أدب ما بعد الوباء في العصور الوسطى.. كيف تغير الشعر الإنجليزي بعد طاعون أوروبا الكبير؟

الشاعر الإنجليزي جون غاور يرمي العالم بسهم في مخطوطة لأعماله تعود لعام 1400م تقريبا (ويكي كومنز)
الشاعر الإنجليزي جون غاور يرمي العالم بسهم في مخطوطة لأعماله تعود لعام 1400م تقريبا (ويكي كومنز)

أدى الانخفاض الحاد في عدد سكان أوروبا بسبب موجات الطاعون التي أعقبت وصول الموت الأسود عام 1348 إلى واحدة من أكثر فترات التغيير الاقتصادي والاجتماعي إثارة في التاريخ الإنجليزي، وبحلول عام 1377، بلغ عدد السكان قرابة نصف أرقام ما قبل الطاعون ولكن بالنسبة لأولئك الذين نجوا كانت هناك فرص جديدة.

مع وجود مساحة كبيرة من الأراضي المتاحة للزراعة، أصبحت أمام الفلاحين فرصة للترقي الاجتماعي والحصول على أراض أكبر واستئجارها بشروط أكثر سهولة، وبالمثل، فإن أولئك الذين يعملون مقابل أجر أصبح بإمكانهم أن يستفيدوا من نقص العمالة لزيادة دخلهم ويتوفر لهم العديد من الأطعمة والسلع المصنعة التي لم تكن متاحة لهم قبل الوباء.

وهكذا شهد النصف الثاني من القرن الـ 14، تصاعدا في مستويات المعيشة والحراك الاجتماعي، وتزايد الصراع الطبقي حيث سعت الطبقات الدنيا لتحسين أوضاعها، بحسب مقال لستيفن ريجبي أستاذ التاريخ الاجتماعي والاقتصادي في العصور الوسطى بجامعة مانشستر البريطانية.

وأدت التغيرات الاجتماعية الدرامية في هذه السنوات لردود فعل من الشعراء المعاصرين. وفي فترة العصور الوسطى، كان يُنظر إلى الأدب الخيالي غالبًا على أن له وظيفة أخلاقية من خلال تدريس "الفضيلة" التي تم تعريفها على أنها تنفيذ الأعمال والمهام المتوقعة وفق الترتيب والنظام الاجتماعي القائمين.

مخطوط يصور الشاعر الإنجليزي جيفري تشوسر كأحد حجاج "حكايات كانتربري" التي دعا فيها للالتزام بالنظام الاجتماعي (ويكي كومنز)

وإذ يلاحظ النقد الأدبي الحديث أدبا خياليا يتحدى الأيديولوجيات السائدة أو يعبر عن التمرد الاجتماعي، كان الشعراء في فترة ما بعد الطاعون الأوروبي يسعون إلى تعزيز النظام والتسلسل الهرمي القائم في المجتمع ضد التهديدات والتغييرات التي تعرض لها بسبب الوباء، بحسب مقال ريجبي لموقع كونفيرذيشن.

لانغلاند وغاور ضد الفلاحين

يمكن العثور على هذه المشاعر المتوجسة من التغيير الاجتماعي في قصيدة الشاعر الإنجليزي ويليام لانغلاند (1332 – 1386) الرمزية "بيرس بلومان" التي يعبر فيها الشاعر عن تعاطفه مع أولئك الذين كانوا فقراء بالفعل أو يعملون بجد ولكنهم تأثروا بتشريعات العمل بعد الطاعون، مهاجما أولئك الذين يفضلون التسول بدلا من العمل، على حد وصفه.

كانت هناك شكاوى متكررة في البرلمان حول العمال الذين يفضلون الصدقات على العمل، أو الذين استغلوا نقص العمالة للمطالبة بأجور أعلى. وردا على ذلك، تم تشريع سلسلة من القوانين للحد من حركة اليد العاملة وتجميد الأجور عند مستويات ما قبل الطاعون.

ودعا لانغلاند طبقة الفرسان والنبلاء للدفاع عن المجتمع من أولئك "المارقين" الذين رفضوا العمل، منتقدا العمال الذين طالبوا بفارغ الصبر بأجور أعلى ورفضوا الامتثال للتشريع الجديد.

الشاعر الإنجليزي ويليام لانغلاند انتقد طموح الفلاحين والعمال للترقي الاجتماعي (ويكي كومنز)

واشتكى المثقفون "الأخلاقيون" آنذاك، من أولئك الذين صعدوا فوق مستوياتهم الاجتماعية، وفي عام 1363 صدر قانون يحدد الطعام واللباس المناسبين لكل طبقة اجتماعية. وتماشيا مع هذا الموقف، شجب لانغلاند العمال الذين اعتبر أنهم كانوا يحتقرون الخضروات غير الطازجة ولحم الخنزير المقدد والخمور الرخيصة ويطلبون بدلا من ذلك اللحوم والخضروات الطازجة والأسماك والخمور الغالية.

وجرى التعبير عن وجهات نظر مماثلة في قصيدة غون جوير "صوت بكاء في البرية"، حيث يهاجم الفلاحين لكونهم خاملين وأشرارا، معتبرا أن عامة الناس وقعوا في تصرف شرير تجاهلوا فيه قوانين العمل وكانوا يعملون فقط إذا تلقوا أعلى أجر ممكن.

وعندما رفضت الطبقات الدنيا التزام مواقعها، كما هي الحال في الثورة الكبرى عام 1381 "المعروفة أيضًا باسم ثورة الفلاحين"، تمت إدانتهم من قبل المؤرخين المعاصرين على أنهم شريرون وغادرون ومتشيطنون.

وتماشيا مع مثل هذه الانتقادات، تضمنت قصيدة غوير سردا مجازيا للأمر يصور المتمردين كحيوانات المزرعة ترتفع ضد أسيادها، ويتحولون فيما بعد إلى وحوش تهاجم الإنسانية وتصبح من أتباع الشيطان في تمسكهم بالذنب والذبح.

تشوسر وحكايات كانتربري

وإذا كان لانغلاند وغاور معاديين بشكل صريح لتطلعات الفلاحين والعمال، بدت قراءة جيفري تشوسر -الملقب بأبي الشعر الإنجليزي- أكثر صعوبة وتعقيدا، بحسب الأكاديمي والمؤرخ البريطاني.

وبالنسبة لكثير من النقاد، كان تشوسر الذي يوصف بأنه أهم الشعراء الإنجليز في العصور الوسطى قبل زمن شكسبير يفضل أن يقدم لقرائه أسئلة بدلاً من تزويدهم بإجابات، وبالنسبة لهم أيضا، فإن استخدامه لأصوات متعددة ووجهات نظر متنوعة يشكل تحديًا للمعتقدات المعاصرة، ويسرد الشاعر الإنجليزي مجموعة من القصص على ألسنة حجاج ضريح القديس توماس في كانتربري البريطانية.

ومع ذلك، يرى نقاد آخرون أن تشوسر كان أكثر محافظة وتمسكا بالنظام القائم، فمن بين الحجاج في حكايات كانتربري كان أولئك الذين يتم تقديمهم على أنهم مثيرون للإعجاب هم الأشخاص الذين يؤدون المهام التقليدية لممتلكاتهم الاجتماعية.

وعلى سبيل المثال، يعتبر بارسون راعيا جيدا لقطيعه، والفارس صليبيا شهما، والمزارع يحرث أرضه بجد ويدفع أعشاره بإخلاص، بينما أولئك الذين يفشلون في واجباتهم أو يسعون إلى النهوض فوق مقامهم هم الذين يسخر منهم تشوسر كما هي الحال عندما يفضل الراهب الصيد عن حياة الدراسة والصلاة.

وبالتأكيد، يقدم بارسون رسالة محافظة اجتماعيا عندما يؤكد، في نهاية حكايات كانتربري، بأنه كجزء من النظام الكوني الذي تم ترتيبه إلهيا، عبر خلق أناس في مرتبة اجتماعية أعلى وآخرين في طبقة أدنى، لذلك على الناس أن يقدموا الشرف والطاعة ليس فقط للإله ولكن أيضًا لآبائهم الروحيين ورؤسائهم، ولا ينبغي لأحد أن يندب مصيبته أو يحسد نِعم الآخرين، بل يجب أن يتحمل ويصبر على أمل الحصول على الفرح والنعيم في الحياة الآخرة، بحسب مقال الأكاديمي البريطاني.

وبالنظر للاتجاه الأدبي السائد في العصور الوسطى الذي يعتبر نهاية النص مهمة بشكل استثنائي وتحمل مغزى خاصا، يمكن اعتبار موقف بارسون يمثل آراء الشاعر تشوسر نفسه، ويعني ذلك أن الشاعر الإنجليزي لم يكن مختلفا عن أقرانه وكانت مواقفه من التغير الاجتماعي في زمنه سلبية وشبيهة بآراء غاور ولانغلاد، على خلاف ما يسعى العديد من القراء المعاصرين لإثباته.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

من بين المسرحيات التي كتبها شكسبير أثناء انتشار الطاعون بلندن،كانت مسرحية “كريولانس”، التي تجسد الطبقية والصراع بين القادة والجماهير في الحياة الرومانية القديمة، واستند فيها الأديب الإنجليزي لمؤرخ يوناني قديم.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة