دنيس بروتوس.. سيرة غير ذاتية لشاعر جنوب أفريقي ومناضل ضد الفصل العنصري

تغيرت الأساليب الأدبية للشاعر والمناضل الجنوب أفريقي دينيس بروتوس لكن رفضه لكتابة سيرة ذاتية لم يتغير (غيتي)
تغيرت الأساليب الأدبية للشاعر والمناضل الجنوب أفريقي دينيس بروتوس لكن رفضه لكتابة سيرة ذاتية لم يتغير (غيتي)

تصدر قريبا سيرة غير ذاتية لدنيس بروتوس، وهو اسم معروف في جنوب أفريقيا لشاعر وكاتب رحل نهاية 2009، واشتهر بحملته الناجحة لمنع جنوب أفريقيا من المشاركة في الألعاب الأولمبية بسبب سياسة الفصل العنصري.

وصنف بروتوس -الذي ولد عام 1924- باعتباره "ملونا"، وهو مصطلح يستخدم للإشارة إلى الأشخاص من أصول أوروبية مختلطة أو أفريقية أو آسيوية، بموجب قانون تسجيل السكان لعام 1950 في نظام قنّن الفصل العنصري.

وعلى الرغم من شهرته وإنجازاته الأدبية والسياسية، لم تكن هناك سيرة واحدة مكتوبة عنه، سواء كانت ذاتية أم غيرية، كما أنه لم ينشر أي عمل عن نفسه رغم كثرة كتاباته ومؤلفاته الأدبية والسياسية، وأعرب عن إخفاقه في كتابة سيرة ذاتية في حوار له عام 1974، مبررا إحجامه عن الشروع في كتابة سيرته الذاتية على نطاق واسع بأنه "لا يوجد سرد متماسك أو موحد في حياته".

وقال بروتوس "أخفق في أن أرى في حياتي أي نوع من التماسك أو النمط أو الخيط الموحد الذي يبرر السيرة الذاتية.. يبدو لي أن السير الذاتية تحتاج إلى تنظيم معرفة المرء بالحياة بطريقة تظهر نمطا ما".

شاعر ضد التمييز

وكان بروتوس ناشطا ضد حكومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ومارس السياسة في "الحركة التروتسكية" في جنوب أفريقيا.

وانضم لحركة لمواجهة العنصرية في الرياضة، وقاد حملة ناجحة لإلغاء استضافة جنوب أفريقيا جولة رياضة الكريكيت عام 1959، وكان مؤسسا مشاركا للجنة الأولمبية غير العنصرية في جنوب أفريقيا (SANROC)، وهي منظمة ساهمت بشكل كبير في حرمان جنوب أفريقيا، في عصر الفصل العنصري، من المشاركة واستضافة الألعاب الأولمبية في العام 1964.

وعندما حاولت جنوب أفريقيا، في عام 1968، العودة إلى دورة الألعاب الأولمبية بالقول إنها ستشارك بفرق متعددة الأعراق، لم تنجح في ذلك نظرا لاختيار تلك الفرق على أساس منفصل، مما أدى إلى استمرار حظر جنوب أفريقيا من عام 1968 حتى نهاية الفصل العنصري في عام 1992.

وفي عام 1963، ألقي القبض على بروتوس لمحاولته مقابلة مسؤول باللجنة الأولمبية الدولية، واتُهم بخرق شروط الحظر المفروض عليه في وقت سابق، وحُكم عليه بالسجن 18 شهرا. وخرج بكفالة لتتم إعادة إلقاء القبض عليه أثناء محاولته مغادرة جنوب أفريقيا لحضور اجتماع اللجنة الأولمبية الدولية في ألمانيا الغربية، وبينما كان في موزمبيق ألقت الشرطة السرية الاستعمارية البرتغالية القبض عليه، وأعادته إلى جنوب أفريقيا حيث حبس مجددا لقرابة عام ونصف العام في حبس انفرادي بجانب الزعيم والمناضل نيلسون مانديلا على جزيرة روبن بكيب تاون.

تحولات شعرية

ومُنع بروتوس من التدريس والكتابة والنشر في جنوب أفريقيا، ولكن تم نشر مجموعته الأولى من الشعر في نيجيريا أثناء وجوده في السجن، وحصل الديوان على جائزة مباري الشعرية، التي تُمنح لشاعر أسود مميز، لكن بروتوس رفضها لأنها جائزة على أساس العرق.

عندما أنهى مدته في السجن، سُمح لبروتوس بمغادرة جنوب أفريقيا مع زوجته وأطفاله بموجب "تصريح خروج"، وهي وثيقة جعلت من غير القانوني بالنسبة له العودة. عاش في لندن من عام 1966 إلى 1970، حيث عمل مدرسا وصحفيا. في عام 1970 تولى منصب أستاذ زائر للغة الإنجليزية في جامعة دنفر لمدة عام، وبعد ذلك انتقل إلى جامعات مختلفة، وفي عام 1983 مُنح حق اللجوء السياسي في الولايات المتحدة.

وعرف شعر بروتوس تحولات مميزة ارتبطت باهتماماته المختلفة ومراحل حياته، واعتبر ديوانه الأول نوعا من الشعر التقليدي أو الرسمي مع تراكيب صعبة، لكن الشاعر الذي درس الأدب الإنجليزي تحوّل إلى أساليب أكثر بساطة وأقل غموضا عندما كتب أشعاره في السجن التي كانت أقرب لبيانات سياسية.

وقرر في محبسه الانفرادي أن يكتب شعرا بسيطا غير مزخرف يمكن للناس العاديين فهمه بسهولة، واحتوت رسائله من سجن في جنوب أفريقيا عام 1968 على لغة مباشرة وصريحة، وألّف 14 كتابا وديوان شعر.

بعد أن غادر جنوب أفريقيا وبدأ حياته في المنفى، تغيّر شعر بروتوس مرة أخرى. ليوازن بين التعقيد والبساطة، وأثناء سفره حول العالم باعتباره مناهضا للفصل العنصري، كتب العديد من كلمات الحنين التي تذكر جمال ورعب بلاده، وجُمعت في دواوين "من الجزائر" (1970)، و"الأفكار في الخارج" (1970)، و"شهوة بسيطة" (1973).

تردد وتناقض

واعتبر تيرون أوغست مؤلف سيرته -التي ستصدر قريبا- أن حياة بروتوس منسوجة بعمق في نسيج التاريخ الحديث لجنوب أفريقيا، بحسب مقاله لموقع كونفيرذيشن.

ويسجل أوغست -الذي كتب رسالة دكتوراه في شعر بروتوس- تردد الشاعر الجنوب أفريقي في كتابة سيرته الذاتية عندما كان على قيد الحياة، مشيرا إلى أنه حاول كتابة أجزاء من سيرة ذاتية في شكل مقالات. وسبق أن حاول هال ويلي، وهو أكاديمي من جامعة تكساس، في عام 1988 تطويرها نحو سيرة ذاتية تصدر كعمل أدبي وتضم تفاصيل وذكريات وجوانب شخصية وتقدم تاريخ صعود الفصل العنصري، ونضال بورت إليزابيث وكيب الشرقية كمواقع رئيسية لهذا الصراع، لكن بروتوس رفض الفكرة بعد أن كان تحمس لها وكتب مسودة بخط يده.

يتذكر ويلي في المراسلات الشخصية بينه وبين الشاعر الجنوب أفريقي كيف كُتبت هذه المسودة، ويقول "كانت تستند إلى الأشرطة التي سجلها دنيس، والتي قمت بنسخها وكتابتها. ثم استُكملت بإضافات كتبها بخط اليد وردوده إجابةً على أسئلتي”، لكن عند مرحلة معينة رفض الشاعر الجنوب أفريقي الاستمرار في المشروع وتخلى عن الفكرة.

واستمر بروتوس في التشكيك بالطبيعة المتطفلة لكتابة السيرة الذاتية، وعكست إحدى قصائد بروتوس انزعاجه من إمكانية كتابة سيرة ذاتية عن حياته الخاصة، إذ أبدى في قصيدة نشرت عام 1973 في مجموعته "شهوة بسيطة" انزعاجه من احتمال سرقة أوراقه، متسائلا عما سيجدونه في مذكراته من خزي أو ندامة، وكيف سيتم تقييم حياته الخاصة من قبل الغرباء.

وحرص بروتوس بشكل قاطع على عدم فرض خيط محدد على حياته، وكان يعتقد أنه على الرغم من أن بعض الحالات في حياته قد تكون مثيرة، فإنها لا تبرر كتابا.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة