الدين والعلمنة ومشروع التنوير غير المكتمل.. الفيلسوف الألماني هابرماس يقدم تأريخه للفلسفة بالتزامن مع بلوغه الـ٩٠

هابرماس يرى أن جائحة كورونا ستترك بصمتها على الضمير العام (وكالات)
هابرماس يرى أن جائحة كورونا ستترك بصمتها على الضمير العام (وكالات)

يعد الفيلسوف الألماني والمنظر الاجتماعي يورغن هابرماس من بين أكثر المفكرين تأثيرًا في عصرنا، وفي عمله الجديد الذي قدمه بالتزامن مع بلوغه ٩٠ عاماً بعنوان "هذا أيضًا تاريخ الفلسفة" يحاول الفيلسوف -المولود عام 1929- الإجابة عن سؤال يشغله دائماً عن وظيفة الفلسفة في عالم اليوم.

ويسعى هابرماس عبر دراسة تاريخ أكثر من ٣ آلاف سنة من تاريخ الفلسفة، في مشروعه الأخير الصادر في مجلدين وقرابة 1700 صفحة، إعادة صياغة شاملة للتاريخ البشري، معتبراً أن تجزئة الحياة الحديثة وتقسيمها استنفد قدرة الفلسفة على الأسئلة الجريئة، ويدرس الفيلسوف الألماني تقدم الإنسانية عبر تحليل "العقل العام" وتطوره تاريخه.

ويدرس هابرماس كيف ظهرت الأشكال السائدة اليوم من الفكر الغربي "ما بعد الميتافيزيقي" باستخدام منظور تحليلي للعلاقة بين الإيمان والمعرفة ينبثق عن تقاليد قديمة محورية في الإمبراطورية الرومانية؛ ويتتبع هابرماس كيف فصلت الفلسفة نفسها عن الدين وأصبحت علمانية.

ومع ذلك يؤكد هابرماس أن التجربة الدينية وثيقة الصلة بفلسفة الحداثة المعاصرة رغم محاولات علمنتها، ومن منظور منهجي وبتفصيل كبير، يقدم الصراعات الحاسمة والدروس المستفادة ونقاط التحول في تاريخ الفلسفة، بالإضافة إلى التحولات المصاحبة التي زامنتها في مجالات العلوم والقانون والسياسة والمجتمع.

"التنوير غير المكتمل"

في وقت الأزمات، يقترح هابرماس أن الإنسانية بالفعل تمتلك بالفعل الموارد اللازمة التي يمكن إحداث التوازن عبر توجيهها نحو الصالح العام، ومستفيداً من تراث مدرسة فرانكفورت الفلسفية ونقد ما بعد الحداثة، يعتبر أن التاريخ هو "قصة تعلّم الإنسانية" وسجل للمشاكل التي تم حلها والتحديات التي يتم التغلب عليها.

هابرماس (أقصى يمين الخلفية) مع رموز مدرسة فرانكفورت الفلسفية ماكس ويبر ودوركهايمر وأدورنو (ويكي كومنز)

ويوضح هابرماس أن "المعرفة الجديدة حول العالم الموضوعي" إلى جانب "الأزمات الاجتماعية" تخلق "التنافر المعرفي"، وتدفع هذه التناقضات المجتمعات إلى تبني أنماط جديدة من الفهم والتفاعل، بحسب عرض الأكاديمي بجامعة هارفرد براندون بلوخ لكتاب هابرماس الجديد.

ويخصص الفيلسوف الألماني مساحة لدراسة اللغة أو "مصدر العقلانية البشرية، ومخزن المعرفة المتراكمة" كما يسميها، والوسيلة التي يمكن من خلالها تحديث المعرفة وتطويرها، ويناقش أيضاً إشكاليات متعددة حول مسألة "التنوير" والحداثة.

وولد هابرماس في سياق مجتمع الطبقة الوسطى البروتستانتية في ألمانيا الغربية، ليصبح أبرز فلاسفة أوروبا المعاصرين بتاريخ مهني امتد لما يقرب من ٧ عقود، وضع خلاله نظامًا فلسفياً يربط بين نظرية المعرفة واللغويات وعلم الاجتماع والسياسة والدين والقانون.

سيرة ألمانية

وظهرت نصوص هابرماس الفلسفية بأكثر من ٤٠ لغة، وميز هابرماس نفسه على أنه مدافع قوي عن الدور العام للمفكر، وأثارت حواراته مع فلاسفة بارزين مثل الأميركي جون رولز والفرنسي ميشيل فوكو جدلاً عبر العلوم الإنسانية، وشكلت تعليقاته السياسية خلافات حول مواضيع مثل الذاكرة التاريخية والوحدة الأوروبية وحتى الهندسة الوراثية.

وبزغ مشروع هابرماس الفلسفي من صدمات ألمانيا ما بعد الحرب العالمية، إذ نجا بأعجوبة من التجنيد العسكري في زمن الحرب، وكان يبلغ من العمر15 عاما وقت الانهيار النازي؛ ليستمع لاحقا للبث الإذاعي لمحاكمات نورمبرغ لقادة النازية.

ومصمماً على الكشف عن المسار الذي ذهب فيه التاريخ الألماني بشكل خاطئ للغاية، وفي محاولة لاستكشاف ما إذا كانت الثقافة الألمانية تمتلك موارد لإعادة بناء البلاد، تخلى هابرماس عن فكرة دراسة الطب لمتابعة دروس الفلسفة، ورفض أفكار الوجودية السائدة واليأس الثقافي؛ وبدلاً من ذلك أصبح واحدا من أبرز منظري مدرسة فرانكفورت الفلسفية مع ماكس دوركهايمر وثيودور أدورنو الذين شارك في بناء معهدهم للبحوث الاجتماعية الذي تحول لملاذ للمناقشة النقدية وسط الثقافة الأكاديمية المتراجعة بعد الحرب في ألمانيا الغربية.

وفي مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية مؤخراً، حلل الفيلسوف الألماني الشهير النتائج والآثار الأخلاقية والسياسية لأزمة الصحة العالمية الحالية، وحث الاتحاد الأوروبي على مساعدة الدول الأعضاء الأكثر تأثرا، وقال "علينا أن نكافح من أجل إلغاء النيوليبرالية".

وحذر الفيلسوف الألماني -الذي يوصف بأنه وريث تركة مدرسة فرانكفورت التي ابتكرت مفاهيم فلسفية مثل الهيمنة التقنية والعقل الأداتي- من تزايد خطر الشعبوية الوطنية واليمين المتطرف، معتبرا أن السلطات السياسية تعامت عنه بذريعة معاداة الشيوعية المهيمنة.

الدين والعلمنة

يمثل كتاب هابرماس مرحلة ثالثة من مشروعه الفلسفي، وهي المرحلة التي اكتسبت فيها مسائل الإيمان والدين أهمية متزايدة؛ و في خطاب بعد شهر واحد من هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وصف هابرماس الديمقراطيات الغربية المعاصرة بأنها "مجتمعات ما بعد علمية" وقال إن المجال العام يجب أن يستوعب التنوع الديني ويسمح بمشاركة المواطنين المتدينين، بحسب العرض الذي قدمه بلوخ لموقع بوسطن ريفيو (bostonreview).

وذهب هابرماس أبعد من ذلك في مقاله لعام 2005 الذي أعقب مناقشة مع الكاردينال جوزيف راتزينغر (البابا بنديكتوس الـ١٦ لاحقًا)، معتبراً أنه لا ينبغي أن يتمتع المواطنون المتدينون والعلمانيون بوصول متساوٍ إلى المجال العام فحسب، ولكن أيضاً يجب عدم استبعاد المساهمات الدينية من الحقل المعرفي لأنها ذات أهمية خاصة.

وبالنسبة لبعض محاوري هابرماس العلمانيين، خانت هذه "التنازلات" الفكرية للدين، الوعود العقلانية للنظرية الاجتماعية النقدية، التي ينسب إليها هابرماس، ويقول الأكاديمي بجامعة هارفرد براندون بلوخ إن لديه أدلة على مشاركة هابرماس في مجموعات عمل "مسيحية ماركسية" في أوائل الستينيات ونقاشات مع علماء لاهوت مسيحيين في الثمانينيات تدعم فكرته بأن المواطنين المتدينين يمكنهم المساهمة ببصيرة أخلاقية في المجال العام، وأنهم فعلوا ذلك في ألمانيا الديمقراطية.

وبينما تستوعب أوروبا (وألمانيا) موجات جديدة من المهاجرين المسلمين، سعى هابرماس إلى مكافحة خطابات كراهية الأجانب مشددا على أهمية الديمقراطية للتعامل مع الخلافات الدينية.

وفي كتابه الأخير ظل هابرماس واضحا بشأن الدور التأسيسي للمسيحية الغربية في الفلسفة الحديثة، وتتبع صعود العقلانية معتبرا أن "عملية العلمنة لا تزال غير مكتملة" إذ لا يوجد بديل عن أخلاقيات العدالة والحب الدينية، بحسب تعبيره.

تراث ديني

وأوضح هابرماس أن التراث الديني الغربي (اليهودي المسيحي) لم يكن مجرد مرحلة عابرة في بزوغ الفكر والسياسة الحديثة، بل ساهم -وربما لا يزال يساهم- في تشكيل جوهره الأساسي.

ويقول هابرماس إنه بينما بقيت اليهودية مرتبطة للغاية بلغتها ونصوصها المقدسة للتفاعل مع محيطها. حفزت الظروف الفريدة لمجابهة المسيحية المبكرة للفلسفة اليونانية والدولة الرومانية من عملية التعلم والتلاقح المتبادل بين الإيمان والمعرفة؛ وهو ما أثمر توليف الإمبراطور الروماني أوغسطين في القرن الرابع الميلادي بين المسيحية والأفلاطونية، ولاحقاً، جلب النظام القانوني المستوحى من المسيحية الغربية إلى عالم سياسات القوة.

وعابرا للصراعات بين الكنيسة والدولة في أوروبا في العصور الوسطى، يصل هابرماس إلى إيطاليا في القرن الـ13 كنقطة تحول جديدة، أو موقع ظهرت فيه الأشكال المبكرة للرأسمالية البدائية مثل التمايز الوظيفي وتقسيم العمل في المجتمع.

وغادر توماس ألاكويني، المفكر الشهير في تلك الفترة تقليد التوليف المسيحي الأفلاطوني لأوغسطين، ليؤسس الفصل بين اللاهوت والفلسفة كتخصصات مختلفة، وهكذا أصبح العقل والإيمان مسارات مستقلة تمامًا نحو الخلاص.

ورغم أن ألاكويني ظل مؤيداً للنظام الملكي، فإن صياغته لـ "القانون الطبيعي"، التي زرعها الله في العقل البشري، فتحت الباب أمام النظريات الديمقراطية الوليدة، ومع انتقادات غير مسبوقة للبابا، نظر خلفاء ألاكويني في أواخر العصور الوسطى للقانون كحد من سلطة كل من الكنيسة وسلطة الدولة، واستهلوا بذلك عصرًا جديداً.

وفي تأريخه لعصر بزوغ المذهب البروتستانتي الذي افتتحه الراهب الألماني مارتن لوثر (توفي 1546) يجادل هابرماس بأن هجوم لوثر على السلطة الكنسية، لم يؤد فقط إلى تفاقم انشقاق الكنيسة والدولة وإنما لنشأة عقلانية تمنح فيها السلطة للحجة الأكثر إقناعا وليس القدرة على فهم النص المقدس.

وبشكل عام يعيد هابرماس بناء التفاعلات بين الإيمان المسيحي والمعرفة الدنيوية ليس كعملية للصراع، وإنما كمساحة للتعلم المتبادل والتثاقف.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

غالبا ما قدم الفيلسوفان الوجوديان سارتر ودي دي بوفوار رؤية موحدة تجاه القضايا المختلفة من الناحيتين السياسية والفكرية، لكن فيما يتعلق بقضية فلسطين وإسرائيل كانت لديهما استنتاجات مختلفة ومتباينة للغاية.

تقول الفيلسوفة الألمانية كارولين إيمكه التي تعيش في برلين، إنها تشعر بالصدمة كلما شاهدت تفشي فيروس كورونا بمدريد أو معاناة اللاجئين في مخيمات الإيواء، محذرة من تحول الجائحة ذريعةً للاستبداد.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة