الحق في إقامة الدولة بدلا من الحريات الفردية.. كيف جرى تفسير "الثورة الأميركية" خطأ بطريقة ليبرالية؟

اعلان استقلال الولايات المتحدة،
وثيقة استقلال الولايات المتحدة أُعدت من قبل لجنة مكونة من 5 أشخاص، من ضمنهم توماس جيفرسون الذي كان كاتبها الرئيسي قبل أن يقرها الكونغرس مطلع يوليو/تموز 1776 (بيكسابي)

في ما عرف في القرن 18 بالعالم الجديد، تمردت مجموعة من المستعمرات البريطانية على طول ساحل المحيط الأطلسي، بسبب عدم تمثيلها داخل البرلمان البريطاني وزيادة الضرائب عليها.

وخاض المستعمرون في أميركا حربا ضد بريطانيا في ما يعرف بالحرب الثورية الأميركية عام 1775، وتمكنت تلك المستعمرات من الانتصار، ثم تبنت إعلان الاستقلال عن التاج البريطاني في 4 يوليو/تموز 1776.

اعتمد "المؤتمر القاري الأول" إعلان الاستقلال الأميركي المكتوب في وثيقة تتكون من 7 مواد، وعبرت الوثيقة ببلاغة عن الأسباب التي دفعت المستعمرات إلى إعلان استقلالها عن بريطانيا، وأوضحت أن لكل الناس حقوقا معينة، بما فيها حقهم في أن يغيروا أو يطيحوا بأية حكومة تسلبهم حقوقهم.

ويقول المؤرخ في جامعة ستانفورد الأميركية جاك راكوف إن الوثيقة التي اشتملت على عبارة "كل الرجال خلقوا متساوين"، كانت دعوة للحق في إقامة الدولة بدلا من حماية الحريات الفردية، كما يتبادر للذهن، لكن بعد الثورة الأميركية فسّرها الناس على أنها وعد ليبرالي بالمساواة الفردية، وهو ما لم يكن صحيحا.

تأويلات متطورة

ومع تفسير كل جيل لمضمون الوثيقة، توسعت دلالة الكلمات التي تم التعبير عنها في إعلان الاستقلال إلى ما يتجاوز ما كان يقصده الآباء المؤسسون للولايات المتحدة في الأصل عندما اعتمدوا الوثيقة التاريخية، كما يقول راكوف في حوار مع موقع جامعة ستانفورد.

ويعتبر الأكاديمي الأميركي أنه عندما تبنى المؤتمر القاري (الكونغرس) النص التاريخي الذي صاغه رجل القانون توماس جيفرسون، لم يقصد أن يعني المساواة الفردية. وبدلا من ذلك، كان ما أعلنوه هو أن المستعمرين الأميركيين -كشعب- لديهم نفس الحقوق في الحكم الذاتي مثل الدول والبلدان الأخرى.

ويضيف "ولأنهم امتلكوا هذا الحق الأساسي، يمكنهم إنشاء حكومات جديدة والتمتع بمركزهم المنفصل والمتكافئ مع الدول الأخرى". وفقط في العقود التي تلت الحرب الثورية الأميركية (1775-1783) اكتسبت العبارة دلالتها الجديدة كتأكيد على المساواة الفردية.

ويعتبر راكوف -الذي يعمل أستاذا للتاريخ والدراسات الأميركية، وأستاذا للعلوم السياسية في كلية العلوم الإنسانية والعلوم بجامعة ستانفورد- أن إدراك حقيقة ما جرى يفيد في فهمٍ أفضل لإخفاقات الحكومات السابقة للولايات المتحدة، في وقت يتزايد فيه الانقسام واستدعاء إرث العبودية والظلم العرقي.

وحصل كتابه "المعاني الأصلية: السياسة والأفكار في صنع الدستور" (1996) على جائزة بوليتزر في التاريخ، بينما ينشر كتابه الجديد "ما وراء الإيمان، ما وراء الضمير: الأهمية الجذرية لممارسة الدين الحر" الشهر المقبل.

الرق والعبيد

وفي جوابه عن سؤال بخصوص علاقة مشكلات الولايات المتحدة اليوم بإعلان الاستقلال ودستور الولايات المتحدة الأول، قال الأكاديمي الأميركي إنه يعتبر الإعلان نقطة انطلاق ووعدا والتزامات بعضها مثير للقلق؛ فرغم إقراره حقوقا مثل الحق في الثورة والحق في إنشاء حكومات شرعية جديدة، فقد تضمن مجموعة من الالتزامات السياسية التي تقر الوضع القانوني للرق والاستعباد داخل الولايات.

وينقل راكوف عن زميله الراحل دون فرينباخر المختص بالدراسات الأميركية، أن الدستور الأميركي الأول تورط بشدة في إنشاء "جمهورية مالكي العبيد" التي حمت العبودية بطرق معقدة حتى عام 1861.

لكن تعديلات الفترة 1865-1870 كانت بمثابة تأسيس دستوري ثانٍ كان قائما على أسس أخرى، إذ وضعت تعريفا أوسع للمساواة كجزء من النظام الدستوري، وأعطت الحكومة الأميركية دورا فعالا في مناهضة عدم المساواة العرقية داخل الولايات، بحسب تقديره.

ويقول راكوف إن الرغبة في استغلال العمالة كانت سمة مركزية لمعظم المجتمعات المستعمرِة في الأميركتين، ولا سيما تلك التي اعتمدت على تصدير سلع ثمينة مثل السكر والتبغ والأرز والقطن، إذ كانت العمالة الرخيصة العامل الحاسم الذي جعل هذه السلع مربحة للغاية، ولم يهتم المزارعون بمن يوفرها سواء كانوا من السكان الأصليين أو الخدم البيض أو العبيد الأفارقة.

أسئلة أخلاقية

إن القول بأن نظام الاستغلال هذا كان فاسدا من الناحية الأخلاقية، يتطلب من المرء تحديد متى بدأت الحجج الأخلاقية ضد الرق تظهر. ويقول المؤرخ الأميركي إنه يجب إدراك وجود عاملين لمعارضة العبودية أخلاقيا، ولكنهما لم يبرزا إلا بعد عام 1750، إذ جاء أحدهما من الطوائف البروتستانتية الراديكالية مثل الكويكرز (جمعية الأصدقاء الدينية) والمعمدانيين، الذين أدركوا أن استغلال العبيد كان خاطئا بطبيعته.

وجاء الآخر من الثوار الذين اعترفوا -كما جادل جيفرسون في مذكراته حول ولاية فرجينيا- بأن فعل امتلاك العبيد بحد ذاته من شأنه أن يؤدي إلى "استبداد متواصل"، ومن شأنه أن يدمر قدرة مالكي العبيد على التصرف كمواطنين جمهوريين. بعبارة أخرى، كان الفساد الأخلاقي الذي كان جيفرسون قلقا منه هو ما سيحدث لمالكي العبيد الذين سيصبحون ضحايا "لعواطفهم الصاخبة".

لكن المشكلة الكبرى التي واجهها جيفرسون -والتي يتجاهلها العديد من منتقديه المعاصرين- هي أنه لا يستطيع تخيل كيف يمكن أن تتعايش الشعوب السوداء والبيضاء كمواطنين أحرار في جمهورية واحدة.

وافترض جيفرسون -بعبارات عنصرية أولية- أن الاختلافات بين الشعوب ستحكم على هذه العلاقة أيضا، وكان يعتقد أنه يجب تحرير الأميركيين ذوي الأصل الأفريقي، ولكن ينبغي استعمارهم في مكان آخر.

ويعتبر راكوف أن هذا جانب من تفكير جيفرسون الذي قد يكون محبطا، ومع ذلك، علينا أيضا أن ندرك أنه "كان يحاول التعامل مع مشكلة حقيقية بصدق".

ويؤكد راكوف أنه لا يوجد تأريخ لأصول العبودية الأميركية يمكن أن "يرضي ضميرنا الأخلاقي اليوم، ولكن كما حاولت مرارا وتكرارا أن أشرح لطلابي في ستانفورد، فإن مهمة التفكير تاريخيا لا تتعلق بإصدار أحكام أخلاقية حول الناس في الماضي، فالإدانة مهما كانت مبررة، لن تفسر أبدا لماذا تصرف الناس في الماضي بهذه الطريقة أو تلك، وهذا هو التحدي الحقيقي لنا كمؤرخين".

مبادئ أساسية

وتضمنت وثيقة استقلال الولايات المتحدة العديد من التجديدات والمبادئ، منها: إعلان أن كل الناس خلقوا على قدم المساواة، وأن لديهم حقوقا حباهم بها الخالق لا يجوز التصرف فيها، منها "حق الحياة والحرية والسعي وراء السعادة"، و"أن الناس لديهم الحق في اختيار حكوماتهم"، وأنه "تأمينا لهذه الحقوق فقد أنشئت الحكومات مستمدة سلطاتها العادلة من موافقة المحكومين".

وعكس الإعلان أفكار العديد من مفكري تلك المرحلة وفلاسفتها حول مبادئ الحرية والعدالة السياسية والاجتماعية، ومن بينهم الكاتب الإنجليزي المولد توماس بين، وجون لوك، إضافة إلى ما كان يدعو إليه مؤيدو حركة الاستقلال.

وتميزت الوثيقة ببلاغة لغوية أثارت إعجاب الأميركيين، وحفزت المواطنين الأوروبيين لدفع حكوماتهم نحو مزيد من الديمقراطية، كما استفادت منها الشعوب الحديثة التواقة إلى الاستقلال والديمقراطية.

ويعتبر يوم 4 يوليو/تموز من كل عام عيدا وطنيا ومناسبة خاصة للشعب الأميركي، وهو عطلة رسمية في البلاد.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية