بركان ألاسكا.. كيف تسببت كارثة طبيعية في إنهاء المملكة الفرعونية وقيام الإمبراطورية الرومانية؟

لوحة للفنان الفلمنكي ورينزو أ. كاسترو تؤرخ لمعركة أكتيوم البحرية التي تعد آخر حروب الجمهورية الرومانية ومصر البطلمية على حد سواء (مواقع التواصل الاجتماعي)
لوحة للفنان الفلمنكي ورينزو أ. كاسترو تؤرخ لمعركة أكتيوم البحرية التي تعد آخر حروب الجمهورية الرومانية ومصر البطلمية على حد سواء (مواقع التواصل الاجتماعي)

كان عام 43 قبل الميلاد، بكل المقاييس، زمنا مضطربًا وفوضويا لمنطقة البحر الأبيض المتوسط، إذ تسبب اغتيال الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر قبل عام واحد في صراع على السلطة دام 17 عاما وأدى لزوال الجمهورية الرومانية، وأيضا انتهت حقبة السلالة البطلمية التي حكمت مصر القديمة لتحل محلهما الإمبراطورية الرومانية التي هيمنت على مساحات واسعة من سواحل المتوسط.

وأدت سلسلة من الأحداث الطبيعية النادرة والطقس الغريب للغاية والصدمات المناخية إلى تحولات في دفة التاريخ البشري آنذاك، إذ تميز عامَا 43 و42 قبل الميلاد بأمطار غزيرة وبرودة شديدة ومريرة أدت إلى انتشار المجاعات والأمراض وفساد المحاصيل واضطرابات هائلة، وربما كان انفجار بركاني في آلاسكا الأميركية (التي لم تكن قد اكتشفت بعد) السبب وراء ذلك.

وفي الورقة التي نشرت في "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" (pnas)، يقول الباحثون إن الحضارات القديمة المتطورة والقوية لعبت فيها الصدمات الطبيعية دورا كبيرا في توجيه أحداثها التاريخية، وتمكن فريق العلماء والمؤرخين المشترك -عبر تحليل الرماد البركاني الموجود في قلب جليد القطب الشمالي- من ربط اضطرابات المناخ في محيط البحر المتوسط بثوران بركان أوكموك في ألاسكا عام 43 قبل الميلاد.

وأدت هذه الأحداث الطبيعية إلى انهيار مملكتين في شمال وجنوب المتوسط، وهو ما يراه مؤرخون دروسا يمكن مقارنتها مع دور جائحة كورونا في تشكيل التاريخ المعاصر، كما يظهر مدى الترابط بين أجزاء العالم حتى قبل أكثر من ألفي عام.

جمهورية في أزمة

ساهمت عوامل كثيرة في سقوط الجمهورية الرومانية، لكن ثوران أوكموك وتغيّر المناخ الذي تلاه ربما كانا القشة التي قصمت ظهر الجمهورية الرومانية والمملكة المصرية البطلمية، اللتين عاشتا ظروفا صعبة شملت القيادة السيئة والحروب والمؤامرات الداخلية والفيضانات، وفقا للدراسة.

بحلول عام 44 قبل الميلاد، كانت الجمهورية الرومانية القديمة على شفا الانهيار بعد عقود من المتاعب السياسية والاقتصادية التي تسمى في التاريخ "أزمات الجمهورية الرومانية" وأدت صدمة الطقس لتفاقم الأوضاع، وأثناء ثوران البركان شكلت العوادم في الغلاف الجوي مانعا أمام وصول الإشعاع الشمسي لسطح الأرض، مما سبب طقسا باردا مفاجئا وسلسلة من التداعيات المناخية.

رسم المؤرخون اليونانيون والرومانيون القدماء صورة قاتمة للسنوات الباردة، وكتب العلماء أن العواصف الثلجية المتكررة والأمراض ونقص الغذاء أصابت الأرض والمحاصيل والبشر، وأسهمت المجاعة والمرض في تفاقم الوضع السياسي المضطرب بما يكفي لانهيار الجمهورية وإفساح المجال للحكم الاستبدادي اللاحق في زمن الإمبراطورية الرومانية.

وقال الأكاديمي المشارك في الدراسة ماكونيل إنه بالنظر إلى الظروف، فمن المحتمل أن يكون الطقس المتطرف الناجم عن انفجار أوكموك له بعض التأثير على الأحداث التاريخية، وأضاف أنه في حين من الصعب التأكد من مدى تأثير البركان بشكل مباشر على سقوط الجمهورية، "يبدو أنه من المنطقي أن ذلك ما حدث"، واعتبر الباحثون أن العامين التاليين للانفجار كانا الأكثر برودة في نصف الكرة الشمالي لمدة 2500 عام.

ويمكن تقسيم تاريخ روما إلى ثلاث فترات. أولا كان هناك التأسيس عندما حكم الملوك الرومان بعد إسقاط الملك الطاغية لوكيوس تاركوينيوس من منصبه عام 509 قبل الميلاد فأصبحت روما جمهورية.

وخلال هذه الفترة الجمهورية صعد نجم روما بعد غزو إيطاليا والتغلب على القرطاجيين، وأصبح الرومان القوة المهيمنة في العالم القديم، وبمجرد انهيار الجمهورية نتيجة للحرب الأهلية، بدأ العصر الإمبراطوري. وخلال هذه الفترة الأخيرة حكمت روما من قبل الأباطرة حتى انهارت في نهاية المطاف.

المملكة المصرية

تشير السجلات التاريخية التي جمعها الكتاب والفلاسفة الرومان إلى نقص الغذاء والمجاعات، وكتب الفيلسوف بلوتارخ في عام 43 قبل الميلاد أن الجيش الروماني كان يعيش على الفاكهة البرية والجذور واللحاء و"الحيوانات لم يتذوقها أحد من قبل".

وفي الضفة الجنوبية المتوسطة، كانت حضارة قديمة أخرى تعايش تأثيرات البراكين بما فيها أوكموك، بسبب تغيرات فيضان نهر النيل.

ويقول فريق الدراسة إن الانفجارات البركانية التي حدثت في الجانب الآخر من العالم قد تكون تسببت في تعطيل الفيضان الذي تعتمد عليه مصر بشكل أساسي للري وتخصيب التربة، وهي الأمور التي تعد حاسمة للمجتمع الزراعي القديم في مصر قبل بناء السدود الزراعية الحديثة، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وقال الأكاديمي مانينغ من جامعة ييل إن الإيقاع العام بأكمله في مصر القديمة كان مبنيا حول الاستجابة للفيضانات، ووجد فريق البحث أن الفيضانات تضعف جدا أو تغيب تماما خلال السنوات التي تتلو الانفجارات البركانية الكبرى على سطح الأرض.

وقام الدكتور مانينغ ومعاونوه بعد ذلك باستخراج ما يقرب من 100 سجل من ورق البردي لتقدير حجم الفيضانات خلال حكم سلالة البطالمة الفرعونية، التي استمرت من 305 إلى 30 قبل الميلاد.

ومرة أخرى، وجدوا أن فيضان النيل يكون ضعيفا للغاية أو يختفي على الإطلاق في زمن الثوران البركاني الكبير، ويؤثر تبريد المناخ على هطول الأمطار في الحبشة حيث منابع النيل الرئيسية التي تمد الماء للنهر والفيضان.

وكشفت سجلات العصر البطلمي التاريخية أن هذا الفيضان المنخفض كانت له عواقب اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة على المجتمع الفرعوني القديم.

والبطالمة هم عائلة من أصل مقدوني نزحت لمصر بعد وفاة الإسكندر الأكبر سنة 323 ق.م، وتولى قائد جيش الأسكندر "بطليموس الأول" حكم مصر، وبعد هزيمة الملكة كليوباترا انتهى عصرهم (30 قبل الميلاد) ليبدأ حكم الرومان حتى زمن الفتح الإسلامي.


المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة