الشخص.

مسألة تباين

وفقًا لهذه النظرية، يمتلك معظمنا في الواقع "شخصيات" مستقلة وفاعلة يسمعون أصواتها، وكل ما في الأمر أن هذه الشخصيات تمتلك هويات الأشخاص الذين نعرفهم في العالم الحقيقي. وحسب بعض الكتاب، يشبه هذا الأمر سماع صوت والدتك تقول "لن تتمكن من غسله بشكل جيد" في عقلك، عندما ترى لباسا معينا في نافذة متجر.

ربما لا يتعلق الأمر كثيرا بكيفية تفاعل الكُتاب مع هذه الشخصيات المستقلة، وإنما بالطريقة التي ترتبط بها هذه الشخصيات التي تتمتع بالوكالة بتجارب أخرى، حقيقية وخيالية.

وأشار الكاتب إلى أن هناك، من جهة، تباينا يظهر بسبب كيفية تطور الشخصيات في الرواية مع مرور الوقت، ففي البداية، يحدد الكاتب بوعي ما تفعله الشخصيات وتقوله لكن بعد نقطة معينة، توفر معرفة الكاتب الأكبر بهذه الشخصيات النوع نفسه من الإحساس الفوري والبديهي لما ستفعله أو تقوله، الذي ينطبق غالبا على تخيلاتنا لأشخاص حقيقيين.

من جهة أخرى، هناك تباين يتعلق عادة بتخيلاتنا لأشخاص حقيقيين، وهو يكمن في التناقض بين تخيلاتنا لما سيفعلونه وما يفعلونه في العالم الحقيقي. لكن ليس لدى الشخصيات الخيالية نظير في العالم الخارجي يتمتع باستقلالية وفاعلية أكثر.

وخلص الكاتب إلى أنه من المحتمل أن هذه النظريات تشرح بعض الجوانب الأوسع لما يحدث، فكلما تعمق الباحثون في الأفكار والخيال، زادت صعوبة تحديد مدى سيطرة الكُتاب على أفكارهم وأفعالهم وإلى أي مدى يشعرون بأن سيطرتهم عليها هي مجرد وهم.

صناعة الرواية

وفي مقاله المنشور بالجزيرة نت، اعتبر الروائي السوداني أمير تاج السر أن الرواية لا تشترط دراسة لها في المعاهد، أو شهادات يحملها الكاتب، وكما يكتبها دارسون في الجامعات وحملة شهادات عليا، يمكن أن يكتبها عمال عاديون بتعليم بسيط وثقافة عالية اكتسبوها من الحياة.

وأضاف تاج السر "الموهبة هنا هي الأساس، بينما السيناريو على النقيض، عمل احترافي لا بد من دراسته نظريا وعمليا، قبل الخوض في كتابة أي تجربة. وقليلون من كُتّاب الرواية استطاعوا الجمع بين كتابتها وكتابة السيناريو، لكن المتتبع لنتاجهم يحس أن إحدى الصنعتين أقوى من الأخرى، خاصة لدى كاتب السيناريو حين يكتب رواية".

ويرى الروائي السوداني أنه في الرواية لا بد من لغة أدبية بالضرورة، خالية من الخطابية والمباشرة.. ولا بد من تنميق للنص، ورسم مقنع لشخوص لا يرون بالعين، ولكن يحسون من القراءة.. كما لا بد من خلق جو مناسب، واختراع أبواب شتى تدخل القارئ إلى النص.

بينما في السينما -يواصل الروائي السوداني- الأبواب كلها تكاد تكون مفتوحة بفعل الكاميرا التي تتحرك وترصد المكان بغليانه أو خموده، والشخوص السينمائيون مرسومون بملامحهم وأزيائهم ولغتهم وأفعالهم التي تشاهد مباشرة دون لغة وسيطة.

وربما اختصرت مشاهد تحتاج إلى عدة صفحات من الكتابة الوصفية، في مشهد صغير واحد يفهمه المتلقي بلا عناء، مثل مشهد رجل فقير يقف منكس الرأس بملابس رثة، أمام صورة زعيم معلقة في أحد الميادين العامة.

هنا… لا حاجة لوصف وجه الرجل وملابسه ونعليه الذائبين، ولا حاجة لكتابة ما يدور في ذهنه، لأن الكاميرا كتبت كل شيء.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية