صفحات مجهولة وثقتها عملات نادرة.. كيف فشل الغزو الإيطالي لمصر؟

انتقلت العملات الإيطالية من روما إلى بيرتا (القبة) الليبية، استعدادا لنقلها إلى مصر بعد الغزو (الأرشيف الوطني الهولندي)
انتقلت العملات الإيطالية من روما إلى بيرتا (القبة) الليبية، استعدادا لنقلها إلى مصر بعد الغزو (الأرشيف الوطني الهولندي)

لا تحمل ذاكرة المصريين المعاصرة الكثير مما يتصل بالعلاقات بين مصر وإيطاليا، وربما لا يعرف غالبيتهم أن إيطاليا سعت في القرن الماضي إلى احتلال مصر التي كانت واقعة تحت الاستعمار البريطاني آنذاك.

لكن هذه الصفحات المجهولة للكثيرين، وثقتها أوراق نقدية نادرة لم تخرج إلى النور، ورغم ذلك تحولت إلى شاهد تاريخي على هذا الحدث، فما قصتها وكيف بدأت وإلى أين انتهت؟

أحلام إمبراطورية

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، وتحقيق ألمانيا النازية عددا من الانتصارات المدوية، بدا للدكتاتور الإيطالي بينيتو موسوليني أن أحلامه في إحياء الإمبراطورية الرومانية قد دقت ساعتها، وطافت بخياله انتصارات مثَله الأعلى الإمبراطور الروماني أوكتفيان أغسطس والمساحات الشاسعة التي امتد إليها ملكه، والتي كان من بينها مصر.

لم ينتظر الدوتشي (لقب موسوليني الأشهر ويعني: القائد) طويلا حتى أعلن في 10 يونيو/حزيران 1940 الانضمام إلى حليفه النازي أدولف هتلر، ضمن ما يعرف بدول المحور في إعلان الحرب على الحلفاء.

كان احتلال مصر على رأس أولويات موسوليني بالنظر لأهمية موقعها الإستراتيجي وأهمية السيطرة على قناة السويس، مما يسمح بحصار البريطانيين والوصول إلى آبار النفط في منطقة الخليج.

وفي سبتمبر/أيلول 1940، اتفقت ألمانيا وإيطاليا واليابان على تقسيم العالم إلى 3 مناطق نفوذ، تحصل بموجبها إيطاليا على شمال وشرق أفريقيا. وأرادت مخططات روما أن تحول البحر المتوسط إلى بحيرة إيطالية خاصة، بحسب ما ذكر الدكتور صلاح العقاد في كتابه العرب والحرب العالمية الثانية.

نموذج لورقة من فئة 50 قرشا كانت معدة للتداول في مصر وتحمل صورة الإمبراطور الروماني أغسطس بيعت بـ13 ألف دولار (دار مزادات ستاكس بويرز)

غزو السفاح

بدأت القوات الإيطالية في ليبيا زحفها تجاه مصر في 13 سبتمبر/أيلول 1940، بقيادة المارشال رودولفو غراتسياني (المعروف باسم سفاح ليبيا بسبب جرائمه الوحشية أثناء قمعه للمجاهدين الليبيين)، وتمكنت من التوغل لمسافة 60 ميلا (حوالي 97 كلم) داخل الحدود المصرية واحتلال السلوم وسيدي براني، قبل أن تتوقف لتشييد سلسلة من المعسكرات الدفاعية.

لكن هجوما بريطانيا مضادا في أوائل عام 1941، أجبر الإيطاليين على الانسحاب حتى بنغازي، وتمكن الحلفاء من أسر نحو 130 ألف إيطالي والاستيلاء على مئات الدبابات والمدافع، بينما فرّ غراتسياني بعد هزيمته المنكرة وغادر برقة في 2 فبراير/شباط 1941.

المنقذ رومل

بدت أحلام موسوليني في مهب الريح، ومع احتمال خسارته حتى أراضي ليبيا نفسها لم يجد مفرا من الاستنجاد بالألمان، ولم يتأخر هتلر عن نجدة حليفه، فأمر بتشكيل قوة أطلق عليها اسم الفيلق الأفريقي، وعهد بقيادتها إلى الجنرال إرفين رومل، أحد أبرع القادة في حرب الدبابات والذي انطلق سريعا إلى ليبيا.

بدأ رومل (ثعلب الصحراء كما عُرف لاحقا) هجومه المعاكس في أواخر مارس/آذار 1941، وبحلول 11 أبريل/نيسان التالي كان قد أعاد السيطرة على كل ليبيا باستثناء طبرق.

وفي الشهر نفسه، خرجت صحيفة ريلاسيوني إنترناسيونالي الإيطالية شبة الرسمية، لتعلن الغزو الوشيك لمصر مؤكدة أن الحصن المصري من المحتم وقوعه تحت السيطرة الإيطالية الألمانية، وأن مصير مصر سوف يتقرر في روما وبرلين إلى الأبد.

ونجحت القوات الألمانية الإيطالية في منتصف مايو/أيار 1941 في الوصول إلى الحدود المصرية والاستيلاء على السلوم (أقصى الحدود الغربية)، وخلال الشهور التالية وقعت العديد من مواجهات الكر والفر بين رومل وقوات الحلفاء، انتهت في 20 يونيو/حزيران 1942 باستيلاء رومل على كامل ليبيا متوجا انتصاراته بالسيطرة على طبرق، ليصبح الطريق مفتوحا أمامه إلى مصر.

أحيت انتصارات رومل في حرب الصحراء بشمال أفريقيا، آمال موسوليني في السيطرة على مصر (غيتي إيميجز)

على أبواب مصر

وبالفعل لم يضع رومل -الذي كافأه هتلر بمنحه رتبة "فيلد مارشال"- الفرصة السانحة، وبدأ تقدمه الكاسح باتجاه الحدود المصرية التي وصلها في 24 يونيو/حزيران، وتدفقت القوات الألمانية والإيطالية إلى عمق مصر.

وبحلول 30 من الشهر ذاته، كانت قوات المحور قد سيطرت على مرسى مطروح وتوقفت قرب العلمين على مسافة 112 كلم فقط من الإسكندرية، وبدا شبح الاحتلال الإيطالي الألماني لمصر أقرب من أي وقت مضى.

وفي 29 يونيو/حزيران، طار الدوتشي نفسه إلى درنة وصاحبته طائرة نقل كبيرة تحوي -بين أشياء كثيرة- فرسا أبيض خطط أن يمتطيه وهو يدخل القاهرة ظافرا، وفق ما ذكرته الكاتبة البريطانية أرتيميس كوبر في كتاب "القاهرة في الحرب العالمية الثانية".

وأعلن موسوليني وقتها أنه سيعين مفوضا ساميا إيطاليا على مصر خلال 15 يوما. وفي 2 يوليو/تموز 1942، وصل موسوليني إلى طبرق، حيث استقبله السفير الإيطالي في مصر الكونت ماسوليني والذي طُرد من القاهرة بعد إعلان بلاده دخول الحرب.

وجدد الجانبان الإيطالي والألماني اتفاقهما السابق بشأن تقسيم النفوذ الاقتصادي في المناطق المحتلة، وانتهى إلى أن مصر من نصيب إيطاليا حتى لو كانت الانتصارات قد تحققت بفضل فيلق أفريقيا الألماني، وأمر موسوليني بالبدء الفوري في طباعة عملات الاحتلال الإيطالي لمصر والسودان.

رغم الحالة السيئة لهذه العملة باعتها دار وينرز للمزادات بـ13 ألف دولار (دار وينرز للمزادات)

عملات إيطالية

وفي روما عملت آلات دار السك والطباعة الوطنية الإيطالية بأقصى طاقاتها لطباعة 500 مليون ورقة نقدية من 9 فئات مختلفة، هي 1 و5 و10 و50 قرشا، و1 و5 و10 و50 و100 جنيها مصريا، لإحلالها محل العملات المصرية والسودانية المتداولة آنذاك، وحملت اسم صندوق البحر المتوسط التسليفي لمصر، وأخرى للسودان باللغتين العربية والإيطالية.

وللدلالة على أحلام موسوليني التوسعية، حملت 4 من العملات التسع صورة الإمبراطور الروماني "أغسطس" المثل الأعلى للدكتاتور الإيطالي.

وبحسب خبير العملات الإيطالي غيدو كرابانسانو في كتابه "نقود إيطاليا-قرن من العملات الورقية" فقد نُقلت العملات الورقية في 16 يوليو/تموز 1942 بطائرة عسكرية من روما إلى بيرتا (القبة حاليا، وهي بلدة تقع شمال شرقي ليبيا)، ومن هناك تم نقلها بواسطة الدبابات إلى ثكنات بَركي (المرج القديمة وهي مدينة ليبية بالقرب من ساحل البحر المتوسط وتقع بين درنة وبني غازي)، حيث تم حفظها في صناديق محكمة في انتظار إعلان السيطرة على مصر.

نهاية الحلم

لكن النصر السريع الذي كان يأمله موسوليني لم يتحقق، وطوال شهر يوليو/تموز 1942 صمد الخط الدفاعي البريطاني في العلمين، وبحلول أغسطس/آب 1942 تبخرت أوهام الاحتلال الإيطالي لمصر، وتمكن القائد البريطاني الجديد للجيش الثامن الجنرال برنارد مونتغمري من إعادة ترتيب أوراقه لتنقلب الدفة لصالح الحلفاء.

وجاءت معركة العلمين الثانية (23 أكتوبر/تشرين الأول-11 نوفمبر/تشرين الثاني 1942) لتكون معركة حاسمة في إلحاق الهزيمة بقوات المحور، حتى جاء إعلان الانتصار الرسمي للحلفاء في شمال أفريقيا يوم 15 مايو/أيار 1943.

أدولف هتلر يتفقد قوات جيشه النازي قبل هزيمة الحرب العالمية الثانية (غيتي إيميجز)

مصير غامض

انتظرت الأوراق النقدية للاحتلال الإيطالي المكدسة في ثكنات بركي انتصارا لم يتحقق، بل تحول إلى هزيمة قاسية على يد القوات البريطانية، وصار مصيرها غامضا، وترددت معلومات عن حرقها.

وظلت نقود الاحتلال الإيطالي لمصر سرا خفيا حتى عام 1967، حين تمكن جامع عملات إيطالي من الحصول على 5 ورقات نقدية خاصة بمصر من فئات 5 و10 و50 قرشا و5 و50 جنيها مصريا، هي الآن من مقتنيات البنك المركزي الإيطالي.

وقال البائع للخبير الإيطالي كرابانسانو إن العملات الخمس كانت جزءا من مجموعة من 8 ورقات استطاع عمه -وهو أحد جنود الدرك الإيطالي في ليبيا- إنقاذها من الحرق قبل وصول مونتغمري، وقام العسكري الإيطالي بتقسيمها بين ابنيْ أخيه، لكن مصير العملات الثلاث الأخرى ظل مجهولا.

وصارت هذه العملات الشاهدة على مخططات موسوليني من أندر العملات التي يتسابق الهواة على امتلاكها.

وانتظر الخبراء والهواة حتى 29 سبتمبر/أيلول 2015 حين عرضت دار مزادات سبينك أول مجموعة كاملة الفئات (بما فيها فئة الواحد قرش) لنماذج عملات الاحتلال الإيطالي لمصر، وبيعت بمبلغ 90 ألف جنيه إسترليني.

وباعت دار وينرز للمزادات والمعارض في مدينة القدس في 7 سبتمبر/أيلول 2016 المحتلة ورقة واحدة فريدة من الإصدار المعد للتداول من فئة 5 جنيهات، ورغم أنها كانت بحال سيئة فإن سعرها وصل إلى  حوالي 13 ألف دولار.

المصدر : الجزيرة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة